فواصل

لبنان المجنى عليه

اسامة عجاج
اسامة عجاج


يبقى السفير الإيرانى الجديد فى لبنان فى منصبه، أو يتم تنفيذ قرار طرده، باعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، عنوان أزمة جديدة تضاف إلى تل من الأزمات، التى يعيشها هذا البلد، صحيح أن الأمر (عرض بسيط لمرض عضال)، يعيشه منذ عقود، وتحول إلى معركة (كسر عظم)، وخلافات بين قيادات مؤسسات الحكم الثلاثة، رؤساء الدولة والحكومة والبرلمان، كما أنه كشف عن حالة اختلال فى التوازنات الداخلية، والعجيب أن كل النخب السياسية تركت توابع العدوان الإسرائيلى الكارثية على لبنان منذ الثانى من مارس الماضي، وتفرغ لمعركة فرض الإرادات، والبحث فى آليات للخروج من الأزمة بالتراضي، ودعونا قبل أن نتناول تلك الآليات، أن نرصد حجم التحديات التى تواجهه لبنان، خلال الأشهر القليلة الماضية، ونتوقف عند عناوينها. 

الأول: استثمرت إسرائيل دخول حزب الله الحرب، بعد ثلاثة أيام من بداية العمليات، فى الثانى من مارس الماضي، وتحوله إلى شريك أساسى فيها، فى خلق ملامح خريطة جديدة للحدود مع لبنان، وفرض أمر واقع على الأرض، يصل إلى درجة الاحتلال الدائم، بعد إصدار الجيش الإسرائيلى أوامره بإخلاء سكان مساحة تصل إلي١٤٧٠ كيلو متراً، وتمثل أقل من ١٥ بالمائة من المساحة الإجمالية للدولة، وبعيداً عن الاجتهاد سأكتفى برصد تصريحات كبار المسئولين الإسرائيليين، فوزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس يقول إن الجيش قام بالسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضى اللبنانية، بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، وراح يتحدث عن إقامة منطقة عازلة، مثلما عليه الحال فى قطاع غزة، وقالها بشكل واضح: (لن يبقى أى مدنى أو مبنى سكنى جنوب خط الليطاني)، والذى اعتبره رئيس الأركان هو الحد الأمنى لإسرائيل، بينما وزير المالية تحدث بصراحة عن إقامة (نحال)، وهو مصطلح يشير إلى إقامة قواعد عسكرية، مهيأة للتحول تدريجيًا إلى مستوطنات بشرية، على غرار ما يحدث فى الجولان والضفة، لم يكتف الجيش الإسرائيلي، بذلك، فقد بدأ منذ يومين عملية وصفها بأنها (عابرة للحدود)، من جبل الشيخ فى جنوب سوريا، إلى منطقة جبل روس فى الجنوب اللبناني، مما يشير إلى اجتياح إسرائيلى لمنطقة البقاع، بعد نجاحه فى تنفيذ استراتيجية (الأرض المحروقة).

الثانى: عودة الأمور إلى نقطة الصفر، فيما يخص محاولة استعادة الدولة قرار السلم والحرب، بعد التوافق داخل مجلس الوزراء على البدء فى عملية نزع سلاح حزب الله، وقراره بتفويض الجيش فى أغسطس الماضي، بمهمة حصر السلاح، مع إعطاء مهلة للحزب للتعاون فى هذا المجال، والتى انتهت مرحلته الأولى فى يناير الماضي، حيث عمل  وفقاً لمهمة أطلق عليها (الاحتواء)، وتشمل منع نقل السلاح، مع تنفيذ خطة متكاملة بالانتشار على طول الحدود، وصادر مخازن أسلحة، وداهم أنفاقاً ومواقع عسكرية، وبعضها تم بالتنسيق مع الحزب، كما بسط سيطرته على المنطقة الممتدة من جنوب الليطانى إلى الحدود، باستثناء المواقع التى تحتلها إسرائيل، وكان على وشك بدء المرحلة الثانية، وتهدف إلى مصادرة أسلحة الحزب، والوصول إلى النهر، الأولى خلال أربعة إلى ثمانية أشهر، وكل ذلك تم مع معاناة حقيقية تواجه الجيش اللبناني، من نقص الإمكانيات والقدرات البشرية، فالانتشار مثلاً يتطلب عشرة ألوية، والعدد الحالى ما بين٨ إلي٩ آلاف عنصر، يضاف إلى ذلك المصير المجهول الذى يواجه المؤتمر الدولي، الذى دعت إليه فرنسا لدعم الجيش اللبناني، وكان مقرراً له الخامس من مارس الماضي، بعد أن اكتمل الإعداد له فى الاجتماعات التحضيرية التى استضافتها القاهرة فى فبراير الماضي، وبالتوازى مع ذلك، لم تحترم إسرائيل الاتفاق، الذى نص على وقف الأعمال العدائية بين البلدين فى ٢٧ نوفمبر الماضي، مع استمرار عمليات الاغتيالات والغارات، والتمركز داخل نقاط عسكرية، وإقامة مراكز دفاعية أمامية.

ثالثاً: فاتورة الخسائر الضخمة التى تكبدها لبنان، نتيجة الهجمات الإسرائيلية على كافة الأصعدة، فقد وصل عدد النازحين إلى مليون ومائة ألف شخص، يعيشون فى ٦٦٦ مركز إيواء، وبعضهم  يقيمون فى الشارع، مع استهداف البنية التحتية، وإزالة أحياء سكنية بالكامل، ومنع عودة سكانها، وآخر الإحصائيات الأولية، تكشف عن تدمير٤٥٠٠ وحدة فى الجنوب، و١٦٠٠ فى الضاحية الجنوبية، وإلحاق أضرار بـ ١٢ ألف وحدة سكنية، مع غياب كامل لفكرة من سيتحمل فاتورة إعادة الإعمار. 

رابعاً: عدم وجود ضمانات لنجاح المقاربة التى ينتظرها لبنان، ووجوده كبند رئيسي، ضمن عمليات التفاوض الجارية بين واشنطن وإيران، مع مطالب طهران الخمسة بأن يتضمن أى اتفاق، وقف العمليات فى كل الساحات الأخرى، وفى المقدمة لبنان، بل طرحت إيران بأنه إذا لم يتم التوافق على الأمر، فيحق لها أن تفصل بين واشنطن وتل أبيب، بمعنى الالتزام بوقف التصعيد مع واشنطن، والإبقاء على عملياتها ضد إسرائيل، وقد رفض نتنياهو الفكرة، وقال إن حربه على حزب الله (لن تتوقف حتى لو تم الاتفاق مع إيران)، وأضاف إنها فرصة لدفعه إلى ما وراء نهر الليطاني.
ونعود إلى أزمة السفير، ففى خضم كل هذه التحديات، نجد (كرة الثلج تتدحرج وتكبر)، بعد افتعال أزمة طرد السفير الإيراني، بقرار من وزير الخارجية  يوسف رجي، المحسوب على القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، صاحب العداء التاريخى مع حزب الله، باتخاذ قرار الطرد، فى تجاوز للصلاحيات التى تقصر القرار على مجلس الوزراء بالإجماع، مما دعا إلى استنفار الثنائى الشيعي، خاصة نبيه برى رئيس مجلس النواب، ورئيس حركة أمل، الذى رفض القرار ومعه بالطبع حزب الله، والمجلس الإسلامى الشيعي، فى تمترس طائفى بامتياز، وانتهت المهلة الاثنين الماضى دون تنفيذ قرار الوزير، وظل السفير داخل السفارة، فى إطار البحث عن مخرج (يحفظ ماء وجه) الأطراف جميعاً، ومنها إبقاء السفير داخل السفارة، باعتبارها أرضاً إيرانية، دون أن يمارس أى عمل، خاصة وأنه لم يقدم أوراق اعتماده، مع ضمان التئام حضور الوزراء الشيعة لاجتماع الحكومة غداً، وعدم مقاطعتها، وقد تتخذ إيران قرار سحب السفير بنفسها، إذا أرادت نزع فتيل أزمة، خاصة وأن لبنان لا يستطع تحمل توابعها. 

هكذا هو لبنان، وتلك هى أحواله، حيث اعتاد دفع فواتير الآخرين.