عصر المعرفة

المؤتمرات العلمية «1»

د.محمد سليم شوشة
د.محمد سليم شوشة


محمد سليم شوشة

المؤتمرات واحدة من أخطر وسائل التواصل والاتصال والترابط بين العقول، ومن شأنها أن تشكّل تيارات رئيسية تنتظم حراك المجتمع فكريا

من الغرائب والطرائف أن يصل مجتمع إلى المرحلة التى يحتاج فيها إثبات البديهيات وتأكيدها، فلن تختلف أمة على أهمية المؤتمرات العلمية وخطورتها فى تقرير مستقبل الأمم ومواجهة التحديات العلمية، المؤتمرات العلمية لها عدد من الصفات أبرزها أنها تبحث عن أفكار جديدة، تقارب تحديات راهنة بحثا عن تصورات علمية عميقة لمواجهة هذه التحديات، فهى نابعة من شواغل بحثية ضاغطة بقوة على العصب الأكاديمى وأحيانا النخبوى والمجتمعى كله. 
فضلا عن كونها تعمل على تنسيق أفكار المجتمعات الأكاديمية والبحثية، ومن ثم تنسيق العقل الجمعى بصفة عامة فى المجتمع فى حقب ومراحل تاريخية تكون فيها المجتمعات الأكاديمية بحاجة لامتلاك تصور جمعى واضح، أو يكون المجتمع كله بحاجة لشكل من أشكال الإجماع أو التفاهم. وهكذا فالمؤتمرات واحدة من أخطر وسائل التواصل والاتصال والترابط بين العقول، ومن شأنها أن تشكّل تيارات رئيسية تنتظم حراك المجتمع فكريا. أى أنها تصنع نزعات وتوجهات عملية وبحثية تكون مهمة وعاجلة وتحتاج لجهود جماعية، فعلى سبيل المثال يتم تنظيم مؤتمرات مثلا عن الخلايا الجذعية لكونها تمثل حلا جذريا لكثير من القضايا الصحية، مؤتمر عن الجينوم لأنه يشكل مساحة من الحلول والآفاق المستقبلية التى لا يمكن للمجتمع أن يتأخر فيها، أيضا مؤتمرات عن الذكاء الاصطناعى لاستكشاف أبعاده المختلفة وتحديات توظيفه أو تبعاته فى المجالات العلمية والتخصصات المختلفة، وهكذا. فتتشكل عن هذه المؤتمرات تيارات ونزعات بحثية معينة تقود الحياة العلمية لفترات طويلة، فتكون الجهود منتظمة وغير متعارضة وتمضى فى حال من التوافق والتعددية، أى تنظيم الاختلافات والتصورات المتعددة لتشكيل توافق أكاديمى. وهكذا تتعاضد وتتكامل الأبحاث والدراسات والكتب.
ما يحدث فى أرض الواقع يبدو بعيدا تماما عن هذا والأسباب ليست مجهولة كما قد يتخيل البعض أنى سأتهرب من التحديد، السبب الرئيسى لفشل غالبية المؤتمرات  وأنها لا تمضى بهذا التصور المثالى هو أن بعض الجامعات لا تفهم إدارة المؤتمرات، تدير مرافق وعملية تعليمية لكنهم لا يديرون البحث العلمى. ويتجلى ذلك فى ظاهرة واضحة ومحددة تماما وهى أن هذه  الجامعات لا تضع اعتمادات مالية للمؤتمرات، فإذا طرحت عليها الكليات مقترحات أو تصورات لمؤتمرات عملية يقولون لهم على أن يكون التمويل ذاتيا، طيب ولماذا لا تدير الجامعة نفسها مسألة التمويل الذاتى وهى الأشمل تصورا والأكثر إحاطة بالتفاصيل والقرارات؟ ليس عندى مشكلة فى فكرة التمويل الذاتى، وإن كان الأمر أيضا ينطوى على نكتة، لأن سياسة الترشيد يجب أن تطال أى شىء إلا البحث العلمى، يجب أن تمس المصروفات اليومية أو المرافق أو أى شىء، لكن لا تمتد إلى المهام الجوهرية للجامعات، طيب ما الذى يكشف أن غياب الدعم المالى يؤدى لفساد المؤتمرات العملية وانهيار البحث؟ 
إن الكليات فى هذه الحالة تجعل المشاركة فى المؤتمر مدفوعة التكلفة على الباحثين، أى أن الباحث الذى يريد أن ينشر بحثا يدفع  تكلفة مشاركته فى المؤتمر سواء كان ذلك من أجل نشر البحث للترقية أو المشاركة بدون بحث من أجل الحصول على شهادة مشاركة تفيده أيضا فى تقييم النشاط أو الجودة. 
طيب، والمشكلة فى أن يدفع الباحثون المشاركون تكلفة مشاركتهم؟ المشكلة أن هذه المؤتمرات بهذا الشكل تصبح عشوائية ولن يشاركها فيها إلا باحثون منعدمو التميز لا يجدون أمامهم أى فرصة للنشر إلا أن يدفعوا، وبدلا من أن يتقاضى الباحثون مقابلا لنشر أبحاثهم وإسهاماتهم العلمية كما هو حاصل فى كل مكان فى العالم تجد أن الباحث هو الذى يشترى حضوره ومشاركتهم ونشر بحثه الضعيف غالبا مقابل مبلغ ليس بالقليل، فهو فى أقل الأحوال يكون قرابة 2000  جنيه للمصرى، و200 دولار للأجنبى، هذا الأمر يحوّل المؤتمرات إلى ممارسة شكلية وفى الغالب مهما كانت هناك انتقائية تضطر بعض المؤسسات قبول أبحاث متوسطة وضعيفة حتى تكمل نصاب المشاركة ويمر المؤتمر على خير، وبدلا من استقطاب الأبحاث المتميزة بإتاحة خدمة معينة تقدمها المؤسسات للباحثين فإنها تستهدف جمع المال حتى ولو كان لتغطية التكلفة فقط. هنا يجب السؤال: وهل تكلفة المؤتمرات كبيرة إلى هذا الحد الذى يجعل المؤسسات الأكاديمية باختلاف أنواعها تتهرب وتتخفف منها؟ الحقيقة أن الأمر قد يبدو أهون مما يتخيل معظم البشر، فأحيانا قد لا يحتاج الباحث أكثر من مجرد الإعاشة فى فندق غالبا تمتلكه الجامعة ونشر البحث مجانا وبخاصة وأن النشر إلكترونى، أى أنها حينها ستتكفل الإعاشة والتنظيم وتحكيم البحوث، وهى حسبة ضئيلة، ومن هنا يجب محاسبة كثير من الجامعات عن دعمها للبحث العلمى والمؤتمرات فى مجلس الشعب. وللحديث بقية.