يجب تذكّره

نجيب المانع.. حياته وآثاره: مثقف موسوعى

نجيب المانع.. حياته وآثاره:
نجيب المانع.. حياته وآثاره:


محمد عبد الرحيم

يواصل الباحث والكاتب السعودى محمد بن عبد الله السيف التنقيب، وربما محاولة إعادة الاعتبار لتذكّر دور الكاتب والمثقف نجيب عبد الرحمن المانع (1926 ــ 1991)، بداية من تنقيح ومراجعة دقيقة لمذكرات نجيب المانع نفسه، ذلك فى كتاب (نجيب المانع.. ذكريات عُمر أكلته الحروف)، ثم مواصلة الرحلة من خلال هذا الكتاب الذى عنونه السيف بـ «نجيب المانع.. حياته وآثاره»، وهو سفر ضخم يجاوز السبعمائة صفحة من القطع الكبير، والصادر كما سابقه عن دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع.

فى مقدمته للكتاب يوضح محمد السيف منهجه أو خطته البحثية، بداية من عدم معرفة الرجل، ووصولاً لإصدار كتابين عنه، ليبدو الأمر أقرب إلى محاولة اكتشاف المجهول، ذلك من خلال جمع المقالات والكتابات والترجمات التى قام بها الرجل، إضافة إلى إجراء المقابلات والاتصالات الهاتفية لكل مَن كان له صِلة أو علاقة مع نجيب المانع. فيذكر قائلاً: «ضم هذا الكتاب ما اطلعت عليه وقرأته مما كتبه نجيب المانع فى عدد من المجلات والصحف، وتتبعت مسار حياته من مولده فى الزبير إلى بغداد مروراً بالبصرة، التى درس فيها تعليمه العام، ثم عمله فى العراق ثم بيروت، وانتهاءً بمرحلته اللندنية، حينما قرر بطوعه واختياره الاستقرار فى لندن، التى شهدت فترة من أجمل فترات عُمره فى الكتابة الصحافية وفى ترجمة عدد من الكتب والمذكرات السياسية».

أما آثار الرجل الفكرية والإبداعية، فحددها السيف عبر فصول الكتاب، والتى جاءت عناوينها كالتالي: من حصاد بغداد، لندن 87/ 88، أعمال 1989، لندن 1990، المقالات الأخيرة 1991. ويختتم السيف مقدمته بهذه العبارات: «يأتى نشر هذه الآثار الأدبية لنجيب المانع وفاءً له وتذكيراً به لدى أجيال ثقافية عربية لم تُتح لها الفرصة للاطلاع على إبداعاته وشيء من سيرته وحياته، وهى حياة ثقافية حافلة بالكثير والكثير...».

التأبين وتناقضاته
يستعرض السيف فى فصل الكتاب الأول ــ بعد السيرة المختصرة للرجل فى تسلسل تاريخى منضبط ــ كلمات وعبارات ورسائل التأبين، وكذا العديد من لقاءات دارت حول الرجل ودوره فى الثقافة العربية. إلا أن الكاتب يحاول فى حِس نقدى تتبع المتناقضات بين خطابات التأبين وما دار فى مذكرات أصحابها ــ بخلاف مجاملات الرثاء المعهودة ــ وربما هو أهم ما جاء فى هذا الفصل، ليوضح بدوره طبيعة المثقف العربي، ووجهة نظره إلى الآخرين من رفاق الثقافة، من حيث فكرة ادعاء البطولة، ومدى زيف السّير الذاتية العربية وتناقض أصحابها، ومحاولة تصدير الصورة التى يحب أصحابها أن ترسخ فى أذهان الآخرين، بغض النظر عن حقيقة هذه الشخصية أو تلك.

نجيب المانع.. عشر سنوات من العزلة

هو عنوان المقال المطوّل الذى كتبه الكاتب المصرى (أحمد عباس صالح)، فيقول: «عرفت نجيب المانع معرفة شخصية منذ عهد قريب، وجاورته فى غرفة واحدة فى مبنى جريدة (الشرق الأوسط) فى لندن لمدة عام تقريباً... مَن ذا الذى يعرف ما يدور فى ذهن رجل مثقف ثقافة واسعة يعيش فى عالمين منفصلين، عالمه العربى بكل نقائصه ومتاعبه، والعالم الغربى المتقدم... نجيب المانع كان لآخر لحظة يفكر فى الإصلاح، ويكتب بحرارة لأنه كان يريد أن يساعد قومه على الفهم وعلى التقدم، وكان فخوراً بلغته وحريصاً عليها وشديد الاهتمام بها».
أما فى سيرة عباس صالح، والتى عنونها بـ (عُمْر فى العاصفة)، فيقول: «وكان يجلس معى فى غرفة واحدة فى جريدة الشرق الأوسط زميل عراقى هو نجيب المانع. كان كاتباً جيداً ومُترجماً ممتازاً... كان مولعاً بالعالم الغربى حد الوله، وكنت أحاول تنبيهه إلى أن الولع بالثقافة الغربية شيء وبالمجتمع الغربى شيء آخر... كان يظن أن موظف البنك سيشاركه حب موزار، وأن الشابة أو الشاب البريطانى الذى يتعامل معه سوف يحترمه ويقدّره لأنه يتكلم الإنجليزية بشكل جيد... وكانت مهمتى طول الوقت هو أن أخفف عنه».

وبدوره يكشف السيف عن هذا التناقض فى كلام عباس صالح، ففى مقال الرثاء يرى صالح فى المانع أنه يكتب فى الإصلاح ويريد مساعدة قومه على الفهم والتقدم. أما فى المذكرات فيكون الرجل مولعاً بالعالم الغربى والثقافة الغربية حد (الوله)، ومحبطاً حد الاكتئاب لأن شاباً إنجليزياً لم يقدم له الاحترام الكافي، رغم إجادته للغة الإنجليزية. كما كانت مهمة عباس صالح هى التخفيف من آثار الصدمة الحضارية التى كان يعيشها نجيب المانع!

أوهام توما شاماني

موقف آخر يذكره السيف، والذى يعد أكثر سخرية، وهو ما كتبه (توما شاماني) أحد زملاء المانع فى المرحلة الثانوية فى البصرة، والذى كان آخر لقاء له به عام 1972. ثم كتب شامانى مقاله المعنون بـ(نجيب المانع نجم لمع فى زمن حرج) موقع معكم فى 2/5/2008. وذكر شامانى أن مقالات وآراء المانع فى جريدة الشرق الأوسط كانت تقابل بحالة من العُصاب الذى يحمله أكثر الكُتّاب والقرّاء، خاصة السعوديين منهم، مما كان يحدث حرجاً للجريدة. وينتقد السيف هذا الرأى مقارنة بمكانة المانع فى الجريدة، إضافة إلى حفل التأبين الكبير الذى أقامته الجريدة للمانع. إلا أن الأهم هو ما كان يكتبه نجيب المانع نفسه، فكان يكتب فى الثقافة والفنون، ولم يكن كاتباً فى الشأن العام والسياسة، أو فى نقد الإسلاميين مثلاً. أما المفارقة الساخرة التى يذكرها شامانى بأنه استند إلى رساله من أحد القرّاء وصف المانع صاحبها بـ (الصعلوك) ــ كرد فعل من الرجل على الرسالةــ  إلا أن الذى يجهله شامانى أن المانع نفسه هو كاتب الرسالة، ونشرها موهماً القرّاء بأنها وصلته ضمن البريد، وهو ما وضحه بعد ذلك، وذكره فى كتابه (ذكريات عُمر أكلته الحروف)!!

موضوعات ورؤى
وبمطالعة الدراسات والمقالات التى ضمها الكتاب، ممكن التوقف سريعاً عند بعضها، للكشف عن مدى ثقافة الرجل، وإبداعه السردى فى الكتابة، فالبعض منها كأنه حكاية تامة ومكتملة، لا تستطيع تحديد الوقائع وإن حدثت والخيال الذى يصوغ من خلاله الحكاية، فى حالة من التوافق والتناغم لها أبلغ الأثر على القاريء، الذى يرى تجسيداً للموضوع رغم أفكاره المجرّدة وما يتناوله من قضايا.


نذكر الدراسة الدقيقة والموسوعية عن همنجواي، بعنوان (أرنست همنجواى فنان الفشل البطولي) مجلة الآداب، مارس 1958. و(الحرية والعبودية فى الأفق اللغوي) مجلة مواقف 7 فبراير 1970. وترجمة مقال نقدى بعنوان (نقد سكوت فيتزجيرالد لأمريكا فى رواية جاتسبى العظيم) لماريوس بيولي، نشرته مجلة الأقلام فى أغسطس 1979. مع ملاحظة أن المانع هو أول مَن ترجم (جاتسبى العظيم) ترجمة كاملة إلى العربية.

وكذا (ثورة موتسارت وأميركي) والمنشورة بمجلة الآداب، ديسمبر 1958، والتى دارت بعدما التقى شاباً أمريكياً فى حانة موسيقية فى فيينا واتفقا كثيراً حول مواقف سياسية وفنية. فيقترب فى ختامها بهذه العبارات: «كانت الأنباء قد وردت بأن الأسطول الأمريكى السادس قد نزل فى لبنان، وكان الرأى أن يكون اتجاهه نحو العراق، وقلت إن هذا الرجل الذى لا يُضمر لى حقداً، والذى جمعنى معه أجمل شيء فى الوجود (موتسارت) كان يمكن أن يكون واحداً فى الأسطول السادس، ليحاول إهالة التراب من جديد على الأحداث التى نشرت، ولجمعنى به أقبح شيء فى الوجود.. القتل».

وأيضاً مقال بعنوان (قصص الكتّاب الفلسطينيين) نُشر فى مجلة الآداب، عدد 6 يونيو 1973، تناول مراجعة نقدية لعدد من نصوصهم. يقول فى مقدمته: «فلسطين هى جحيم كل عربى ومطهره وفردوسه. فى طبقات جحيمها يتلوى الكذبة والمهاذير والمتاجرون والذين فقدوا الصلات مع الإنسان العربي، والذين خانوا وغدروا، والذين تهوروا وغامروا، والذين انطووا مع حمقهم وغفلتهم وأطماعهم». فهل تغيّر شيء منذ كتابة المقالة وحتى الآن، إن لم يكن بكثير أسوأ! 

مستقبل العميان
ويعقد المانع حواراً متخيل بين (ماو تسى تونج) و(سقراط)، فى مقال بعنوان (كل ثورة ثقافية ثورة لتعميم الجهل). جريدة الشرق الأوسط 23/11/1987، يقارن بينه وبين كل مخرّف نصّب نفسه حاكماً على التاريخ والتراث والناس. 
"ماو: ليس العالم فى حاجة إلى أسئلة، بل إلى أجوبة، والأجوبة عندنا، إنها جاهزة للتطبيق الفوري، وسوف ترى شعبنا الرائع فى طاعته، النقى من المعارف الضارة، الثابت على الفكرة الواحدة، الذى لا يتساءل ولا يتشكك ولا يتردد، الشعب الذى هو كتلة واحدة ويد واحدة ودماغ واحد. سترى هذا الشعب كيف يقتحم المستقبل.
سقراط: أخشى أنه سيقتحم المستقبل اقتحام العميان لفوهة بركان».

خيالات خادعة
فى مقال بعنوان (انتهت المبارزة الشخصية، فمتى تنتهى المبارزة الجماعية؟) والمنشور فى جريدة الشرق الأوسط 2/11/1987 يبدأ المانع بموت كل من بوشكين وليرمنتوف فى مبارزة، وهو تقليد قديم تم القضاء عليه. ولكن يعود المانع ليجد أن انتهاء هذا التقليد يتخذ الآن شكلاً جديداً، بل وضحايا كُثر، ويتساءل: «مَن يتبارز من الشعوب اليوم؟ ليست الدول الكبرى، فهى تعرف أن دخولها المبارزة مع نظرائها فى التسلح والعدة يعرضها للفناء النووي. المتبارزون اليوم دول صغرى وفئات داخل دول صغرى غالبيتها تحتاج إلى مدرسة أكثر منها إلى مدفع، وإلى مصنع يُشغّل العاطلين يدوم سنوات لا تحصى، بدلاً من طائرة  تُكلف أضعاف قيمة المصنع، وهى قد لا تدوم سوى لحظات حين يصيبها صاروخ». ثم يختتم المقال بعبارات من (هاملت) إذ يقول: «واخجلتاه، إذ أرى الموت الوشيك  يُمسك بخناق عشرين ألف رجل تسوقهم خيالات فتجرّهم وراء شهرة خدّاعة يمضون معها نحو مثواهم الأخير كأنهم يذهبون إلى فراشهم، متصارعين من أجل قطعة أرض ليست من السعة كى تصلح قبراً يوارى المذبوحين».

أم كلثوم
وفى مقاله المنشور فى مجلة الإذاعة والتليفزيون المصرية عام 1975، والمعنونة بـ (أم كلثوم .. الغياب المستحيل والمؤسسة الوجدانية) يقول مستشرفاً: «غير أنى أميل إلى الوثوق بأن تلك الأجيال لن تكون من الجمود بحيث تهدم كاتدرائية رائعة كصوت أم كلثوم، فالكاتدرائيات تحمل اليوم حتى لغير المتدينين إدهاشاً معمارياً... ستظل أغانى أم كلثوم مُعبّرة عن شيء من هذا الذى يبقى من الحب بعد حل استحالاته الاجتماعية والطبقية... وحين نقول إن أم كلثوم كانت فنانة الشعب العربي، فمعنى ذلك أنها من المبدعين الضخام، تعنى كل شيء لكل الناس، مثلما يعنى شكسبير كل شيء لكل الناس، وكما يعنى باخ وموتسارت وبيتهوفن كل شيء لكل الناس». 

إغفاءة سعيدة
ونصل إلى المشهد الأخير لنجيب المانع، والذى يصفه زوج شقيقته، عندما اكتشفوا موته وحيداً بمنزله: «فاجأنى بنومته على الكرسي، كان يضع ساقاً على ساق كعادته، رأسه مائل إلى يسار، وعلى صدره كتاب. يده اليمنى على فخذه الأيمن، ويده اليسرى مرفوعة إلى الأمام قليلاً، وكأنه يهم يتناول سيجارة. انسجام تام بين جسده والصمت يجعل من الموت إغفاءة.. مجرد إغفاءة سعيدة».