السوق العقارية.. شكاوى من مبالغة التسعير وعدم الالتزام بالتسليم

 السوق العقارية فى مصر
السوق العقارية فى مصر


خبراء اقتصاد وعقارات: سعر المتر يصل إلى مليون جنيه.. ولابد من تدخل فورى للتصحيح

«الإسكان» تطلق وحدة لمواجهة التلاعب بالسوق

«الغرفة العقارية»: الأسعار تضاعفت 20 مرة والأرض نصف التكلفة

حالة من الجدل تشهدها حاليًا السوق العقارية فى مصر، بسبب تكرار الشكاوى والاعتراضات من قبل العملاء والمواطنين من جانب، والمطورين والشركات العقارية من جانب آخر. فكثيرة هى الاستغاثات التى يطلقها عملاء يدفعون مئات الآلاف من الجنيهات لحجز وحدة فى مشروع لكن دون استلام رغم مرور سنوات، بجانب المبالغة فى أسعار العقارات رغم انخفاض سعر الدولار. وفى المقابل، يلقى المستثمرون والمطورون العقاريون اللوم على ارتفاع قيمة الأرض وتكاليف الإنشاء وغيرها. لتصبح السوق العقارية الآن على شفا أزمة كبرى يرى بعض الخبراء أنها بمثابة انهيار مرتقب للأسواق مع استمرار الشكاوى المتبادلة.

اقرأ أيضًا| «العقارات».. بين جدل التسعير وتباطؤ البيع وإلغاء التعاقدات

تعليقًا على ذلك، أكد د.ماجد عبدالعظيم قابيل، أستاذ الاقتصاد واستشارى القطاع العقارى للاستثمار والتطوير والتدريب، أن السوق العقارية فى مصر تعانى فى الوقت الحالى من العشوائية وعدم الانضباط بسبب استمرار ارتفاع أسعار العقارات رغم انخفاض أسعار بعض الخامات ومواد البناء متأثرة بانخفاض سعر الدولار واستقراره فى الوقت الحالى مع سيطرة الدولة على السوق السوداء للعملة الصعبة. وأوضح أنه رغم ذلك نجد الآن أن هناك مشروعات وصل سعر المتر بها إلى مليون جنيه وتحديدًا فى الساحل الشمالى الغربي، وهو ما يؤكد حدوث طفرة فى الأسعار؛ جزء منها مبرر نتيجة الطلب المرتفع بجانب ارتفاع أعباء الحياة على العاملين فى القطاع العقارى وخاصة الأيدى العاملة، وأيضًا زيادة تكلفة بعض المعدات والآلات المستخدمة فى المقاولات. إلا أن هناك أسبابًا أخرى غير مبررة أو مفتعلة نتيجة مبالغة بعض المطورين العقاريين فى هامش الربح، ضاربًا المثال بأحد كبار المطورين الذى صرح بأن الوحدة السكنية التى تباع بمليون جنيه قيمتها الحقيقية 300 ألف جنيه فقط. وهو ما ينذر باستمرار ارتفاع العقارات مما ينبئ بانهيار للسوق العقارى فى المستقبل، لذا لا بد من إعادة تنظيم السوق من خلال حماية المستثمرين بالقوانين والتشريعات والعقوبات للمخالف منهم، ممن باعوا وحدات منذ سنوات وصلت إلى 10 سنوات دون تسليم بل ودون تنفيذ حتى للمشروع. مؤكدًا أن هؤلاء يضرون بالاقتصاد ككل وليس بالمستثمر أو القطاع العقارى فقط، لأن هذا القطاع كثيف العمالة يشمل آلافًا من القوى العاملة والصناعات المختلفة، لذا فإن سمعة هذا القطاع على المحك بسبب هؤلاء «النصابين»، وخاصة مع توجه الدولة لتصدير العقار وجذب العملة الأجنبية.

وأضاف د.ماجد عبدالعظيم قابيل  فى تصريحات خاصة لـ «الأخبار»  أن السوق العقارية فى مصر حاليًا تعانى من اختلالات هيكلية وهو ما يتطلب بشكل فورى تصحيح أوضاعها، وذلك من خلال فرض وسن تشريعات وقوانين وضوابط للسوق، بجانب الضرب بيد من حديد على المطورين غير الملتزمين ممن يمكن أن نطلق عليهم «نصابين»، فضلًا عن إعادة تأهيل وتدريب الكوادر التى تعمل سواء فى القطاع العقارى أو التسويق العقاري، وأيضًا ضوابط وتراخيص لمن يزاولون أو يعملون به مع ضوابط للتواصل بين المسوقين والعملاء، بجانب وقف التعامل مع المطورين غير الجادين وفرض عقوبات عليهم خوفًا من سقوط عملاء جدد ضحية لهؤلاء، مع أهمية تحرير عقود ثلاثية لبيع الوحدات بين أطراف المشروع وهم العملاء والمستثمر والبنك الممول للمشروع، بحيث لا يصرف البنك التمويل للمستثمر إلا بعد التزامه بالتنفيذ والتسليم فى مواعيد محددة، وأخيرًا سرعة البت فى القضايا والنزاعات الخاصة بالنصب العقارى والمقامة من الكثير من العملاء ضد المطورين والمستثمرين المخالفين. ويأتى ذلك بهدف حماية حقوق المواطنين والمستثمرين والحفاظ على سمعة السوق العقارية، وخوفًا من حدوث فقاعة عقارية نتيجة زيادة المعروض مقابل إحجام المواطنين عن الشراء، لذا لا بد من تصحيح الأوضاع فى السوق العقارية.

وحذر استشارى القطاع العقارى من حدوث فقاعة عقارية ناتجة عن الأزمات التى تلاحق السوق العقارية، بسبب كثرة المعروض مع عزوف المواطنين عن شراء العقارات، وتوجه الكثيرين للاستثمار فى الذهب نظرًا لسهولة تسييله، فى الوقت الذى يتطلب فيه العقار مصروفات خاصة بالصيانة والتطوير للحفاظ عليه، فضلًا عن الضريبة العقارية المفروضة عليه بشكل سنوى بجانب ضريبة التصرفات العقارية أو مصاريف التنازل المقدرة بـ 2.5%. وأشار إلى أن ذلك نتج عنه وجود فائض من جانب الإسكان الفاخر، فى المقابل هناك عجز فى إسكان محدودى ومتوسطى الدخل وهم السواد الأعظم من المجتمع، خاصة أن المعروض والمطروح من قبل وزارة الإسكان لا يكفى سد حاجة الطلب فى السوق. فى الوقت الذى أصبحت فيه سياسة إعادة البيع «الريسيل» لدى المطورين والمشروعات العقارية تواجه أزمة حقيقية؛ فأصحاب الوحدات يعانون فى تسويق وبيع وحداتهم فى ظل المبالغة فى الأسعار، كما أن الدولة دخلت الآن كمنافس للمطورين من خلال تنفيذ وطرح مشروعات سكنية، فى حين أن الدولة متاح لديها الأرض بدون مقابل والخامات بأسعار أقل مما تكلف المطور.

ترقب وانتظار

وفى المقابل، أكد المهندس خالد عاطف، الخبير العقارى خبير التقييم المعتمد بالرقابة المالية والبنك المركزي، أن السوق العقارية تعانى حالة من الترقب والانتظار وخاصة فى تسعير العقارات، انتظارًا لما سوف تسفر عنه السياسات الحالية، وبالتحديد عقب الزيادة الأخيرة فى الوقود والتى سوف ينتج عنها زيادات فى أسعار السلع والخامات بجانب أسعار العمالة وخدمات النقل والمقاولات. وأوضح أن السوق المصرى يشهد زيادة كبيرة وبشكل مستمر فى الطلب عن العرض؛ فدائمًا يعانى المواطنون من الاحتياج للعقار والسكن وخاصة مع الزيادة المستمرة فى أعداد المصريين؛ ففى الوقت الذى تنفذ فيه الدولة المصرية ما بين 300 إلى 400 ألف وحدة سكنية، فالمصريون يحتاجون سنويًا ما يقرب من 600 ألف وحدة.

اقرأ أيضًا| الإسكان: إنشاء وحدة جديدة لمواجهة التلاعب بالسوق العقارية

وحول مصطلح أو معنى الفقاعة العقارية، أشار إلى أن الفقاعة تنتج حين تنخفض أسعار العقارات بشكل مفاجئ، وهو ما لم يحدث أو يمكن أن يحدث فى السوق المصرية، لذا ما يتم تداوله عن هذا الشأن غير صحيح بالمرة. وأوضح أن الفقاعة العقارية لم تحدث فى مصر طوال تاريخها، وأقرب مثال لذلك ما أصاب الأسواق العالمية فى 2008 مع أزمة انهيار الأسواق فى أوروبا وأمريكا ودبى بسبب التمويل العقاري، فمصر لم تتأثر نهائيًا بذلك ولم تنخفض أسعار العقارات تمامًا بسبب الطلب المتزايد على المسكن. والدليل على ذلك أن أى طرح سكنى حاليًا تعلن عنه الحكومة يشهد تكالبًا وتسابقًا للفوز بوحدة من الحكومة، رغم أن أسعار الوحدات التى تطرحها الحكومة تخطت 30 ألف جنيه للمتر فى مدن بالقاهرة وليس بمدن ساحلية أو سياحية.

وأضاف أن هذه الحالة ليست حالة ركود فى السوق العقارية، وإنما تعتبر حالة ترقب بين الراغبين فى البيع ممن ينتظرون ولا يجازفون بالبيع، وبين الراغبين فى الشراء ممن تأثرت قدراتهم الشرائية مع زيادة الوقود، وفى ذات الوقت هناك زيادة كبيرة فى أسعار سوق الذهب. ورغم ذلك نجد هناك إقبالًا من الأجانب على الشراء وتملك العقار فى مصر. وحول السعر العادل للعقار فى مصر، أكد أنه لا يوجد تسعير ثابت للعقارات مثلها مثل باقى السلع والمنتجات والخامات المتروكة للعرض والطلب. وأشار إلى أن أى مطور يبحث عن المكسب الشخصى وهامش الربح، لذا قد نجد مبالغات فى الأسعار، وبالتالى ليس هناك سعر عادل للعقار. وحول الآلية الجديدة التى أعلنت عنها وزارة الإسكان ممثلة فى وحدة مراقبة السوق العقارية؛ قال: «مجرد اجتهادات لن تُفعل على أرض الواقع» وخاصة مع عدم وجود تشريعات أو قوانين تراقب عمل المطورين أو التزامهم بتنفيذ مشروعاتهم والتسليم للعملاء.

اقرأ أيضًا| طارق شكري: عدد المطورين ارتفع من 75 مطورًا إلى 15 ألفا في 10 سنوات

مواجهة التلاعب بالسوق العقارية

وبسبب الشكاوى العديدة من القطاع، وضعت الدولة حدًا لمواجهة التلاعب فى السوق العقارية بإصدار قرار وزارى عاجل لضبط المشهد، حيث أعلنت وزارة الإسكان عن إنشاء وحدة جديدة لمواجهة محاولات التلاعب بالسوق العقارية، بجانب إطلاق وحدة متابعة وشكاوى عبر واتساب لدعم المطورين العقاريين، مما يمثل آلية جديدة لتعزيز الشفافية وتسهيل التواصل المباشر مع المطورين. وجاء ذلك بعدما لاحظت الوزارة فى الآونة الأخيرة وجود بعض محاولات التلاعب من قِبل أشخاص غير مختصين مع عدد من المطورين العقاريين، الأمر الذى قد يضر بمصالح المتعاملين فى هذا القطاع الحيوي. ليأتى القرار فى إطار حرص الوزارة على تعزيز الشفافية وضبط السوق العقارية وحماية حقوق المطورين والمستثمرين.

وأوضحت الوزارة أنها قررت إنشاء وحدة خاصة بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لمتابعة وحل مشكلات المستثمرين والمطورين العقاريين. وتكون الوحدة معنية بالتنسيق المباشر مع القطاعات والإدارات المركزية والأجهزة المختلفة لتذليل العقبات ومتابعة حل المشكلات فى أسرع وقت ممكن. كما تهتم الوحدة بعقد اجتماعات دورية مع المستثمرين والمطورين سواء بشكل جماعى أو فردى للاستماع للملاحظات والمقترحات ووضع آلية متابعة لما يتم الاتفاق عليه.
كما تختص الوحدة بإعداد تقارير دورية تتضمن (المشكلات المثارة ) الإجراءات التى تم اتخاذها « مدى التقدم فى الحلول » التوصيات المطلوبة للعرض على السلطة المختصة)، واقتراح سياسات أو تعديلات تنظيمية وتشريعية تسهم فى تحسين بنية الاستثمار العمرانى وتشجيع المستثمرين المطورين الجادين. كما تهتم بمتابعة التزامات المستثمرين والمطورين وفقًا للعقود المبرمة والعمل على حل النزاعات أو المشكلات التنفيذية بما يضمن حقوق الهيئة ويحقق مصلحة الطرفين، بالإضافة إلى التنسيق مع الوزارات والجهات الأخرى لطرح الحلول المشتركة وتسهيل الإجراءات، وقياس رضا المستثمرين والمطورين بشكل دوري، واعتبار نتائج هذا القياس مؤشرًا لتحسين الأداء المؤسسى بالهيئة.

التسعير وارتفاع الأراضي

وتظل إشكالية السعر العادل والموحد للعقار فى مصر محل جدل كبير، وخاصة فى الآونة الأخيرة مع الارتفاعات المبالغ فيها فى أسعار العقارات. لكن تظل أزمة عدم وجود سعر واحد موحد للعقار بسبب تداخل العديد من العوامل فى تحديد السعر، فالسعر يعتمد بشكل أساسى على الموقع ونوع العقار ومساحته وحالته والتشطيب ووجود الخدمات والمرافق والأوراق القانونية السليمة، إضافة للعوامل الاقتصادية العامة. وحاول العديد من المستثمرين والمطورين العقاريين التأكيد على عدم وجود تباطؤ فى المبيعات مع تقديم الكثير من التسهيلات فى السداد والتى باتت تصل إلى 15 عامًا. ورغم ذلك، قفزت مبيعات السوق العقارية من 400 مليار جنيه خلال 2019 إلى 2.2 تريليون جنيه خلال العام الماضي.

ومع جدلية تسعير العقارات الذى أصبح بلا ضوابط، يرى البعض أن الأراضى تحولت إلى المحرك الأول لغلاء العقارات، حيث جاءت تأكيدات غرفة التطوير العقارى أن تكلفة الأرض قد تصل إلى 50% من ثمن الوحدة السكنية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على السعر النهائى للمستهلك. وأكد ذلك طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقارى باتحاد الصناعات، الذى أشار إلى أن أسعار الأراضى المطروحة للمطورين العقاريين فى مصر تشهد مبالغة كبيرة، وقد تمثل تكلفة الأرض ما بين 25 و30% من سعر الوحدة، إلا أنها قد تصل فى بعض المناطق والمشروعات إلى حوالى 50%.

كما أوضح شكرى أن أسعار العقارات شهدت ارتفاعًا كبيرًا خلال العشرين عامًا الماضية، حيث ارتفعت بما لا يقل عن 10 أضعاف ووصلت فى بعض الحالات إلى 15 و20 ضعفًا. مطالبًا بالإسراع فى إصدار قانون اتحاد المطورين العقاريين، وكذلك إنشاء إدارة متخصصة أو وحدة تنظيمية تابعة لوزارة الإسكان تتولى الرقابة على القطاع بما يسهم فى تنظيم السوق وحماية العملاء وتحفيز الشركات الجادة على التوسع. وأشار إلى أن القطاع العقارى ليس مجرد قطاع اقتصادى بحسب، بل قاطرة تنموية أساسية تدفع عجلة النمو، حيث يرتبط بأكثر من 105 صناعات ويوفر حوالى 10 ملايين فرصة عمل بشكل مباشر أو غير مباشر أيضًا.

وأشار شكرى إلى أن القطاع العقارى يواجه تحديات مستمرة تتعلق بارتفاع أسعار مواد البناء وزيادة تكاليف التمويل، إلى جانب تأثير أسعار الفائدة. لكنه رغم ذلك لا يزال الأكثر قدرة على الصمود، مشددًا على أن خفض الفائدة فى الفترة الأخيرة يمثل خطوة تصحيحية ستنعكس إيجابًا على حركة السوق العقاري. وأوضح أن مصر شهدت توسعات عمرانية كبرى فى آخر 10 سنوات، حيث ارتفعت نسبة المعمور من 7% إلى 14%، وهو ما ساهم فى زيادة حجم السوق العقارى وعدد الشركات العاملة به والمشروعات العقارية. مشيرًا إلى أن عدد الشركات العقارية ارتفع من 270 شركة إلى حوالى 15 ألف شركة تطوير عقاري.

ويأتى ذلك مع توجه الدولة إلى سياسة تصدير العقار بعد إقبال كثير من الأجانب على التملك والشراء فى مصر، حيث حققت مصر 1.6 مليار دولار مبيعات من تصدير العقار المصرى خلال عام واحد فقط.