طوابير كبار السن تزيد معاناتهم

التأمين الصحى تحت الضغط

منظومة التأمين الصحى
منظومة التأمين الصحى


مع بداية كل شهر، تبدأ رحلة جديدة لكبار السن مع التأمين الصحى، رحلة تحمل فى تفاصيلها معاناة متكررة بين الزحام وطول الانتظار، فى محاولة للحصول على دور فى الكشف أو صرف علاج ضرورى لا يمكن الاستغناء عنه، فالأمراض المزمنة لا تمنحهم رفاهية التأجيل، لكن الحصول على الخدمة أحيانًا يتحول إلى عبء إضافى يزيد من مشقتهم.. ورغم الجهود المبذولة من الدولة المصرية لتطوير منظومة التأمين الصحى، يظل الواقع يفرض تحديات يومية يعيشها كبار السن، ما بين نقص بعض الأدوية وصعوبة الإجراءات، لتبقى رحلة العلاج من أصعب التحديات التى يواجهونها.. فى التحقيق الآتى، ترصد «الأخبار» تفاصيل هذه المعاناة كما روى أصحابها، وتبحث عن حلول تضمن لهم رعاية صحية أكثر سهولة.

تفعيل العيادات المسائية يخفف الزحام

تغيير الثقافة والالتزام بالحجز إلكترونيًا ينهى الأزمة

«والله إحنا بنعانى أشد المعاناة».. بهذه الكلمات بدأت مديحة مصطفى، الموظفة بالمعاش بمحافظة المنوفية، حديثها، قائلة إن المأساة تبدأ منذ اللحظات الأولى للوصول، حيث تجد نفسها تظل ساعات طويلة فى طوابير الانتظار فقط من أجل تسليم البطاقة، ثم الانتظار مرة أخرى لساعات أطول فى انتظار دورها للدخول إلى الطبيب، لينتهى الأمر فى كثير من الأحيان بكتابة تحويلات طبية أو أدوية بدائية لا تليق بحالتها الصحية الصعبة.
وتستطرد فى شكواها موضحة أن المعاناة لا تتوقف عند حدود العيادة، بل تمتد لتصل إلى الصيدلية بمستشفى التأمين، حيث وصفت التعامل هناك بأنه يخلو من أى رحمة. فبدلاً من تقديم الخدمة الدوائية بتقدير، يواجه المرضى -خاصة البسطاء وغير القادرين منهم- سيلاً من الإهانات والمشاجرات، مشيرة إلى أن المنظومة تزداد تعقيدًا عند تحويل المرضى لصرف الأدوية من صيدليات خارجية، حيث تقطع مسافات إضافية ليكتشف فى النهاية أن الدواء غير متوافر، مما يضطرها إلى شراء العلاج على نفقتها الخاصة بعد رحلة شاقة من بُعد المسافة والانتظار.
ماراثون يستنزف الصحة
أما عزت البطاوى، الموظف المحال إلى المعاش، فيرى أن رحلة البحث عن العلاج تحولت إلى ماراثون يستنزف ما تبقى من صحته، فبدلاً من الاستمتاع بسنوات الراحة بعد عقود من العمل، وجد نفسه «يدوخ السبع دوخات» بين المكاتب والعيادات، فى محاولات مضنية لصرف علاج التأمين الصحى، مشيرًا إلى أنه يعانى أيضًا من عدم انتظام صرف الجرعات المقررة له، فشهر يتوافر فيه العلاج، وشهر آخر يواجه فيه أبوابًا مغلقة بكلمة «غير موجود». وما يزيد الأمر صعوبة هو الاكتفاء بصرف الأدوية محلية الصنع البديلة للمستورد، وفى أحيان كثيرة أيضًا يكون هذا البديل غير متاح فى الصيدليات التابعة للتأمين.
معاناة صرف العلاج
ونفس المعاناة تتكرر مع أحمد نبيل، 70 عامًا، حيث يروى تفاصيل رحلته الشهرية مع التأمين الصحى، قائلاً إنه يضطر إلى التوجه كل شهر لصرف علاجه، فيقضى ساعات طويلة فى الانتظار قبل الدخول إلى الطبيب، موضحًا أن صرف الدواء لا يكون ثابتًا، بل يختلف وفقًا لتقدير الطبيب، فهناك من يكتفى بصرف عدد محدود من الشرائط، وآخرون قد يصرفون العلاج كاملاً.
ويضيف أن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد فى حال نقص بعض الأدوية، حيث يتم استبدالها ببدائل قد لا تكون بنفس الفعالية من وجهة نظره، أو يضطر لبدء رحلة بحث مرهقة فى صيدليات أخرى خارج التأمين الصحى، ما يمثل عبئًا إضافيًا عليه فى ظل تقدمه فى العمر وحاجته المستمرة للعلاج.
المنتفعون والطاقة الاستيعابية
ويكشف مصدر مسئول بهيئة التأمين الصحى لـ«الأخبار» حقيقة الأمر، موضحًا أن هناك بالفعل حالة من التكدس والزحام داخل العيادات، نتيجة زيادة أعداد المنتفعين بشكل مستمر، فى مقابل ثبات الطاقة الاستيعابية للعيادات والخدمات المقدمة دون زيادة مماثلة، مشيرًا إلى أن الهيئة تقدم الخدمة حاليًا ما يقارب 80 مليون مواطن، وهو ما يمثل ما بين 75% إلى 80% من سكان الدولة، وهو ما خلق ضغطًا كبيرًا على المنظومة، دفع إلى إعادة النظر فى آليات تقديم الخدمة خلال الفترة الأخيرة.
ويضيف أنه تم بالفعل تطبيق نظام العيادات المسائية لتعمل حتى الساعة الثامنة مساء، بدلاً من النظام التقليدى الذى يمتد من الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا، مؤكدًا أن نفس الطبيب الاستشارى ونفس الفريق الطبى من تمريض وإداريين يقدمون الخدمة فى الفترتين دون أى فروق، بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية وتقليل الزحام.
ويتابع: كما أن الهيئة بدأت أيضًا فى التوسع فى إتاحة الخدمة داخل أماكن خارجية بالتعاون مع بعض الجهات لتقديم خدمات تشخيصية وعيادات خارجية، فى محاولة لتقريب الخدمة من المواطنين وتقليل الضغط على المنشآت الرئيسية.. وفيما يتعلق بنظام صرف العلاج، يؤكد أن هناك بالفعل بعض النقص فى عدد من الأصناف الدوائية، وليس فى جميع الأدوية، مؤكدًا على وجود انفراجة نسبية خلال الفترة الأخيرة فى توافر العديد من الأدوية المهمة مثل الأنسولين والمضادات الحيوية، كما يجب العلم أن آلية الصرف داخل التأمين الصحى تعتمد على المادة الفعالة وليس الاسم التجارى، حيث يتم توفير الدواء وفقًا للمادة العلمية الفعالة، بينما قد يعتاد بعض المرضى على شكل أو اسم معين للعبوة الدوائية، وهو ما يؤدى أحيانًا إلى رفضهم للبدائل.
منظومة الحجز الإلكترونى
وفى محاولة للتخفيف من التكدس داخل العيادات والصيدليات، تم تفعيل منظومة الحجز الإلكترونى، بحيث يمكن للمريض حجز موعده مسبقًا وتحديد التخصص والطبيب وميعاد الزيارة، بدلاً من الحضور المبكر والانتظار لساعات طويلة، إلا أنه أشار فى الوقت نفسه إلى ظهور بعض الممارسات غير الرسمية، مثل قيام بعض الأشخاص باستغلال نظام الحجز الإلكترونى وبيع المواعيد مقابل مبالغ مالية، وهو ما تعمل الهيئة على مواجهته من خلال توفير مكاتب خدمة داخل العيادات والوحدات التأمينية، مهمتها مساعدة كبار السن وغير القادرين على استخدام نظام الحجز الإلكترونى، سواء فى تسجيل البيانات أو حجز المواعيد أو توجيه المريض للتخصص المناسب، وهذه المكاتب موجودة داخل كل عيادة تقريبًا لتقديم الدعم المباشر للمنتفعين. كما لفت إلى أن هناك خدمة لتوصيل الأدوية إلى المنازل، مقابل رسوم رمزية تقارب 50 جنيهًا، بهدف تخفيف العبء عن كبار السن وتقليل الازدحام داخل الصيدليات، موضحًا أن هذه الخدمة توفر على المريض عناء الانتقال والانتظار.
تغيير الثقافة
ويؤكد المصدر أن المشكلة لا تتعلق فقط بالإمكانات أو الكوادر الطبية، ولكن أيضًا بطرق استخدام الخدمة وثقافة بعض المنتفعين، فبعض الحالات التى يتم رصدها تكون لمرضى يحضرون رغم حصولهم على مواعيد مسبقة بالحجز الإلكترونى، مما يؤدى إلى زيادة التكدس.
ويستشهد بعدد من الأمثلة، موضحًا أن بعض مراكز التأمين الصحى مثل عيادات الهرم ومدينة نصر والجيزة تشهد إقبالاً كبيرًا، وأن محاولات إعادة توزيع الخدمة ونقل بعض التخصصات إلى أماكن أخرى قوبلت أحيانًا برفض من المواطنين، رغم أن الهدف منها تقليل الزحام وتسهيل الحصول على الخدمة.
ويختتم حديثه مؤكدًا على أن الهيئة مستمرة فى تطوير المنظومة وميكنة الخدمات وفتح قنوات جديدة لحجز العيادات وصرف العلاج من خلال ميكنة الصيدليات أيضًا، بما يضمن تحسين جودة الخدمة، مشددًا على أن الهدف الأساسى هو تقديم رعاية صحية أفضل للمواطنين وتقليل معاناتهم قدر الإمكان.
اقتراحات بديلة
ومن جانبها، تؤكد النائبة أميرة فؤاد، عضو اللجنة الصحية بمجلس النواب، أن معاناة كبار السن فى التأمين الصحى فى بعض المحافظات ترتبط غالبًا بثلاث مشكلات رئيسية، تتمثل فى بطء الإجراءات، وصعوبة الوصول إلى الخدمة، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، مشيرة إلى أن تطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل بشكل كامل يحتاج إلى وقت، ما يتطلب العمل على حلول انتقالية سريعة وقابلة للتنفيذ الفورى، لتخفيف الأعباء عن كبار السن، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية اللازمة.
وتوضح أن من بين أبرز الحلول المقترحة تخصيص مسارات خاصة لكبار السن داخل المستشفيات الحكومية، من خلال إنشاء «شباك كبار السن» لتسهيل الإجراءات، مع منحهم أولوية فى توقيع الكشف وتقليل فترات الانتظار، إلى جانب تخصيص ممرات سريعة لمرضى الأمراض المزمنة مثل السكر والضغط والقلب، بما يضمن سرعة حصولهم على الخدمة دون مشقة إضافية.
وكذلك إطلاق وحدات طبية متنقلة يمثل أحد الحلول العملية، عبر تنظيم قوافل طبية أسبوعية تستهدف المناطق الأكثر كثافة سكانية، لتقديم الخدمة الطبية بالقرب من المواطنين، خاصة غير القادرين على الحركة، بدلاً من اضطرارهم إلى الانتقال لمسافات طويلة وتحمل مشقة الزحام والتنقل. كما شددت على أهمية تفعيل الزيارات المنزلية، من خلال فرق تمريض تابعة لوزارة الصحة، على أن تركز هذه الخدمة على الحالات الحرجة وكبار السن غير القادرين على الوصول إلى المستشفيات أو الوحدات الصحية، بما يضمن استمرار الرعاية الصحية لهم داخل منازلهم.
وتشير إلى ضرورة إصدار كارت صحى مؤقت لكبار السن، يتيح لهم الكشف المجانى أو منخفض التكلفة، وصرف الأدوية الأساسية، ليكون بمثابة حل مرحلى لحين اكتمال تطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل فى جميع المحافظات.
وفيما يتعلق بالتحول الرقمى، تؤكد على ضرورة الاعتماد على ربط إلكترونى مبسط وفعال، بعيدًا عن المنظومات المعقدة التى قد تتسبب فى تعطيل الخدمة، بحيث يتم تسجيل المرضى بشكل منظم مع إدخال البيانات بصورة بسيطة تضمن عدم تعطيل صرف العلاج أو الخدمات المستحقة بسبب مشكلات تقنية.
كما تقترح التوسع فى التعاقد الجزئى مع بعض المستشفيات الخاصة، بما يسمح لكبار السن بالحصول على العلاج داخل جهات طبية محددة، تتحمل الدولة جزءًا من تكلفتها وفق نظام تحمل مشترك، بما يخفف الضغط عن المستشفيات الحكومية ويوفر بدائل أسرع للعلاج.
وتطالب أيضًا بتخصيص خطوط ساخنة وخدمة متابعة مخصصة لكبار السن، لتسهيل عمليات الحجز والاستفسار، ومتابعة أصحاب الأمراض المزمنة بشكل دورى، بما يمنع تدهور حالتهم الصحية نتيجة تأخر المتابعة أو صعوبة الوصول للخدمة، وأخيرًا تشدد على أهمية مد فترة صرف أدوية الأمراض المزمنة، بحيث يتم صرف العلاج لمدة ثلاثة أشهر بدلاً من شهر واحد، وهو ما يسهم فى تقليل الزحام داخل الصيدليات والعيادات، ويخفف كثيرًا من معاناة كبار السن الذين يضطرون إلى تكرار رحلة الانتظار شهريًا.
إعادة تنظيم
وفى هذا الصدد، يتحدث د. محمد على عز العرب، أستاذ الكبد، ومؤسس وحدة أورام الكبد بالمعهد القومى، والمستشار الطبى للجمعية المصرية للحق فى الدواء، عن أن هناك محاولات جادة لتحسين الأداء داخل منظومة التأمين الصحى، إلى حين تطبيق نظام التأمين الصحى الشامل بشكل كامل فى جميع محافظات جمهورية مصر العربية، موضحًا أن المنظومة الشاملة انتهت من مرحلتها الأولى، وتدخل حاليًا المرحلة الثانية، إلا أنه يشدد على ضرورة الاهتمام بالمنظومة الحالية لحين اكتمال التطبيق.
ويشير إلى أن الملاحظ فى الوقت الحالى هو وجود زحام شديد وتأخير ملحوظ فى تقديم الخدمات، سواء فى الكشف الطبى أو صرف الأدوية، لافتًا إلى أن بعض المرضى يضطرون لصرف العلاج من أماكن بعيدة، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على أصحاب الأمراض المزمنة ومرضى الأورام وغيرهم من الحالات التى تحتاج إلى متابعة مستمرة.
ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة تنظيم وحدات التأمين الصحى بشكل جاد، مع التوسع فى استخدام الميكنة والرقمنة، والاستعانة بأدوات تكنولوجيا المعلومات لتنظيم العمل داخل المنظومة، موضحًا أهمية تفعيل ما يعرف بالعيادات الأولية أو عيادات الفرز، خاصة للمرضى الجدد، حيث يقوم الطبيب من خلالها بتسجيل التاريخ المرضى بصورة دقيقة، وإنشاء ملف صحى إلكترونى لكل مريض.
ويضيف أن هذا النظام الإلكترونى سيكون بديلاً أكثر كفاءة من البطاقة الورقية المتداولة حاليًا، حيث يتيح سهولة متابعة الحالة الطبية للمريض فى أى منشأة تابعة للتأمين الصحى، حتى فى حال انتقاله بين المحافظات، كما يساعد الطبيب المعالج على الاطلاع على التاريخ المرضى والأدوية المستخدمة، بما يمنع حدوث أى تعارض دوائى أو تكرار فى صرف الأدوية دون داعٍ.
كما يلفت إلى أن إنشاء ملف صحى إلكترونى يسهم أيضًا فى الحد من إهدار المال العام، من خلال ضبط عملية صرف الأدوية، والتأكد من أن المريض يحصل فقط على ما يحتاجه فعليًا، دون تكرار أو صرف كميات غير ضرورية.
وفى الوقت نفسه، يشيد بالجهود المبذولة فى بعض القطاعات، خاصة مراكز علاج الأورام التابعة للتأمين الصحى، التى شهدت تطورًا ملحوظًا فى تنظيم دخول المرضى، وتقديم الخدمة داخل أماكن أكثر ملاءمة، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الحالة النفسية للمريض، خاصة مرضى الأورام الذين يحتاجون إلى بيئة هادئة ورعاية إنسانية إلى جانب سرعة تقديم الخدمة.
وفيما يتعلق بأزمة الأدوية، يؤكد أنها تمثل تحديًا كبيرًا، خاصة فى بعض الأصناف التى تعانى نقصًا، رغم توافر بدائل أو مثائل لها، مشددًا على ضرورة تنظيم عملية صرف الدواء بحيث لا يتم صرف أى علاج إلا إذا كان متوافرًا داخل نفس الجهة، وبآلية واضحة تعتمد على تسجيله على النظام، ثم استدعاء المريض لصرفه دون معاناة أو تنقل بين أماكن مختلفة.
كما يؤكد على أهمية استكمال رقمنة خدمات التأمين الصحى بشكل شامل، بحيث تشمل تنظيم الانتظار داخل العيادات، ومواعيد التحاليل، وخدمات الأشعة، بما يضمن تقديم خدمة صحية ميسرة ومنظمة تقلل من معاناة المرضى، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.