انتباه

٢٣ يوليو.. والمستقبل!

علاء عبد الوهاب
علاء عبد الوهاب


هل يمكن عند الحديث عن ثورة ٢٣ يوليو ألا نجتر الماضى ونستشرف المستقبل؟

الشعوب الحية تتعامل هكذا مع تجاربها الثرية، لا تمجد ولا تجلد، لكنها عندما تتطلع إلى تاريخها، لاسيما فصوله القريبة ـ بمعيار تاريخى بحت ـ بصدق وموضوعية، وفق رؤية نقدية، تنحى العواطف، والإنجازات كافة جانبًا، وتتأمل تجربة الثورة بشجاعة من يسعى لاستيعاب الدروس والعبر، لمراكمة الخبرات، لتكون ضمن روافد المستقبل.

اليوم نستقبل العام ٧٥ من عمر الثورة، أى أننا فى مثل هذا اليوم من العام المقبل، نكون بصدد إحياء ماسية يوليو، من ثم أدعو لتقويم التجربة بقدر من التجرد، وتفعيل المعايير العلمية، فقد مضى من الزمن ما يسمح بذلك، بل ويحتمه، إذا كان ثمَّ تطلع للمستقبل، لا لشيء إلا لأن مصداقيته مرهونة بمدى نقد الماضى لتجاوزه لأفق رحيب، فى ظل واقع مغاير، وأى إطلالة عقلانية للغد، لا تنفصل عن هضم لدروس الأمس بعيدًا عن الطقوس الاحتفالية.

لعل هذا النهج يقود لاستخلاص خبرات ثورة يوليو، بإيجابياتها وسلبياتها، ليكون مصدرًا للاستلهام منها، لا استنساخًا فى ضوء تحولات هائلة، فقط يمكن مواصلة إبداعية لثوابت يوليو، التى هى فى جوهرها كانت حاضرة دائمًا قبل الثورة وبعدها، ولطالما مثلت معالم عبر مراحل تاريخ الوطن على امتداده وعمقه.

مصر أمس واليوم وغدًا ترفض التبعية، وتقدس استقلالها وكرامتها، من ثم كان مشروع يوليو منحازًا للتنمية الشاملة المستقلة، وفق رؤية حضارية إنشائية، تعبر عن خصوصيتنا وهويتنا الرافضة للانغلاق، وبذات القدر فإنها منفتحة على الحضارة الإنسانية الحقة، عبر فهم واعٍ للقيم الروحية والإبداعية، ترفع رايات الحرية والعدل والعلم والتقدم.

وقد ترجم الدستور ذلك بإشارة ذات دلالة واضحة حين أكد أن «ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢» التى قادها الزعيم جمال عبد الناصر، واحتضنتها الإرادة الشعبية، فتحقق حلم الأجيال فى الجلاء والاستقلال، وأكدت مصر انتماءها العربى، وانفتحت على قارتها الإفريقية، والعالم الإسلامى، وساندت حركات التحرير عبر القارات، وسارت بخطى ثابتة على طريق التنمية والعدالة الاجتماعية.

وفق هذا المنظور، يجب الربط بين ثورة يوليو والمستقبل، الأمر الذى يتطلب وعيًا بالتاريخ، بغير اجتزاء أو انتقاء، وإلا فإن جدوى تناول ٢٣ يوليو تتضاءل، بينما العديد من التحديات التى واجهتها لازالت قائمة، وأن اختلف بعض ملامحها، من ثمَّ فإن معرفة علمية دقيقة وموضوعية بتجربة يوليو، تسهم فى تقديم بعض الإجابات الشافية التى تمثل جانبًا من زادٍ يثرى المستقبل.