حتى بعد توقيع الاتفاق الأمريكى الإيراني، يظل الشيطان كامنا فى التفاصيل.. البنود التوافقية تمنح كل طرف مساحة لتفسير البنود وفق مصالحه، وتترك القضية الجوهرية، أمن الخليج وترتيبات النفوذ الإقليمي.. دون حسم.
ورغم تراجع احتمالات المواجهة العسكرية بين واشنطن وإيران، فإن التحدى الحقيقى، يتمثل فى مدى قدرة الاتفاق، على معالجة مصادر التوتر الإقليمى، وليس فقط إدارة الخلاف الأمريكى الإيرانى. من غير المتوقع أن يقدم الاتفاق ضمانات مطلقة، بعدم تعرض دول الخليج لأى اعتداءات أو ضغوط إيرانية مستقبلا، فالخلافات الخليجية الإيرانية لا ترتبط فقط بالملف النووى، وإنما تشمل قضايا النفوذ الإقليمى، وبرامج الصواريخ الباليستية.. التفاهم قد يقلل من احتمالات التصعيد الكبير، لكنه لا ينهى التوتر.
أما القول بأن الاتفاق يمثل تخليا أمريكيا عن دول الخليج، فيبدو استنتاجا مبالغا فيه، فالولايات المتحدة ما زالت لها مصالح استراتيجية واقتصادية وعسكرية ضخمة فى المنطقة، وأمن الطاقة والممرات البحرية واستقرار الأسواق العالمية، عوامل تجعل التخلى عن الحلفاء أمرا غير واقعى، وإن كانت واشنطن أكثر ميلا إلى إدارة التوازنات الإقليمية بأقل تكلفة ممكنة، وأقل استعدادٍ للانخراط العسكرى المباشر مقارنة بالمراحل السابقة.
أما مستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية فيبدو أقرب إلى نموذج السلام البارد منه إلى المصالحة الكاملة، فما زال حجم الخلافات أكبر من أن يسمح بشراكة استراتيجية حقيقية، وقد نشهد استمرار الحوار والتفاهمات المحدودة، مع بقاء حالة الحذر المتبادل والتنافس السياسى والأمنى.
ويثير الاتفاق أيضا تساؤلات حول مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية فى الخليج، غير أن وجود هذه القواعد لا يرتبط فقط بالتهديد الإيرانى، بل بدور أوسع يشمل حماية الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب وضمان سرعة الاستجابة للأزمات، ومع ذلك فإن الاعتداءات الإيرانية، طرحت التساؤل حول مدى كفاية منظومات الردع التقليدية، وهو ما يدفع دول الخليج إلى مراجعة مفاهيم الأمن والدفاع، وليس بالضرورة الاستغناء عن الشراكة الأمريكية.
وتُطرح توجهات خليجية نحو توسيع الشراكات الأمنية مع قوى دولية أخرى، وتنويع العلاقات الاستراتيجية، وهذا التوجه لا يعنى استبدال الولايات المتحدة، بل تقليل الاعتماد على طرف واحد، وتعزيز هامش المناورة الاستراتيجية، فى عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.
كما أن مصير صفقات التسليح الأمريكية الضخمة، سيظل مرتبطا باحتياجات الأمن الخليجى، لكن من المرجح أن تتسارع سياسات تنويع مصادر السلاح، فالدول الخليجية باتت أكثر اهتمامًا بالحصول على التكنولوجيا المتقدمة ونقل المعرفة والتصنيع المحلي، وبناء علاقات تسليحية متنوعة، تمنحها مرونة أكبر فى مواجهة المتغيرات السياسية.
وفى جميع الأحوال، يبقى فتح مضيق هرمز أحد أهم المكاسب، باعتباره الشريان الحيوى لصادرات النفط والغاز والتجارة البحرية، وانخفاض مستويات التوتر، ينعكس على استقرار الأسواق وخفض تكاليف التأمين والنقل، والمصلحة الخليجية الأساسية تكمن فى بناء بيئة إقليمية مستقرة، تضمن حرية الملاحة وتحد من مخاطر الصراعات، والحفاظ على توازنات أمنية، تمنع أى طرف من فرض هيمنته فى المنطقة.

نوال مصطفى تكتب : صباح الأحد
أنباء متفائلة.. ولكن
قلة أدب وسوء تربية!






