يانز نوردالم ترجمة: ياسمين يحيى
تعد رواية توماس مان الشهيرة «الجبل السحري» اليوم أكثر ضرورة من أى وقت مضى، فى هذا الكتاب يسود الغموض والازدواجية، وفيه فكاهة تشبه أسلوب الفنان الألمانى «لوريو»، أما شخصياته الخاملة، فتعلمنا مقاومة أى أخلاق معاصرة تدَّعى الكمال والنزاهة.
تتناول الرواية مرضى الرئة الذين يستلقون ويحبون، يفكرون ويتحدثون، بين خمس وجبات يومية فى مصحتهم الجبلية بمدينة «دافوس» قبيل عام 1914؛ فأى نوع من الكتب هذا الذى ستقحم نفسك فيه؟ إنه كتاب تربوى بأكثر المعانى تشويقًا؛ لأنه غير مثقل بالمعرفة، بل بالأسئلة.
تبنى هذه الرواية الوعى لأنها تقوض التفسيرات الوهمية، وتزرع الشك، وتستعرض ما لم يُفهم بعد بأسلوب تربوى، ومن الناحية الموضوعية تتناول الرواية -من بين أمور أخرى- كافة المفاهيم السياسية الأساسية والتيارات الفكرية التى لا تزال حية حتى اليوم؛ تتناول التصوف فى العصور الوسطى والماسونية، وتناقضات ومآزق الكون، والامتداد اللانهائى، والخلود، كما تتناول البنية المتناغمة للثنائى الغنائى «عايدة» و«راداميس» فى القبر المحصن، وطريقة صنع سموم الثعابين ولحاء أشجار الغابات المطيرة.
تتطرق الرواية أيضًا إلى فيسيولوجيا وقوف شعر الرأس، وعلم فلك الدورة السنوية، أو لغز الانتقال من المادة غير العضوية إلى المادة العضوية، وإلى العلاقة المعقدة بين الحياة والوعى، والأسباب النفسية المكبوتة للأمراض العضوية، ويتخلل الكتاب شك مثير بأن الجسد والروح متواطئان معًا، كما يدور فيها صراع حول ما إذا كان يحق للروح أن تتمرد على الجسد والطبيعة.
كل شيء فى الرواية يذوب ويتحول إلى حوار مثير، فالمناقشات تتسم ببريق بلاغى بشكل يحبس الأنفاس؛ إذ إن هناك شخصين يتصارعان، «ستمبريني» (الليبرالى، والأديب الإيطالى المريض) و«نافتا» (اليسوعى، كاره الليبرالية، المتشدد والسياسى المريض أيضًا) وكلاهما يسعى لبسط نفوذه على المستمع: «هانز كاستورب»، الذى تحولت زيارته القصيرة لـ «دافوس» إلى إقامة أطول بعض الشيء.
لكن وجب التنويه؛ فالقراءة هنا تبدو موضع تساؤل وشك كبيرين، ولو وُضعت لافتات إرشادية بالشكل الصحيح، فستملأ «تحذيرات المحتوى» صفحات كثيرة، لدرجة أن نقد «نافتا» للعلم – بأسلوبه النباش الهرطقي– يعد هو الجزء الأكثر براءة، كما أن النساء لا تظهر أبدًا بصورة جيدة ضمن لوحة الشخصيات الثرية، وكذلك الرجال، بل إننا نستمع باهتمام إلى الحجج التى يسوقها «نافتا» لتبرير التعذيب، لذا فلنكفَّ عن الخلط بين المغامرة الفكرية لمثل هذه القراءات، وبين خطر الانقياد الفعلى لكل ما هو مستهجن ومرفوض!
الشك بدلًا من الصواب
ومن يتتبع خيوط تلك المسارات الموضوعية، سيصل إلى صورة شاملة عن كل ما يمكن أن يثير الاهتمام فى الإنسان وما يحيط به، وذلك كله تحت مبدأ هيكلى للشك، فكل شيء يترابط من خلال الازدواجية، والتلاشى، والإرباك، وهو الأمر الذى يصر عليه «نافتا» تحديدًا فى مواجهة الوضوح الأخلاقى الحاسم لـ «ستمبريني».
ثم يظهر «مينهير بيبيركورن»، ملك القهوة الهولندى المتقاعد فاحش الثراء القادم من جاوة، والمصاب بحمى المناطق الحارة، هذا «بيبيركورن» الذى، بقوة شخصيته وفراسته، يُفرغ كل شيء من محتواه؛ فيسلب بحضوره الطاغى أى مبارزة فلسفية أهميتها وبريقها، وتعد دعواته التى يقدمها بإيماءات عظيمة للانغماس فى الحياة والعالم وعطايا الرب المقدسة والبسيطة، من أكثر الأمور قبولاً وإثارة للتعاطف فى هذا الكتاب.
وهنا يهتم القارئ والبطل بما لا ينتمى إلى عالم التقدم البشرى السليم، وبما لا صلة له بالعمل المنضبط والمفروض من أجل إخاء الشعوب، حيث يسود هنا –رغم المحاربة التربوية لستمبرينى –التعاطف مع كل ما هو قديم وسحيق، مع المعاناة والمرض، ومع الجسد الذى يحتضر، ومع الموت.
وهذا لا يمر دون ترك آثار على الحياة، إذ لا يمكن أن ننسى تلك المقاطع التى تصيغ ذلك فى أوجز العبارات: الحياة تعفن فى جوهرها، الحياة هى احتضار، واحتراق أكسجينى لبروتين الخلايا الحياة، إنها بقاء «الشكل» رغم تغير «المادة»، أما فى القبر، فالأمر يختلف.
ولا يتوقف الكتاب أمام الفكرة الغريبة والموحشة بأن ما نشتهيه هو فى الحقيقة ذلك الجسد الذى يموت بالفعل وهو لا يزال على قيد الحياة.
هذا الكتاب هو سردية التمرد ضد أخلاق الحاضر، التى تدعى النزاهة؛ لكن هذه الأخلاق لا تظهر مع «ستمبريني» فى صورة «رجل قش» يسهل هزيمته، بل فى صورة مدافع مفوه ومثير للإعجاب إلى أبعد حد، ومن يجد فى نفسه اليوم ميلًا لهذا التمرد ضد أخلاق الحاضر، سيجد هنا تشجيعًا على الانفتاح تجاه كل ازدواجية أخلاقية، وكل إنسانية يمكن تصورها، وكل شطط إيروتيكى، فالرغبة هنا لا تحتاج إلى اعتراف سياسى واجتماعى، بل تحتاج إلى الإشباع.
بيد أن هذا الإشباع يتحقق هنا ببطء شديد، فالطريقة التى تتبلور بها العلاقة الجسدية فى هذا الكتاب عبر تطورات بالغة التعقيد وطويلة الأمد وعبر عدم التلامس، قد تبدو جديدة ومثيرة للاهتمام، خاصة لأولئك الذين لم يعودوا يرون فى نشوء مثل هذه العلاقة سوى مسألة توافر اتصال إنترنت كافٍ، أما الطريقة التى يفسر بها «هانز كاستورب» عدم تبادل النظرات مع «كلاوديا شاوشات» كإشارة مشجعة على العلاقة العميقة بينهما، فتذكرنا بشكل مذهل بالطريقة التى يؤوِّل بها الراوى فى رواية «البحث عن الزمن المفقود» كل غياب أو عدم اكتراث من محبوبته ليجعل منه دلالة حاسمة.
الانفجار العظيم للكوميديا
وسيرى القارئ الذى أعاد قراءة الكتاب، أن رواية «الجبل السحري» ترتبط بعلاقات فى تاريخ الفكاهة لم تُقدَّر حقَّ قدرها حتى اليوم، فهل أنقذ «لوريو» فكاهة هذا الكتاب ونقلها إلى واقع ألمانيا الاتحادية؟ يبدو أن اللحظات الأيقونية فى نتاج «لوريو» الكوميدى تجد جذورها فى عالم «مينهير بيبيركورن»، فالنزعة الضخمة فى إيماءات الهولندى الآسرة، التى تُسكت الآخرين، قد انكمشت لتصبح تلك الإشارة القاطعة: «لا، لا تقل شيئًا الآن»، فى مشهد المطعم الشهير مع «المعكرونة».
وفى رسم الشخصيات والمشاهد فى «الجبل السحري» يظهر الكثير، وكأنه «الانفجار العظيم» لفكاهة القرن البرجوازية الألمانية، فمثلًا الدكتور «كروكوفسكي»، الذى يلقى محاضراته فى المصحة حول «الحب المكبوت» كقوة مسببة للأمراض، وهو يرتدى صندل الرهبان فوق جوارب صوفية رمادية، فيُثير لدى مستمعيه المرضى حماسةً تكشف عنها وجوه محمرّة بشراهة، أو الطريقة التى ينتبه بها «ستمبريني» -فى ذروة خطابية- إلى أن سحقه للخصم لا يتناسب مع قطعة الـ«كعك»، التى لا يزال يمسكها فى يده المرفوعة، فيفضل إعادتها إلى الطبق بدلًا من قضمها فور تحقيق النصر.
آثار تمتد إلى دوستويفسكي
إن فصل «حديث المائدة»، التى يترأسها «بيبيركورن» آمراً ورافضًا ومسيطرًا، تعد واحدة من أكثر المشاهد فكاهة فى الأدب العالمي؛ فهى سيمفونية من الشرب واللعب والطعام، ومن الانفلات المستمر فى أقوال وأفعال المشاركين والمشاركات، يتخللها فتور وتباطؤ فى مراحل بينية، وتزداد حدتها سُكرًا مع الوقت.
ونجد عند دوستويفسكى مقاطع مماثلة تثير ضحكًا تُذرف له الدموع، كما فى رواية «الشياطين» (الجزء الثانى، الفصل الخامس)، حيث يجعل «المجذوب» الزوار من المؤمنين فى حالة من التوتر القصوى والقلق الشديد بتوجيهاته وتكليفاته الشاذة وتصريحاته غير المفهومة تمامًا.
أما فيما يتعلق بالموسيقى، فنجد ستمبرينى لا يثق بالموسيقى؛ بل يحاربها بوصفها مشبوهة سياسيًا، نعم، فى الواقع من ينغمس فى عالم الأنغام يخرج -ولو مؤقتًا- من إطار الأخلاق السياسية، وينسحب من الحياة الفاعلة، ومن المسؤولية، ومن التقدم، وحتى فى المسألة التى عادت لتُطرح بقوة حديثًا، وهى علاقة الفن بالأخلاق، لدى هذا الكتاب الكثير ليقوله، وكذلك عن التهيج والبلادة، وهما علامتان من علامات أزمة ما قبل الحرب، كما تظهران فى نهاية هذا الكتاب ذى الألف صفحة، وبالإضافة إلى كل ما سبق، فلا يزال هناك أسباب كثيرة تدعو إلى العودة من جديد إلى «الجبل السحري».
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة
نجوجى وا ثيونجو والخيال المناهض للاستعمار







