فى الصميم

الطرفان تنازلا.. والكل يربح!!

جلال عارف
جلال عارف


قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق المرتقب بين طهران وواشنطن، بدأت معركة كل فريق من أجل تصوير الاتفاق على أنه تأكيد لانتصاره المطلق، وقام كل منهما بتسريب ما يرى أنه يثبت روايته، وكاد الأمر أن يعيد أجواء التوتر بين الطرفين عندما غضب ترامب من بعض هذه التسريبات وما تسببه من متاعب داخلية له، وتدخل وزير خارجية إيران المخضرم «عراقجى» لتهدئة الأمر مطالبًا الجميع بانتظار النص الرسمى للاتفاق الذى سيتم الاتفاق عليه.

الأمر لا يتعلق فقط بالكبرياء الوطنى، ولا بالمعايير التى يقيس بها كل طرف ما حققه فى ميدان القتال من أهداف وما دفعه من أثمان مادية ومعنوية.. لكن أيضًا هناك الآن ضرورة لتسويق أى اتفاق يتم لدى الجماهير هنا وهناك، وهناك أيضًا «على الجانبين» متشددون يعارضون التهدئة، وهناك فوق ذلك كله (وربما قبله!!) الطرف الإسرائيلى الذى أشعل الحرب والذى يدرك أنه سيكون الخاسر الأكبر إذا انتهت الآن!!

فى حقيقة الأمر، فإن الحديث عن «النصر المطلق» لا مجال له، وأن الحل التفاوضى جاء بعد أن وصل الحل العسكرى إلى نهايته، وأن الجلوس على مائدة التفاوض يعنى الاستعداد لتقديم المرونة المطلوبة والتنازلات المتبادلة، وأن يبحث كل طرف عن أقصى ما يستطيع الحصول عليه وأن يقدم للطرف الآخر المقابل.. الطرفان يدركان ذلك جيدًا، ويدركان أيضًا أن «الاتفاق المتوازن» هو وحده الاتفاق القابل للحياة، وأن تحقيقه واستكماله سيكون انتصاراً للطرفين معاً. ومع ذلك تبقى للسياسة أحكامها، ويبقى على كل طرف أن يقوم بـ»تسويق» الاتفاق الذى يتوصل إليه لدى جماهيره.. ولكن عليه أن يتفهم أن هناك طرفاً آخر فى الاتفاق لديه أيضًا مشاكله وتحدياته!!

الوضع سيكون أسهل بكثير لو لم يكن هناك ميراث من عدم الثقة بين الطرفين، ولولا وجود بؤرة التطرف الإسرائيلية فى المنطقة كفاعل أساسى فى هذه الأزمة كما فى كل الأزمات التى تشهدها المنطقة. إسرائيل أشعلت هذه الحرب وهى تظن أنها ستكون مدخلها الأساسى لاستكمال السيطرة على المنطقة، وهى لا تتصور كيف ستخرج منها وهى تعرف أن «الحرب انتهت» من وكالات الأنباء (!!) ويتلقى رئيس وزرائها نتنياهو تعليمات واشنطن مع الشتائم المناسبة دون اعتراض.. ولكن بتصميم أكبر على وضع كل العراقيل أمام الاتفاق، وسد كل الطرق أمام إنهاء الحرب واستقرار المنطقة.

يقول نتنياهو إنه ليس طرفًا فى مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب فى إيران وأن حربه على إيران لم تنتهِ بعد. لكنه «بالطبع» لا يقول : إن حربه الأصعب الآن هى داخل أمريكا حتى لا تمضى فى طريق إنهاء الحرب، وحتى لا يتحقق وعيد ترامب له: العالم يكرهك، وستجد نفسك وحيدًا فى الحرب!!