بطل إلى النهاية .. «وحيد» ضحى بعمره لإنقاذ طفلة

شهيد الشهامة
شهيد الشهامة


المنوفية :‭  ‬إيمان‭ ‬البلطى‭ ‬

في مشهد إنساني مؤلم، تحوّل الشاب وحيد عبدالعزيز صقر، ابن عزبة الدبايبة التابعة لمركز بركة السبع بمحافظة المنوفية، إلى بطل حقيقي، بعدما ضحى بحياته لإنقاذ طالبة، كانت تقف بين قضبان السكة الحديد، قبل وصول القطار بلحظات

كاميرات المراقبة التقطت لحظة رحيله، تلك اللحظة التي ستظل عالقة في أذهان أسرته مهما طال الزمن، والأكيد، أنها ستظل محفورة في عقل كل من شاهد مقطع الفيديو، ليعي الكل ويعرف، أن هناك بطلا ضحى بحياته من أجل فتاة لا يعرفها، في مشهد يجسد أسمى معاني التضحية، وأي تضحية، التضحية بالنفس.. تفاصيل أكثر في السطور التالية

وحيد، البالغ من العمر 37 عامًا، لم يتردد للحظة عندما شاهد الفتاة أمام القطار، فقفز سريعًا من التوك توك الذي يقوده دون أن ينتظر حتى يتوقف، وألقى بنفسه محاولًا إنقاذها، غير مدرك أن تلك ستكون لحظاته الأخيرة في الدنيا، بعدما دهسه القطار ليفارق الحياة في الحال، تاركًا خلفه ثلاثة أطفال، أكبرهم لم يتجاوز السادسة من عمره، بينما أصغرهم رضيعة لم تكمل العام الثاني.

بطل بالفطرة

لم تكن تلك البطولة الأولى في حياة وحيد، فبحسب أسرته، عُرف منذ صغره بالشجاعة وتحمل المسئولية، رغم أنه الابن الذكر الوحيد بين خمس شقيقات.

روت أسرته أنه في المرحلة الابتدائية شاهد أحد زملائه يغرق، فحاول إنقاذه مستخدمًا جذع شجرة موز مقطوع، بينما فرّ باقي الأطفال خوفًا، وظل يصرخ ويستنجد بالمزارعين حتى تجمعوا للبحث عن الطفل الغريق.

كما تكرر المشهد البطولي معه خلال عمله في المملكة العربية السعودية، حين كان يعمل سائقًا، وشاهد حريقًا يشتعل داخل أتوبيس مدرسي بإحدى محطات الوقود، فترك عمله مسرعًا، وتمكن من إنقاذ الطلاب والسيطرة على الحريق، ليتم تكريمه هناك تقديرًا لشهامته.

وفي حديث لـ"أخبار الحوادث"، قالت آمال، شقيقة الضحية، إن وحيد كان السند الحقيقي للعائلة بعد وفاة والدنا منذ 13 عامًا، خاصة أن والدتنا تجاوز عمرها السبعين عامًا، وتعاني من مرض السرطان.

وأضافت:“وحيد أخويا الوحيد وسط 5 بنات، وكان طيب مع الكل، دايمًا يسأل علينا ويقف جنبنا، وكان بالنسبة لنا العكاز والسند بعد وفاة والدي”. 

وكشفت شقيقته تفاصيل يوم الحادث، موضحة أن شقيقها كان يعمل سائق نقل درجة أولى بإحدى الشركات الخاصة، حيث يتولى نقل العمال، وفي أوقات فراغه يعمل على “التوك توك” لتوفير احتياجات أسرته.

وقالت وحيد اعتاد يوميًا الاطمئنان على والدته قبل خروجه، وتوصيل أطفاله إلى المدرسة والحضانة، ثم يترك طفلته الرضيعة لدى حماته حتى يعود من عمله.

لكن في يوم الحادث، خرج قبل موعده المعتاد بساعة، ولم يدخل إلى غرفة والدته ليقبل رأسها كعادته، بل اكتفى بإلقاء السلام عليها من بعيد ثم غادر المنزل.

اللحظات الأخيرة

وأوضحت الأسرة أن كاميرات المراقبة رصدت لحظة بطولة "وحيد" الأخيرة، حيث ظهر وهو يمر بجوار شريط السكة الحديد، قبل أن يلاحظ فتاة تقف بين القضبان والقطار يقترب بسرعة.

وفي ثوانٍ معدودة، ترك التوك توك وقفز مسرعًا نحوها دون أن يفكر في مصيره أو أطفاله أو والدته المريضة، محاولًا إنقاذها من الموت، إلا أن القطار دهسهما، ليلقى مصرعه في الحال، بينما نُقلت الفتاة إلى المستشفى قبل أن تفارق الحياة بعد ساعات متأثرة بإصابتها البالغة.

ورغم أنه لم يكن يعرف الفتاة، فإن شهامته وإنسانيته دفعاه للتضحية بنفسه من أجل إنقاذها.

وأكدت شقيقته أن البطولة لم تكن موقفًا عابرًا في حياة وحيد، بل كانت صفة ملازمة له في كل مراحل عمره.

فخلال عمله في موسم الحج بالسعودية كسائق أتوبيس، فوجئ باشتعال النيران في أتوبيس مدرسي داخل محطة وقود، فترك أتوبيسه، وأنقذ الطلاب، وتمكن بمفرده من إطفاء الحريق، ليحصل بعدها على تكريم رسمي تقديرًا لشجاعته.

وأضافت أنه حتى في طفولته كان يسارع دائمًا لإنقاذ الآخرين، مؤكدة أنه كان يربي نجله “إياد” على نفس قيم الشهامة والشجاعة التي تربى عليها.

وبصوت يملؤه الألم، روت "آمال" اللحظات التي علمت خلالها بخبر وفاة شقيقها، قائلة: إنها كانت تجلس تحتسي الشاي بعد خروج زوجها للعمل، وفتحت هاتفها لتقرأ خبرًا عن وفاة شاب دهسًا تحت عجلات القطار أثناء إنقاذ فتاة بمزلقان بركة السبع.

وأضافت:“دعيت للشاب بالرحمة وقلت إن شاء الله شهيد، وبعدها بدقائق لقيت أختي بتصرخ في التليفون وبتقولي وحيد مات، وقتها عرفت إن الخبر عن أخويا”.

شهيد الشهامة

وأشارت شقيقته إلى أنها أسرعت نحو المزلقان، لكن سيارة الإسعاف كانت قد نقلت الجثمان إلى المستشفى، وهناك وجدت أقاربها أمام المشرحة يتلقون العزاء في أصعب لحظات مرت بها الأسرة.

وكشفت الأسرة أن أهل الطالبة، وتدعى “عايدة”، وهي طالبة بالصف الأول الثانوي من قرية مصطاي التابعة لمركز قويسنا، حضروا إلى منزلهم في اليوم الثالث للعزاء، رغم حزنهم الشديد على وفاة ابنتهم، لتقديم واجب العزاء وشكر والدة وحيد على ما فعله ابنها لإنقاذها.

وكانت الطالبة قد ذهبت إلى مدينة بركة السبع لتلقي الدروس، قبل أن يقع الحادث المأساوي، حيث حاول وحيد إنقاذها، إلا أن القدر لم يمهلهما، إذ توفي هو في الحال، بينما فارقت الفتاة الحياة داخل المستشفى متأثرة بإصابات بالغة بعد فشل محاولات إسعافها، والتي تضمنت بتر ذراعها نتيجة قوة الحادث. 

وفي ختام حديثها، طالبت أسرة البطل بإطلاق اسم وحيد عبدالعزيز على المزلقان أو الشارع الذي شهد الحادث، تخليدًا لذكراه وتقديرًا لبطولته، وحتى يبقى فخرًا لأطفاله الصغار الذين يعيشون صدمة فقدان والدهم بهذه الطريقة المأساوية.

وأكدت الأسرة أن وحيد رحل بطلًا، بعدما ضحى بحياته لإنقاذ إنسانة لا يعرفها، ليترك خلفه سيرة ستظل شاهدة على معنى الشهامة والإنسانية.

اقرأ  أيضا: محافظ المنوفية يلتقي أسرة الشاب وحيد متولي "شهيد الشهامة" 

;