الغربية: ماجدة شلبى
لم تكن الزيوت التي تلمع داخل العبوات المعدنية مجرد سائل يُستخدم في الطهي بل أحيانًا تكون بمثابة وجبة مرض صامتة تتسلل إلى موائد البسطاء دون أن يشعروا.
وراء الأسعار الرخيصة والعروض الوهمية، كانت هناك مصانع (بير سلم) تعمل في الظلام تديرها أيادى لا تعرف الرحمة ولا ترى في المواطن سوى رقم يمكن استغلاله لتحقيق أرباح سريعة حتى لو كان الثمن صحة طفل أو حياة أسرة كاملة، لكن لم يغب هذا لحظة واحدة عن أعين الأجهزة الأمنية.
في محافظة الغربية لم تعد حملات مباحث التموين مجرد جولات تفتيش عادية بل هي معركة حقيقية تُخاض يوميًا ضد تجار الغش والموت البطيء.
ومع توالي الضربات الرقابية خلال الأسابيع الأخيرة بدأت تتكشف ملامح كارثة غذائية خطيرة؛ بعدما نجحت الأجهزة الأمنية والرقابية في إحباط ترويج نحو 42.5 طنًا من الزيوت والمسلى المغشوشة ومجهولة المصدر إلى جانب التحفظ على عشرات الآلاف من العبوات المقلدة التي كانت في طريقها للوصول إلى الأسواق وبيوت المواطنين.
القصة بدأت من مركز قطور؛ حيث تحركت شرطة التموين والتجارة الداخلية بالتنسيق مع الجهات الرقابية بعد ورود معلومات عن نشاط مشبوه داخل مصنع غير مرخص.
في الخارج بدا المكان هادئًا لكن خلف الأبواب المعدنية القديمة كانت تُرتكب جريمة مكتملة الأركان، بمجرد اقتحام المصنع ظهرت الحقيقة الصادمة.
روائح خانقة تملأ المكان.. براميل صدئة.. أرضيات ملوثة.. وعمال يتحركون وسط بيئة لا تصلح حتى لتخزين المخلفات بينما تُعبأ المواد الغذائية وكأنها منتجات آمنة وصالحة للاستهلاك.
داخل المصنع ضبطت القوات 14 طنًا من المسلى المعبأة داخل عبوات تحمل بيانات وهمية دون أي تواريخ إنتاج أو صلاحية بالإضافة إلى 5 أطنان من زيت النخيل الفاسد والمتغير في خواصه الطبيعية والذي ثبت عدم صلاحيته للاستهلاك الآدمي.
كما عثرت الحملة على 3500 عبوة معدنية فارغة معدة لتعبئة المنتجات المغشوشة إلى جانب خط إنتاج كامل يضم ماكينتي تعبئة تستخدمان في عمليات التصنيع غير القانونية، لكن الصدمة الكبرى كانت أن هذه الواقعة لم تكن الوحيدة.
فالضربات التموينية المتتالية كشفت وجود شبكة واسعة من مصانع (بير السلم) والمخازن غير المرخصة التي تعمل في الخفاء داخل عدد من مراكز الغربية لإعادة تدوير الزيوت الفاسدة وتعبئتها داخل عبوات تشبه المنتجات الأصلية تمهيدًا لطرحها بالأسواق.
وفي إحدى الحملات بمدينة طنطا تمكنت الأجهزة الرقابية من ضبط مصنع غير مرخص يحتوي على 16 طنًا من زيوت الطعام مجهولة المصدر كانت مخزنة داخل تنكات ضخمة تمهيدًا لإعادة تعبئتها ووضع علامات تجارية شهيرة عليها لخداع المواطنين.
كما تم التحفظ على 43 ألفًا و900 عبوة فارغة و5 آلاف كرتونة و100 جركن تستخدم في عمليات التغليف والتزييف.

خطورتها
وفي حملات أخرى بمراكز مختلفة تم ضبط 4.1 طن من الزيوت مجهولة المصدر إضافة إلى 1200 عبوة زيت فاسدة تحمل علامات وهمية فضلًا عن 600 لتر زيت و600 كيلو من بودرة الكاكاو والنشا مجهولة الفواتير داخل مخزن غير مرخص.
ومع كل حملة جديدة كان السؤال المؤلم يتكرر:كم أسرة كانت ستشتري هذه المنتجات؟! وكم أم كانت ستطهو بها طعام أطفالها وهي تظن أنها توفر احتياجات بيتها؟! وكم طفل قد يصاب بمرض مزمن بسبب منتج خرج من مصنع لا يعرف شيئًا عن الإنسانية؟!
الأطباء يؤكدون أن أخطار الزيوت الفاسدة لا تتوقف عند التسمم الغذائي فقط بل تمتد إلى أمراض الكبد والكلى والقلب والجهاز الهضمي خاصة عندما تكون المواد المستخدمة متأكسدة أو مجهولة المصدر.
والأخطر أن بعض هذه المنتجات يعاد تدويرها بطرق عشوائية داخل أماكن ملوثة ما يحولها إلى سموم بطيئة تدخل أجساد الناس يومًا بعد يوم.
وسط هذه الحرب اليومية أكد المهندس ناصر العفيفي مدير مديرية التموين بالغربية؛ أن الحملات الرقابية المكثفة مستمرة بشكل يومي بجميع مدن وقرى ومراكز المحافظة تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بإحكام الرقابة على الأسواق والتصدي بكل حسم لكافة أشكال الغش التجاري والتلاعب بقوت المواطنين.
وقال العفيفي: إن الدولة لن تسمح بتحويل صحة المواطنين إلى وسيلة للربح غير المشروع مشيرًا إلى أن أجهزة التموين تعمل ليلًا ونهارًا لضبط الأسواق ومنع وصول أي منتجات مجهولة أو فاسدة إلى المستهلك.
وأضاف؛ أن ما ضبط خلال الفترة الأخيرة يكشف حجم الجشع الذي وصل إليه بعض المخالفين الذين لا يترددون في بيع المرض للمواطنين مقابل المال.
وأوضح أن الحملات التموينية لا تستهدف فقط تحرير المحاضر أو غلق المنشآت المخالفة بل تهدف بالأساس إلى حماية المواطن البسيط الذي قد لا يستطيع التفرقة بين المنتج السليم والمغشوش خاصة في ظل تقليد العلامات التجارية الشهيرة بشكل يصعب اكتشافه.
ومن جانبه قال الدكتور أسامة بلبل وكيل وزارة الصحة بالغربية: إن الغش الغذائي يمثل خطرًا داهمًا على الصحة العامة مؤكدًا أن المنتجات مجهولة المصدر قد تتسبب في أمراض خطيرة ومضاعفات صحية قد تهدد حياة المواطنين خصوصًا الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
وأضاف بلبل؛ أن مديرية الصحة تشارك باستمرار في الحملات المشتركة بالتنسيق مع التموين وهيئة سلامة الغذاء لرصد أي مخالفات تتعلق بسلامة المنتجات الغذائية مؤكدًا أن الحفاظ على صحة المواطن مسئولية وطنية لا تقبل التهاون.
وأشار إلى أن أخطر ما في جرائم الغش الغذائي أنها تُرتكب بعيدًا عن أعين الناس بينما تظهر آثارها لاحقًا داخل المستشفيات وعلى أجساد المرضى حيث قد تعاني أسر كاملة من أمراض لا تعرف أن سببها الحقيقي كان زيتًا فاسدًا أو منتجًا مجهول المصدر.
أما المهندسة حنان عامر رئيس هيئة سلامة الغذاء بالغربية فأكدت؛ أن الهيئة تكثف حملاتها الرقابية يوميًا بالتعاون مع مختلف الجهات التنفيذية والأمنية لمتابعة الأسواق والمنشآت الغذائية والتأكد من مطابقة المنتجات للاشتراطات الصحية.
وقالت إن مصانع (بير السلم) تمثل خطرًا حقيقيًا على المجتمع لأنها تعمل دون أي رقابة أو التزام بمعايير سلامة الغذاء مشيرة إلى أن الهيئة تتعامل بمنتهى الحزم مع أي منشأة مخالفة تهدد صحة المواطنين.
وأضافت أن الحملات الرقابية امتدت إلى المدن والقرى والنجوع لضمان وصول غذاء آمن لكل مواطن مؤكدة أن الدولة تبذل جهودًا ضخمة للقضاء على كافة صور الغش التجاري والتدليس الغذائي.

داخل مصانع بير السلم
المشهد داخل تلك المصانع كان كفيلًا بكشف حجم الكارثة.
عمال يخلطون الزيوت داخل أوعية ملوثة عبوات مزيفة تحمل أسماء شهيرة خطوط إنتاج بدائية وروائح فساد تخنق المكان.
كل شيء كان جاهزًا لخداع المواطن البسيط الذي قد يشتري المنتج لأنه الأرخص دون أن يعرف أنه يحمل المرض إلى أطفاله بيده.
وفي الوقت الذي كانت فيه القوات تتحفظ على الأطنان المضبوطة كانت هناك أمهات في البيوت يعدن الطعام لأطفالهن غير مدركات أن هناك من كان يستعد لبيع السم لهن داخل عبوات أنيقة تحمل أسماء مزيفة، لولا يقظة الأجهزة الأمنية والرقابية التي وقفت حائط صد ضد هذه الجريمة.
الغش الغذائي ليس مجرد مخالفة قانونية بل جريمة إنسانية مكتملة الأركان، جريمة قد تبدأ داخل مصنع مظلم لكنها تنتهي داخل غرفة عناية مركزة أو فوق سرير مريض لا يعرف أن سبب ألمه كان وجبة ملوثة.
وقد أسفرت الحملات عن غلق وتشميع كافة المصانع والمخازن غير المرخصة المضبوطة والتحفظ على جميع المضبوطات تحت تصرف النيابة العامة فيما حررت المحاضر اللازمة وأحيل المتهمون للتحقيق بتهم الغش التجاري والتدليس وتعريض حياة المواطنين للخطر.
ورغم قسوة ما كشفته الحملات إلا أنها أكدت في الوقت نفسه يقظة الدولة وإصرارها على حماية المواطن من جشع بعض التجار.
فهناك رجال يخوضون معركة يومية في الشوارع والمصانع والمخازن لمنع وصول الموت البطيء إلى موائد الناس، وضبط كل من يتاجر في الطعام وكأنه يتاجر في أرواح البشر.
اقرأ أيضا: مباحث التموين تُحبط ترويج 11 طن زيت مغشوش في الشرقية
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







