انتباه

بقلبى إليه أحج

علاء عبد الوهاب
علاء عبد الوهاب


لعله أضعف الإيمان، أن يكون الفعل قلبياً، وليس أمام المشتاق مثلى للمسجد الأقصى إلا أن يحج إليه بقلبه، إذ إن شد الرحال إليه سيراً يقع فى نطاق المستحيل.

يقول أهل اللغة: حج إليه حجاً، قدم، والمكان قصده. فإذا كان أولى القبلتين وثالث الحرمين فى قبضة أعداء الله، فليس للمرء إلا الروح يطلقها نحوه، فى هذه الأيام المباركات، التى تندفع فيها المشاعر الروحانية، وقد أكمل ضيوف الرحمن فى مكة مناسكهم حجيجاً، فتهيج الذكريات تستدعى ما كان من آمال، حين كنت فى موضعهم ويومذاك تساءلت:

متى يكون باستطاعة الحاج بعد أن يتم حجته ثم زيارته للمسجد النبوى، أن ينعم بالتوجه للمسجد الأقصى، فى رحلة تتبع خط الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثالث ثلاثة تشد إليها الرحال؟

خط يبدأ من الحجر الأسود إلى الصخرة المشرفة، ذلك المحور الأهم بين محاور الإسلام، لكن أبالسة الصهاينة، كما شياطين الصليبيين قطعوه ولم يكتفوا بذلك، وإنما دأبوا على محاولات لهدمه والعبث بأساساته مروراً بإشعال الحرائق فيه، وتخريبه وتدنيس له لتكتمل أركان مأساة المسجد الأقصى التى تدمى القلوب، وتوجع الأرواح.

ليس أمام القلب الدامى إلا أن ينوى ـ حيثما وأينما يكون ـ الإحرام للمسجد الأقصى، بالتماس كل وسيلة للدفاع عنه بالكلمة، بالصرخة، بالاحتجاج، بالآليات السياسية والدبلوماسية، فى كل محفل وخلال أى فعاليات أو نشاط وفى جميع البقاع بامتداد المعمورة.

القلب الدامى الذى لا يملك المؤمن سواه وقد امتلأ شوقاً ونية صادقة وعزماً أكيداً، لكن هيهات هيهات أن يتحول اليوم أو غداً كل ذلك لانطلاق القدمين تحملان الجسد إلى حيث مسرى رسولنا الكريم إلى بيت المقدس، إلى الأقصى الأسير، الذى رغم وقوعه فى أسر الصهاينة فإن هذه اللحظة الاستثنائية ـ مهما طالت ـ لن تغير من الحقيقة شيئاً، إذ المسجد الأقصى يبقى فى عداد أقدس مقدسات الإسلام حتى وإن غاب عن حوزة المسلمين إلى حين.

سيظل القلب يحج إليه، والروح تهفو نحوه، وبالقلب الدامى، والروح المجروحة نساند الصامدين فى القدس، حول الأقصى يذودون عنه وحصيات الرجم لديهم سلاح متواضع إن تيسر حمله بعد أن احترقت أغصان الزيتون ويقينهم أن من الزيتون نوراً وناراً.

قلبى وكل القلوب بالملايين تبقى مشبعة بالأمل فى شد الرحال إلى المسجد الأقصى، نتطلع إلى يوم تتفتح فيه الطرق إلى مدينة السلام، القدس، حيث يبادلنا الأقصى شوقاً بشوق وحباً بحب وانتظاراً للحظة اللقاء فى محيط مهد الرسالات ومهبط الأنبياء الذى بارك سبحانه وتعالى حوله.