وحى القلم

٣٠ يونيو الوثيقة والشهادة

صالح الصالحى
صالح الصالحى


بعد مرور سنوات على ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣،أظن أن الوقت قد حان للنظر إلى تلك اللحظة بعيداً عن صخب السياسة، وبعين من يبحث عما جرى فى العمق لاعلى السطح.. لقد جرى تقديم ٣٠ يونيو، باعتبارها مجرد ثورة شعبية ضد حكم قائم..

وهذا صحيح لكنه ليس كل الحقيقة .. فالتاريخ يعلمنا أن الأحداث الكبرى لا تفسر بما يظهر منها فى الميادين فقط، وإنما ما يجرى خلف المشهد أيضاً.. وبين الوثيقة والشهادة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً وأوسع دلالة.

فى صيف ٢٠١٣، كان التحدى مختلفاً عما سبق، إذ بدا أن السؤال المطروح، هل تستطيع الدولة الوطنية أن تحافظ على تماسكها وسط استقطاب يهدد بتقسيم المجتمع نفسه؟.. وهنا تكمن الزاوية التى لم تحظ بما تستحقه من اهتمام.. فالملايين التى خرجت إلى الشوارع كانت تعبر عن غضب سياسي، لكن مؤسسات الدولة كانت تنظر إلى المشهد من زاوية الخوف من فراغ السلطة فى منطقة عربية كانت تتساقط فيها الدول الواحدة تلو الأخرى.. وكانت خرائط الاقليم تعاد صياغتها، وكان السؤال الملح، هل تلحق القاهرة بهذا المسار أم تنجح فى تفاديه؟.

اللافت أن ٣٠ يونيو كانت لحظة التقت فيها مخاوف قطاعات متباينة من المجتمع.. رجال دولة يخشون انهيار المؤسسات، ومواطنون يخشون ضياع الاستقرار، وقوى سياسية تخشى احتكار المجال العام.. وفى لحظات التاريخ الفاصلة.، كثيراً ما تكون المخاوف المشتركة أقوى من التحالفات المعلنة..  ومن خلال مراجعة ما جري، يبدو أن السر الحقيقى لثلاثين يونيو لم يكن فى عدد المتظاهرين مهما بلغ، وإنما فى ذلك التوافق الضمنى على أن الدولة يجب أن تبقي، مهما اختلفت الرؤى حول شكل السياسة أو طبيعة الحكم.

وفى قلب هذه اللحظة برز دور الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع آنذاك، ليس بإعتباره صانع الحدث، وإنما بوصفه الشخصية التى وجدت نفسهاعند نقطة التقاء نادرة بين إرادة شعبية واسعة ومؤسسات دولة تبحث عن مخرج من أزمة متصاعدة.

المشهد فى نهاية يونيو كان أقرب إلى لحظة اختبار تاريخي، وكانت المؤسسة العسكرية مطالبة بحسابات تتجاوز السياسة اليومية إلى مصير الدولة نفسها.. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم الدور الذى لعبه الفريق السيسي، فقد تحرك بإعتباره قائداً لمؤسسة رأت أن استمرار الانقسام يهدد البنيان الوطني، وأن تأجيل الحسم قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

ولهذا أتصور أن التاريخ لن يتوقف فقط أمام الملايين التى خرجت إلى الميادين، ولا أمام القرارات التى صدرت فى الأيام التالية، وإنما  سيتوقف ايضاً أمام العلاقة الفريدة التى نشأت فى تلك اللحظة بين الشارع والقوات المسلحة، وبين الإرادة الشعبية والقدرة على تنفيذ ما فرضته الوقائع.. وسوف يبقى اسم الرئيس عبد الفتاح السيسى حاضراً فى هذه الزاوية. بإعتباره بطلا فاعلاً فى لحظة تاريخية نادرة أعادت رسم مسار الدولة المصرية فى القرن الحادى والعشرين.

هنا تبدأ القصة الأعمق لثلاثين يونيو، قصة دولة واجهت اختبار البقاء، وشعب قرر التدخل فى مجرى الاحداث، ومؤسسات وجدت نفسها أمام مسئولية تاريخية لم تكن فى مقدورها التنصل منها.