هوس التجميل.. «تمنه غالى»

وهم التريند يروج لمستحضرات عالمية «مضروبة» فى مصانع بير السلم

هوس التجميل
هوس التجميل


ضــرورة تغليظ عقوبــات قــانون الغش التجـارى

«الحل السحرى لبشرة كالأطفال، شعر ناعم كالحرير، ونقاء فورى فى ثوانى».. عبارات براقة تتفنن فى جذب الفتيات الباحثات عن حلم الجمال السريع.. وبين نصائح «البلوجرز والعروض المغرية»، تقع الكثيرات ضحايا لفخ منتجات التجميل مجهولة المصدر، التى يروج لها على نطاق واسع عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعى وبعض القنوات الفضائية، لكن سرعان ما تتحول التجربة إلى معاناة، تدخل خلالها فى دوامة علاج قد تمتد لأشهر طويلة، وتكلفها مبالغ باهظة.. ومع تزايد هذه الحالات، تفتح «الأخبار» هذا الملف، وتستمع إلى قصص بعض الضحايا، إلى جانب آراء المختصين، لرصد الأضرار التى تلحق بالبشرة والشعر نتيجة استخدام هذه المنتجات، وطرق اكتشافها، وكيفية تجنب مخاطرها.

تروى «أ.م»، البالغة من العمر 40 عامًا، معاناتها مع البشرة الدهنية وما يصاحبها من مشكلات مستمرة، مؤكدة أنها كانت تتمنى الحصول على بشرة نقية خالية من الحبوب، وتقول إنها لفت نظرها إعلان لأحد مراكز التجميل يروج لتنظيف البشرة مع وعود بالحصول على نتائج مثالية، ما دفعها إلى التوجه لإجراء جلسة تنظيف.. وأوضحت أن الجلسة تضمنت استخدام «ماسك صنفرة»، وبمجرد وضعه على بشرتها شعرت بـ«تهيج شديد وحرقان قوى»، إلا أن خبيرة التجميل أصرت على تركه لمدة لا تقل عن ربع ساعة لتحقيق نتيجة أفضل. وتضيف أنه فور إزالة الماسك، ظهرت التهابات حادة وإحمرار شديد مصحوب بألم لا يحتمل، فى حين حاولت العاملة بالمركز احتواء الموقف باستخدام بعض المرطبات، لكن دون جدوى. وتابعت أنها اضطرت منذ ذلك الحين إلى اللجوء لطبيب جلدية متخصص، بعد أن تحولت المشكلة إلى حالة مزمنة من الحبوب المؤلمة التى تظهر على سطح البشرة وتحت الجلد، مشيرة إلى أنها فوجئت لاحقًا بوجود نفس الماسك الذى استخدمته خلال الجلسة يباع فى محلات مستحضرات التجميل بسعر لا يتجاوز 20 جنيهًا، دون أى بيانات واضحة أو ترخيص من الجهات المختصة، وهو ما أثار شكوكها حول سلامة هذه المنتجات المتداولة.
بينما تحكى «ن.س»، وهى فتاة فى العشرينيات من عمرها، أنها قررت تجربة أحد كريمات فرد الشعر التى يتم الترويج لها عبر صفحات التجميل، أملاً فى الحصول على شعر أملس وسهل التصفيف، وبالفعل حصلت على نتيجة مؤقتة، حيث بدا شعرها «مفرودًا» لمدة قاربت الستة أشهر، إلا أن ملمسه لم يكن طبيعيًا.
وتضيف أنه مع انتهاء مفعول المادة، بدأت المشكلة الحقيقية فى الظهور، إذ أصبح شعرها أكثر خشونة وتجعدًا من قبل، مع تقصف ملحوظ وضعف فى الأطراف، ما اضطرها للبحث عن جلسات علاج مكثفة لإعادة ترميمه، وتشير إلى أنها لم تكن على دراية بطبيعة مكونات هذا المنتج أو مدى أمانه، خاصة أنه تم الترويج له باعتباره حلًا سريعًا وآمنًا لفرد الشعر.
أما «م.ع»، البالغة من العمر 27 عامًا، فتروى أنها لجأت إلى استخدام أحد كريمات تفتيح البشرة التى يتم الترويج لها عبر صفحات التواصل الاجتماعى، بعدما جذبها سعره المنخفض ووعوده بنتائج سريعة، وتوضح أنها لم تنتبه إلى مصدر المنتج أو مكوناته، وبدأت استخدام الكريم بشكل يومى، ولاحظت فى البداية تفتيحًا بسيطًا، إلا أنه بعد التعرض لأشعة الشمس، بدأت بشرتها فى التفاعل بشكل ملحوظ، حيث ظهرت تصبغات داكنة وبقع غير متساوية فى اللون، إلى جانب إحساس بالحرقان وتهيج مستمر، مما جعلها تتوقف فورًا عن استخدام الكريم والتوجه إلى طبيب جلدية لعلاج بشرتها.
منتجات «بير السلم»
يكشف محمود الدجوى، رئيس شعبة الكوافير ومستحضرات التجميل بالغرف التجارية سابقًا، أن ضعف الرقابة على منتجات التجميل المجهولة المصدر هو السبب الرئيسى فى تداولها وانتشارها، موضحًا أن بعضها يتم استيراده بشكل غير قانونى عبر التهريب، حيث تدخل البلاد دون أى رقابة أو فحص، وبالتالى لا تخضع لأى معايير أمان، أو إنها تصنع فى أماكن غير مرخصة أو كما يطلق عليها «مصانع بير السلم»، والتى لا تمتلك أى تسجيلات رسمية أو تصاريح لتصنيع مستحضرات التجميل.
ويضيف أن هذه المنتجات تعتمد فى تركيبها على مواد كيميائية قد تكون محظورة، وفى حال عرضها على الجهات الصحية لن تحصل على أى ترخيص، وضرب مثالًا بكريمات الأساس التى تُباع بأسعار زهيدة، مثل 20 جنيهًا، موضحًا أنها قد تحتوى على مواد خطيرة مثل الزرنيخ، الذى يستخدم لإعطاء تأثير التفتيح، رغم كونه مادة سامة يمتصها الجلد وتصل إلى الكلى، ما قد يؤدى إلى الفشل الكلوى.
مواد مسرطنة وأبخرة سامة
ويؤكد أن خطورة هذه المنتجات لا تقتصر على الأضرار الجلدية فقط، بل تمتد إلى الإصابة بأمراض خطيرة، منها السرطان، نتيجة امتصاص الجلد لهذه المواد ووصولها إلى مجرى الدم، موضحًا أن بعض منتجات فرد الشعر، مثل البروتين والكيراتين غير المطابقة للمواصفات، تطلق أبخرة خطيرة عند استخدام الحرارة لفرد الشعر، حيث تحتوى هذه الأبخرة على مادة الفورمالدهيد التى قد تسبب سرطان الرئة عند استنشاقها، كما أن بعض هذه المنتجات يحتوى على مادة الميثانول، التى تؤثر على العينين بشكل مباشر، حيث تسبب الدموع والاحمرار، وقد تصل فى حالات التعرض المستمر إلى فقدان البصر. ولفت إلى أن العاملين فى صالونات التجميل هم الأكثر عرضة للخطر، نظرًا لتكرار تعرضهم لهذه الأبخرة طوال اليوم، على عكس العميلة التى قد تستخدم المنتج مرة كل عدة أشهر.
وفيما يتعلق بالرقابة، يشير إلى أن مباحث التموين وجهاز حماية المستهلك يقومان بحملات لضبط المخالفين فى الأسواق، إلا أن الواقع يشير إلى وجود قصور، أما بالنسبة للمنتجات التى تباع عبر مواقع التواصل الاجتماعى، فيؤكد أنها تكاد تكون خارج نطاق الرقابة، موضحًا أن الآلية المفترضة لملاحقتها تتمثل فى تتبع عمليات البيع والشراء، وطلب المنتجات ثم ضبط القائمين عليها، إلا أن هذا الأمر لا يتم بشكل كافٍ.
ويوضح أن السبب الرئيسى فى انتشار هذه الظاهرة بجانب ضعف الرقابة، هو ضعف العقوبات فى قانون الغش التجارى، حيث تقتصر العقوبة غالبًا على غرامة مالية تصل إلى 20 ألف جنيه، وهى قيمة لا تمثل رادعًا حقيقيًا مقارنة بحجم الأرباح التى يحققها التجار، خاصة فى ظل بيع كميات كبيرة من هذه المنتجات، حيث إن المخالف يتم تحرير محضر له وتحويله للنيابة بتهمة الغش التجارى، وتنتهى العقوبة غالبًا بالغرامة، ما يستدعى ضرورة تغليظ العقوبات لتكون أكثر ردعًا.
نصائح مهمة
وتطرق إلى بعض مستحضرات التجميل الشائعة، محذرًا من مخاطرها فى حال كانت مغشوشة، مثل قلم الكحل، فالكحل الأصلى يستخرج من حجر الإثمد وله فوائد للعين، بينما يتم تحويله فى بعض المنتجات التجارية إلى شكل القلم الرصاص بإضافة مادة الرصاص، التى قد تضر شبكية العين وتؤدى إلى ضعفها أو فقدان البصر مع الاستخدام المتكرر، وكذلك بعض أنواع أحمر الشفاه التى تحتوى على مواد كيميائية قد يتم امتصاصها عبر الفم، ما يؤدى إلى تأثيرات ضارة على المعدة والكلى.
وفيما يتعلق بالماسكات وكريمات البشرة، فالخطورة تكمن فى احتوائها على معادن ثقيلة مثل الزرنيخ والزئبق والرصاص، وهى مواد تستخدم لخفض التكلفة وزيادة التأثير الظاهرى السريع، لكنها تمثل خطرًا كبيرًا على الصحة.
واختتم حديثه بتوجيه نصيحة للمستهلكين، خاصة الفتيات، بضرورة الحذر من الانسياق وراء المنتجات الرخيصة، مؤكدًا أن تكلفتها الحقيقية قد تكون أعلى بكثير على المدى الطويل بسبب مصاريف العلاج.
ودعا إلى الاعتماد على المنتجات الطبيعية كبدائل آمنة، والتى يمكن أن تسهم فى تحسين نضارة البشرة بشكل آمن، مشيرًا إلى أن هذه المكونات الطبيعية كالفواكه وعسل النحل تحتوى على فوائد غذائية وعناصر مفيدة للبشرة قد تغنى عن استخدام مستحضرات كيميائية ضارة. كما يشدد على أهمية التأكد من تسجيل المنتج بوزارة الصحة، وصلاحيته للاستخدام، والابتعاد تمامًا عن المنتجات مجهولة المصدر التى تباع فى الشوارع أو عبر صفحات غير موثوقة، مهما كانت العروض مغرية.
معايير تقييم
ومن جانبها تؤكد د. مى مجدى يحيى، صيدلانية وإخصائية تغذية وعناية بالشعر والبشرة، أن هناك انتشارًا ملحوظًا لمنتجات التجميل غير الموثوقة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وهو ما يمثل خطرًا حقيقيًا على الصحة، خاصة فى ظل الترويج لها من قبل أشخاص غير متخصصين، مما يزيد من احتمالية الوقوع فى أضرار جلدية قد تكون صعبة العلاج.
وتوضح أن هناك مجموعة من المعايير الأساسية التى تساعد فى تقييم أمان المنتج، من بينها وجود بيانات واضحة على العبوة، مثل اسم الشركة المنتجة، وبلد المنشأ، وتاريخى الإنتاج وانتهاء الصلاحية، كما تشدد على أهمية وجود رقم تسجيل أو ترخيص من الجهات المختصة، مثل هيئة الدواء أو وزارة الصحة، إلى جانب توافر قائمة مكونات واضحة ومفهومة.
وتضيف أن من المؤشرات المهمة أيضًا توافر المنتج فى الصيدليات أو الأماكن الموثوقة، حيث إن ذلك يعكس خضوعه لقدر من الرقابة، بعكس المنتجات التى تباع عبر صفحات غير معروفة، ويمكن التأكد من ترخيص المنتج من خلال الرجوع إلى الموقع الرسمى للشركة المنتجة، وفى حالة المنتجات المستوردة، يجب أن تكون تابعة لشركات معروفة ويتم شراؤها من مواقع موثوقة ومضمونة، أما أى منتج غير معروف المصدر يجب تجنبه تمامًا.
تعليقات السوشيال ميديا
وتوضح د. مى أن السعر المنخفض ليس دائمًا دليلًا قاطعًا على الغش، لكنه قد يكون علامة تحذيرية إذا كان منخفضًا بشكل مبالغ فيه مقارنة بأسعار السوق، خاصة إذا كان المنتج يحمل اسم علامة تجارية معروفة، مما قد يشير إلى أن هذه المنتجات قد تكون مقلدة أو منتهية الصلاحية، وقد تحتوى على مواد ضارة مثل الكورتيزون أو الزئبق دون الإفصاح عنها، كما أن هذه الصفحات لا تخضع لأى رقابة، ولا توجد جهة يمكن الرجوع إليها فى حال حدوث ضرر.وتنوه إلى أن التقييمات أو التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعى لا تعد دليلًا علميًا على أمان المنتج، إذ يمكن أن تكون مضللة أو مدفوعة، ولا تعكس بالضرورة تجربة حقيقية أو موثوقة.
وتتابع: يجب إجراء اختبار حساسية (Patch Test) على جزء صغير من الجلد لمدة نصف ساعة قبل استخدام المنتج بشكل كامل، للتأكد من عدم حدوث تفاعل تحسسى، مع ضرورة تجنب المنتجات التى تروج لنتائج «سحرية وفورية»، خاصة أنها رصدت العديد من الحالات التى تعرضت لأضرار نتيجة استخدام منتجات مجهولة المصدر، من بينها تهيج شديد فى الجلد، وظهور حبوب مفاجئة، إضافة إلى ترقق البشرة نتيجة احتواء بعض المنتجات على الكورتيزون، فضلًا عن حدوث تصبغات قد تكون أكثر صعوبة من المشكلة الأصلية التى سعت المريضة لعلاجها.
ومن جانبه، يؤكد د. شريف مهدى، أستاذ مساعد الأمراض الجلدية والتناسلية بالمركز القومى للبحوث، أن مستحضرات التجميل مجهولة المصدر قد تحتوى على مواد كيميائية ضارة بتركيزات غير آمنة، ما يعرض المستخدمين لمخاطر صحية متعددة، فقد تسبب تهيج الجلد وإحمراره، وظهور الحبوب، والإصابة بالأكزيما، وتغير لون البشرة، فضلًا عن حساسية شديدة ومشكلات فى الشعر، كما قد تمتد آثارها إلى أضرار أكثر خطورة، مثل اضطرابات الجهاز التنفسى والعصبى، وزيادة احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان، إلى جانب تأثيرها السلبى على العينين ونضارة البشرة بشكل عام، موضحًا أن بعض مستحضرات التجميل قد تحتوى على معادن ثقيلة شديدة السُمية، مثل الرصاص الذى يؤثر على الذاكرة ويسبب آلامًا عضلية وقد يؤدى إلى الإجهاض، والزرنيخ الذى يسبب آلامًا حادة فى البطن وقد يؤدى إلى السكتة الدماغية.
كما أن الزئبق قد يتسبب فى أضرار بالغة للدماغ والقلب، وقد يؤدى إلى الفشل الكلوى وضعف المناعة، بينما يرتبط الألمنيوم بالصداع المستمر وتراجع الذاكرة وآلام العظام، وقد يكون له علاقة بسرطان الثدى، وكذلك مادة الكادميوم تؤثر سلبًا على وظائف الكلى وقد يؤدى إلى أمراض العظام والسرطان، فى حين أن مسحوق «التالك» قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المبيض.
علامات تحذيرية
ويشير مهدى إلى أنه لا توجد بشرة مثالية تناسب جميع المنتجات، إذ يجب على كل شخص اختيار ما يتناسب مع طبيعة بشرته، موضحًا أن الفئات الأكثر تضررًا من هذه المنتجات تشمل النساء فى الفئة العمرية من 20 إلى 35 عامًا، وكذلك أصحاب البشرة الحساسة أو المصابون بأمراض جلدية مثل الأكزيما، إضافة إلى الأطفال والمراهقين نظرًا لرقة بشرتهم وسهولة امتصاصها، فضلًا عن الحوامل.
ويؤكد أن هناك علامات تحذيرية قد تظهر فور استخدام مستحضرات التجميل مجهولة المصدر، وتستدعى التوقف الفورى، مثل الشعور بحرقان شديد أو لسعة، وإحمرار الجلد والحكة، وظهور تورم أو طفح جلدى. كما قد تظهر أعراض لاحقة، مثل جفاف وتشقق البشرة، أو تغير لونها، أو ظهور حب الشباب والرؤوس السوداء، وهى مؤشرات تستوجب الحذر والتوقف عن استخدام المنتج.
لذا ينصح طبيب الأمراض الجلدية بضرورة غسل المنطقة المصابة فورًا بالماء الفاتر، والتوقف عن استخدام المنتج بشكل نهائى، مع التوجه إلى طبيب مختص فى حال استمرار الأعراض أو تفاقمها.
واختتم مهدى حديثه بالتأكيد على أن بعض الأضرار الناتجة عن هذه المنتجات قد تكون دائمة، مثل الالتهابات المزمنة، وظهور ندبات وبقع لا تختفى، وحروق وتشوهات جلدية، فضلًا عن تسريع علامات الشيخوخة. كما قد تمتد الأضرار إلى الشعر، حيث قد تسبب تساقطًا دائمًا وتلفًا فى أليافه، ما يتطلب فترات علاج طويلة، وقد لا يمكن تعويضه بشكل كامل فى بعض الحالات.