إيمان ممتاز تكتب: «حروب المعلومات» السلاح الأخطر في الصراعات الحديثة

إيمان ممتاز
إيمان ممتاز


في ظل ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة، وتصاعد للتوترات الإقليمية والدولية، لم تعد الحروب تُقاس فقط بما تملكه الدول من أسلحة أو بما تحققه الجيوش على الأرض. فهناك معركة أخرى لا تقل خطورة، تُخاض بعيدًا عن ساحات القتال، وتستهدف العقول قبل الحدود، والوعي قبل الجغرافيا.

إنها حروب المعلومات؛ أحد أبرز ملامح الصراعات الحديثة، حيث أصبحت الكلمة والصورة والخبر أدوات تأثير قد تعادل في نتائجها القوة العسكرية.
لقد غيّرت الثورة الرقمية قواعد اللعبة. فمع ضغطة زر، يمكن لخبر غير دقيق أو معلومة مجتزأة أو مقطع مصور خارج سياقه أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، فيؤثر في اتجاهات الرأي العام، ويثير القلق، أو يعمق الاستقطاب، أو يخلق حالة من الارتباك يصعب احتواؤها لاحقًا. وفي كثير من الأحيان، لا تكون المعركة على الأرض وحدها، بل على تفسير ما يحدث، وعلى كسب ثقة الجمهور وتوجيه إدراكه للأحداث.
ولعل أخطر ما في حروب المعلومات أنها لا تعتمد دائمًا على الكذب الصريح، بل قد تستخدم جزءًا من الحقيقة، أو تعرض الوقائع خارج سياقها، أو توظف العاطفة على حساب العقل. وهنا يصبح التحقق من المعلومات ضرورة، لا رفاهية.
إن التطور التكنولوجي، على الرغم مما وفره من فرص هائلة للتواصل والوصول إلى المعرفة، فرض أيضًا تحديات غير مسبوقة. فكل مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي أصبح قادرًا على نشر المحتوى والتأثير في الآخرين، وهو ما يجعل المسؤولية مشتركة بين المؤسسات الإعلامية، والجهات الرسمية، والمواطن نفسه.
فالإعلام المهني لا يكتفي بنقل الخبر، بل يتحقق من مصادره، ويضعه في سياقه الصحيح، ويقدم للجمهور صورة متوازنة تساعده على الفهم، لا على الانفعال. وفي المقابل، فإن المواطن الواعي لا ينساق وراء العناوين المثيرة، ولا يتعامل مع كل ما يراه على أنه حقيقة مطلقة، بل يمنح نفسه فرصة للتحقق والتدقيق قبل إعادة النشر أو إصدار الأحكام.
ومن هنا، لم يعد الأمن القومي مفهومًا يقتصر على حماية الحدود أو امتلاك القدرات العسكرية، بل أصبح يشمل أيضًا حماية الوعي الجمعي من التضليل، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وترسيخ ثقافة التفكير النقدي. فالمجتمع الذي يمتلك وعيًا راسخًا يكون أكثر قدرة على مواجهة الشائعات، وأقل قابلية للوقوع فريسة لمحاولات التشكيك أو بث الفرقة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب إدراكًا بأن معارك المستقبل لن تُحسم بالقوة وحدها، بل بالقدرة على امتلاك المعلومة الصحيحة، وإدارتها بمسؤولية، ومواجهة التضليل بالشفافية والسرعة والمهنية. فالحقيقة، مهما تعرضت للتشويه، تظل أكثر قوة واستدامة من أي رواية زائفة.

وفي النهاية، قد تختلف أدوات الحروب من عصر إلى آخر، لكن يبقى الإنسان هو الهدف الأول فيها. ولذلك، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في التكنولوجيا وحدها، بل في بناء إنسان واعٍ، قادر على التفكير والتحليل، والتمييز بين الحقيقة والتضليل. ففي زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، يظل الوعي هو الدرع الأقوى لحماية الأوطان واستقرار المجتمعات.
 

كاتبة المقال: عضو تنسيقية شباب الاحزاب والسياسيين