جيل أنفق سنوات وأموالاً طائلة فى التعليم ليجد نفسه فى منافسة غير عادلة مع آلة سرقت إبداع البشر.
وقائع استثنائية بدأت تشهدها قاعات حفلات تخرج الجامعات الأمريكية.. ظاهرة تستحق المتابعة.. هذا الشهر على منصة حفل تخرج جامعة «سنترال» فلوريدا تحدثت جلوريا كولفيلد المديرة التنفيذية لإحدى شركات العقارات الكبرى عن الذكاء الاصطناعى وقدراته القادمة.. المفاجأة أن الخريجين لم يصفقوا لها..
صفروا واستهجنوا وصرخوا فى وجه المرأة التى أصابها الذهول مما حدث فى واحدة من أكبر الجامعات الأمريكية، وبعد أسبوع، تكرر نفس المشهد بشكل أكبر فى جامعة «أريزونا» حين واجه إريك شميت الرئيس التنفيذى السابق لجوجل صيحات الاستهجان ذاته.. الرجل تحدث عن إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعى للمجتمع وسوق العمل، داعياً الطلاب إلى ركوب سفينة «الأيه آى» قبل الطوفان.. الطلاب اعتبروا حديث ملياردير التكنولوجيا نوعاً من انفصام الشخصية عن الواقع ..
الحقيقة أن الذكاء الاصطناعى سلبهم وظائفهم .. موجة رفض شعبية وعالمية بدأت تتصاعد وتظهر فى الاحتجاجات العلنية وفى قاعات التخرج..
قلق عميق ومشروع يعترى الجيل الجديد الذى يرى فى الاندفاع المحموم نحو «أذكذة» أو أتمتة الوظائف تهديداً مباشراً لمستقبله المهني..
الخريجون الجدد يواجهون اليوم سوق عمل يتقلص فيه الطلب على الوظائف المبتدئة والتقليدية لصالح البرمجيات الذكية التى باتت قادرة على صياغة النصوص والرد الآلى وتطوير الأكواد البرمجية وتحليل البيانات فى ثوانٍ معدودة..
الشباب أصبح يشعر بأن هذا التطور الهائل لا يحدث لخدمة البشرية أو لتخفيف أعباء العمل عنها، بل يجرى توجيهه لتعظيم أرباح حفنة من شركات التكنولوجيا الكبرى على حساب وظائفهم واستقرار حياتهم.. حديث قادة التكنولوجيا المستمر عن حتمية التغيير يبدو وكأنه منفصل عن الواقع ويفتقر إلى التعاطف الإنسانى مع جيل أنفق سنوات وأموالا طائلة فى التعليم ليجد نفسه فى منافسة غير عادلة مع الآلة.
الخوف من الذكاء الاصطناعى لا يصدر كله من جهل أو رجعية. بعضه يصدر عن فهم عميق لما يجرى فعلاً.
..الذكاء الاصطناعى سرق إبداع البشر وحوله إلى ملكية خاصة!!..عمالقة التكنولوجيا يقومون كل يوم بتغذية خوارزمياتهم بمليارات المواد المحمية من كتب، ومقالات وتقارير صحفية، وأغاني، ورسومات دون إذن أو تعويض مادي؛ بعد أن أصبحت هذه النماذج تعيد إنتاج وتوليد محتوى ينافس المبدعين البشر والمؤلفين والصحفيين مباشرة بالاعتماد على ثمار عقولهم وجهدهم الأصيل.
مؤخرا وقعت كبرى شركات الذكاء الاصطناعى عقوداً وشراكات استراتيجية بمليارات الدولارات مع مؤسسات صحفية وإعلامية عالمية كبرى بعد سلسلة قضايا تعويض. تهدف الصفقات إلى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعى على مقالات موثوقة وعرض ملخصات الأخبار مع توفير مصادر دخل جديدة للصحف.. ولا أعرف تفسير غياب الصحافة المصرية والعربية عموماً عن هذه الصفقات حتى الآن. هذه النماذج قامت بتنزيل الأرشيف الرقمى للصحف المصرية والعربية المتاح مجانا على الإنترنت على مدار السنوات الماضية دون إذن، واستخدمته فعليا فى تدريب نماذجها على اللغة العربية.. والأغرب أنهم لا ينكرون.
الأسوأ أن شركات الذكاء الاصطناعى أصبحت تدمج الإعلانات فى منتجاتها.. ما يقلق الخبراء ليس الإعلان فى حد ذاته، بل أن نموذجاً ذكياً أصبح يعرف كل شيء عنك قادر على التلاعب بقراراتك لصالح المعلن لا لصالحك.
يجب أن ندرك أن الذكاء الاصطناعى يختلف جوهرياً عن أى اختراعات سابقة كالتلفزيون، والسيارة، والانترنت جميعها أدوات وفرت بيئة أفضل وأكبر للإنتاج والأبداع البشرى، إلا أن الذكاء الاصطناعى هو الاختراع الأول الذى يستهدف استبدال التفكير والإبداع البشرى نفسه بالآلة ومن هنا جاء الشعور بالخطر.
خبراء الاقتصاد والتكنولوجيا طرحوا رؤية لمواجهة كل هذه المخاوف وضمان عدم تحول الذكاء الاصطناعى إلى أداة لدهس طموحات البشر.. المتخصصون يرون أن الحل يبدأ من إحداث ثورة شاملة فى منظومة التعليم تركز على صقل المهارات الإنسانية الفريدة مثل التفكير النقدى والذكاء العاطفى والقدرة على توجيه الآلة بدلا من منافستها، والأهم هو فرض الحكومات لآليات حوكمة وتشريعات صارمة تحمى الملكية الفكرية وتمنع احتكار الثروة الرقمية، وصولاً إلى استحداث شبكات أمان اجتماعى وصناديق ممولة من أرباح الطفرة التقنية لإعادة تأهيل العمالة المتضررة، بما يضمن صياغة عقد اجتماعى جديد يجعل التكنولوجيا وسيلة لرفع جودة حياة الإنسان لا لإقصائه.
إن الرهان الحقيقى فى معركة الذكاء الاصطناعى هو توجيهه وفقًا لاحتياجاتنا الوطنية وقيمنا المجتمعية لا بشروط الأباطرة والشركات التى صنعتها وإنما بشروطنا.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







