«الدهّابة»| تنقيب غير شرعى وجرائم فى بطن الجبل

جنازة الضحايا - اللواء الحسن على عباس - اللواء رأفت الشرقاوى
جنازة الضحايا - اللواء الحسن على عباس - اللواء رأفت الشرقاوى


«مذبحة الحويطات» كشفت المستور وتدق ناقوس الخطر

مطالب بتغليظ العقوبات للحفاظ على ممتلكات الدولة 

القتل والموت عطشًا  نهاية حلم الثراء السريع

منذ أيام قليلة استيقظ المصريون على جريمة مروعة وقعت أحداثها فى بطن «جبل الحويطات»  بسفاجا عندما فتح أحد القائمين بالتنقيب غير الشرعى عن الذهب نيران بندقيته على زملائه فقتل 8 ونجا التاسع بأعجوبة..

الجريمة المروعة كشفت خبايا ما يحدث وراء الجبال من سباق محموم لاستخراج عروق الذهب من الصخور والرمال من أجل الثراء السريع غير الشرعي، وما تشهده الجبال من جرائم مروعة بعضها تم الكشف عنها وبعضها دُفنت مع أصحابها فى بطن الجبل

على امتداد سلاسل جبال البحر الأحمر من سفاجا إلى حدود أسوان وحلايب وشلاتين ينتشر «الدهابة» أو المنقبون عن الذهب الذين يتفننون فى الصعود الى الجبال ويسكنون الوديان والممرات الجبلية بين الصخور بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية .. يعلمون أنهم يمارسون نشاطاً غير مشروع ورغم ذلك يقضون الأيام والأسابيع بين الرمال والصخور ينقبون ويبحثون عن عروق الذهب فى مغامرة أقرب للمقامرة بالحياة !!

يعملون خارج القانون ويستخدمون أجهزة بدائية أحيانًا، وأجهزة حديثة مُهربة أحيانًا أخرى بحثاً عن ثروات الجبال

دفاتر أحوال الشرطة توثق العديد من المآسى .. بعضهم ماتوا جوعاً وعطشاً بعد أن تاهوا وسط الجبال .. والبعض دُفنوا أحياء فى انهيارات صخرية مفاجئة أثناء الحفر والتنقيب داخل آبار عميقة بلا تأمين .. والبعض قُتلوا باشتباكات مُسلحة بسبب الطمع للفوز بكامل الغنيمة وهذا ما حدث بالفعل فى مذبحة جبل الحويطات. على الجانب الآخر، يقف «منجم السكري» كرمز للتنقيب المنظم عن الذهب عن طريق الدولة .. منجم السكرى يُعد واحداً من أكبر مناجم الذهب فى الشرق الأوسط، يعمل وفق معايير دولية، وتديره شركات كبرى تحت إشراف الدولة.

مفارقة مؤلمة

لكن المفارقة المؤلمة .. بينما يُستخرج الذهب بشكل قانونى ومنظم داخل منجم السكري، تدور على بُعد كيلومترات قليلة منه معارك دامية بسبب الصراع على مناطق يُعتقد أنها غنية بالذهب.

مجموعات تتقاتل للسيطرة على منجم بدائى .. تصفية حسابات بين شركاء تحوّلوا إلى خصوم

رجال دخلوا الجبل بحثًا عن الذهب ولم يخرجوا، السيناريو يتكرر، اكتشاف عرق ذهب ،تسريب المعلومة، وصول مجموعات أخرى، اشتباك، ثم ضحايا فى مناطق نائية بلا إسعاف وقد تُدفن الحقيقة مع أصحابها.

الذهب المُستخرج بشكل غير قانونى يدخل فى اقتصاد موازٍ وبيع لتجار وسطاء وتهريب أحيانًا خارج الحدود.

وهنا تخسر الدولة المليارات، بينما يربح البعض ثرواتٍ سريعة، أو يخسرون حياتهم.

لم تكن واقعة مقتل 8 من أبناء محافظة قنا، فى مذبحة «أم الحويطات» بطريق سفاجا، والتى كشفت الداخلية تفاصيلها بعد أن أطلق عليهم أحد الأشخاص مقيم بقرية البراهمة مركز قفط جنوبى قنا النيران بسبب خلافاتٍ عن التنقيب عن الآثار، هى الأولى من نوعها، بل سبقتها وقائع مشابهة، راح ضحيتها أشخاص، سواء بسبب الخلافات بينهم، أو فى تبادل النيران مع الشرطة.

فهناك 12 شخصاً لقوا مصرعهم من قبل، كونوا تشكيلات عصابية، تخصصت فى التنقيب عن الذهب والاتجار فى الأسلحة والمخدرات بأسوان، و3 شباب ماتوا من العطش بعد أن ضلوا الطريق، بطريق قنا - سفاجا، وأخيراً 8 قُتلوا على يد عنصر إجرامى اعترف بارتكابه الواقعة، طمعاً فى الحصول على الذهب خشية خيانتهم له فتخلص منهم.

أسرار تاريخية

الروايات المُتداولة تؤكد ان تاريخ « الدهّابة»، فى أسوان يعود الى عام 2005، عن طريق الصدفة حيث كان أحد الأشخاص يشعل النار فى الجبل لعمل كوب من الشاى فانصهر أحد الأحجار، وعندما غسله اكتشف أن هذا الحجر به عرق من الذهب، وهنا ترك الدهابة أعمالهم فى الزراعات ورعى الأغنام والتجارة وتفرغوا للتنقيب عن الذهب، فى الصحراء بطرق غير شرعية.

وانتشرت هذه المهنة خلال السنوات القليلة الماضية ، ومعظمهم من قبيلتى «العبابدة» و«البشارية» بمحافظتى البحر الأحمر وأسوان، ومعهم عدد من المتسللين السودانيين، الذين تركوا مهنتهم الأصلية فى الرعى والتجارة وتحميل البضائع بسوق شلاتين، واتجهوا للبحث والتنقيب عن الذهب ، وتمكن عدد منهم من الحصول على جهاز الكشف عن المعادن، من خلال تتبع الأماكن التى كان يعمل بها الفراعنة والرومان .

العناصر الإجرامية الخطرة، باتت تبحث عن طريقة للبحث عن الثراء السريع وتشير أصابع الاتهام إلى تورط قيادات شعبية فى معاونة هؤلاء المجرمين وتوفير احتياجاتهم للقيام برحلاتٍ صعبة وشاقة، الى أماكن معينة للتنقيب مثل: «أم الحويطات والعلاقى والنقيب وأم غزال وسيجع» وهى أماكن البحث عن «الكوارتز» فى أسوان وسفاجا وطريق قفط - القصير ومرسى علم.

يمتلك «الدهابة» جهازاً للكشف عن المعادن ، وفور الوصول إلى المعدن، تبدأ مهمة تقسيم الأدوار والتى تتمثل فى التكسير والتعبئة والتحميل، وبعدها تكسير الأحجار وطحنها داخل طواحين للذهب، فى ورش مُخصصة لذلك، بعد التأكد من وجود الكوارتز فى هذه الأحجار.

رحلة البحث عن الكوارتز، شاقة للغاية وتتم فى الخفاء، فهم يخرجون فى مجموعات، حاملين أمتعتهم من طعام وشراب، ويستقلون سيارات خاصة لها القدرة على السير فى المدقات الوعرة فى حضن الجبل، بحثاً عن الذهب، فى رحلات تستغرق أياماً وربما شهوراً، ولكن الرحلات تكون مجهولة المصير، فمنهم من يموت عطشاً داخل الجبال، بعد أن يضلوا الطريق، ومنهم من يكون مصيره الموت على يد زملائه، ومنهم من تكون نهايته التصفية خلال مطاردات مع الشرطة، ومنهم من يتم ضبطه وتقديمه للمحاكمة، ومنهم من يعثر على المادة الخام للذهب داخل الصخور، ويعودون لطحنه واستخلاصه وبيعه.

وطالب فتحى قنديل، عضو مجلس النواب، بضرورة التصدى للدهابة للحفاظ على ممتلكات الدولة من الذهب، ومنع التراخيص لأى شركات فردية، لأن هذا ساعد فى أن تسلك العناصر الاجرامية، طرقاً غير شرعية فى التنقيب عن الذهب ، مشيراً إلى ضرورة تغليظ العقوبة على المتهمين، حتى يكونوا عبرة لغيرهم.

وأشار إلى أن ما حدث فى مذبحة « أم الحويطات «، سبقته جرائم راح ضحيتها آخرون فى حضن الجبل، وربما مات من مات هناك، ودفن الجثث التى أصبحت مجهولة بسبب الانفلات الأمنى عقب 25 يناير.

وأوضحت رحاب الغول، عضو مجلس النواب: أنه لا بد من تعديل تشريعى يجرم التنقيب عن الذهب إلا بمعرفة شركات الدولة.. وقالت: إن ما حدث من جرائم شغلت الرأى العام يؤكد التصدى لمرتكبى هذه الجرائم وضرورة تغليظ العقوبة على المتهمين.

وأشار اللواء الحسن على عباس، الخبير الأمنى ، وعضو مجلس الشيوخ ، إلى أن ما يحدث يضر بموارد الاقتصاد المصرى ويتسبب فى وقوع الجرائم، لافتاً إلى أن الأجهزة الأمنية تشن حملات مكبرة لضبط الخارجين عن القانون، وسيتم مناقشة الأمر قريباً لوضع تشريعات وقوانين أكثر صرامة.

وأوضح حسين هريدي، عضو مجلس النواب، أن ظاهرة التنقيب العشوائى عن الذهب أصبحت تمثل خطرًا حقيقيًا على الدولة والمواطن، فهى لا تهدد فقط الثروات الطبيعية، بل تؤدى أيضًا إلى خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة إهدار موارد كان يمكن استغلالها بشكل منظم لصالح الجميع.

وتابع : «نحن ندرك أن بعض المواطنين يلجأون لهذا النشاط بدافع البحث عن مصدر رزق، لكن فى ظل غياب التنظيم، تتحول هذه الممارسات إلى تهديد للأرواح بسبب استخدام وسائل بدائية وغير آمنة، بالإضافة إلى تأثيرها السلبى على البيئة».

وأوضح أن المطلوب اليوم ليس فقط المواجهة الأمنية، ولكن وضع إطار قانونى واضح ينظم عمليات التنقيب، ويفتح الباب أمام تقنين الأوضاع، بما يضمن حق الدولة ويحمى المواطنين ويوفر فرص عمل آمنة ومشروعة، فالدولة تمتلك نماذج ناجحة فى هذا الملف، ويمكن البناء عليها لتحقيق التوازن بين الاستثمار والحفاظ على الموارد، بدلًا من ترك الأمر للفوضى.

أما الخبير الأمنى اللواء رأفت الشرقاوي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، فيشير الى أن الصراع الدائم بين المنقبين غير الشرعيين عن الذهب أو ما يُطلق عليهم الدهابة تسبب فى قتل ثمانية أشخاص فوق «عروق الذهب»، فى مجزرة بشرية بالصحراء الشرقية فى منطقة سفاجا .. وأن هناك منشورات مُتداولة على مواقع التواصل الاجتماعى تظهر جثثاً مُلقاة فى منطقة جبلية نائية، وسط أحاديث عن اشتباكات دموية بين العصابات والمنقبين وهناك ملاحقات أمنية مستمرة ضدهم.