فى مديح إعادة القراءة

كاثى وانج
كاثى وانج


كاثى وانج ترجمة: د.محمد غنيم

كنت أعتقد فى الماضى أن كل من يقرأ الكتب يعيد قراءتها أيضًا. فوجئت عندما أصبحت كاتبة أن أكتشفت أن هناك الكثير من عشاق القراءة الذين بمجرد أن ينتهوا من كتابٍ ما، لا يعودون إليه مرة أخرى، بقطع النظر عن مدى حبهم له. لا أعتقد أن هؤلاء الأشخاص مخطئون -فوقتنا محدود، وهناك دائمًا كتب جديدة تنتظرنا- ومع ذلك، لا يسعنى إلا أن أشعر أنهم يفوّتون على أنفسهم متعةً عظيمة من متع الحياة، وهى أن تمسك بكتاب تعرف مسبقًا، من تجربتك الشخصية والسابقة، أنك ستحبه.
لقد بدأت عادة إعادة القراءة لديّ فى طفولتي. لم أترعرع فى منزل مليء بالكتب، فوالداى كانا يعملان نهارًا ويشاهدان التلفزيون ليلًا. بضع مرات فى السنة، كان والدى يقرر فجأة ممارسة لغته الإنجليزية، فيحضر معه رواية من «برايس كلوب» أو «بوكس إنك». اعتدت على قراءة هذه الكتب، ثم نظرًا لندرة الخيارات المتاحة فى المنزل، كنت أختار كتبى المفضلة وأعيد قراءتها مرارًا.
كانت هذه الروايات المفضلة غالبًا لمؤلفين معاصرين فى ذلك الوقت، مثل جون أبدايك وتوم وولف وآن تايلر وجون إيرفينغ. تدور أحداثها فى العصر الحديث، وتتميز بأحداث سريعة الإيقاع، ورغم أن كل رواية كانت جادة نسبيًا، إلا أن هناك لحظات أضحكتني. والأهم من ذلك، أن ما جمع هذه الروايات هو شخصياتها الحيّة –مثل ماكون ليري، ورابيت أنجستروم- ومع قراءتها مرارًا وتكرارًا، ترسخت فى ذهنى شخصيات لا تقل نضجًا حضورًا أو اكتمالًا عن الأشخاص الحقيقيين فى حياتي.
الكتاب الذى يُمكن إعادة قراءته نوع خاص من الكتب. كمؤلف، تتعلم أدوات معينة تُبقى القراء مُتحمسين لقراءة صفحاته، نهايات مُشوقة وألغاز تنتظر الحل. يُمكنك وضع جريمة قتل على الصفحة الأولى ثم تُخبر القارئ أن عليه مُواصلة القراءة إذا أراد معرفة من ارتكبها ولماذا. ولكن هناك كتب معينة حتى لو حللتَ جريمة القتل، وحتى لو كنتَ تعرف مُسبقًا كيف ستنتهي، فلا تمانع فى قراءتها مُجددًا لأن المتعة فيها لا تكمن فى النهاية، بل فى الرحلة (مع أن النهاية يجب أن تكون رائعة أيضًا -وهذا درس آخر تعلمته كروائية- فإذا أخفقت فى صنع نهاية مُرضية، فللأسف غالبًا ما يصبح كل ما سبق بلا أهمية).
تُقدّم رواية «قواعد بيت عصير التفاح» لجون إيرفينج أحد مشاهدى المفضلة التى أحرص على إعادة قراءتها دائمًا: مشهد ميلونى وهى تذوب فرشاة الأسنان وتثبت فيها شفرة الحلاقة. هذا المشهد يحقق تأثيرات متعددة فهو مليء بالإثارة والحيوية: نتابع ميلونى وهى تخرج شفرات الحلاقة من علبتها، ثم تجلس، وتبكي، ثم تستخدم ولاعة لإذابة مقبض فرشاة أسنان هومر وتثبت الشفرة فيها. لا تدرك مغزى ما فعلته إلا عندما يمسك هومر بفرشاة الأسنان ويجرح نفسه، وهنا يفسر هومر للقارئ ما فعلته ميلوني، وهو أنها واجهته بحقيقة تناقضاته ونفاق حياته. يتساءل المرء عن عنف الموقف، وضآلته، وتفاصيله الدقيقة، وفى كل مرة أقرأ هذا المشهد، أنبهر مجددًا بميلونى كشخصية، وبإيرفينج الذى ابتكرها.
ومن بين المشاهد الأخرى المفضلة لدي: زيارة فرانسى نولان لمحل النيكل فى رواية «شجرة تنمو فى بروكلين» لبيتى سميث، ومقابلة بريدجيت جونز لكولين فيرث فى رواية «بريدجيت جونز: على حافة المنطق» لهيلين فيلدينج، ومعاناة تشارلى كروكر من «جلسة التمارين» فى بلانرز بانك فى رواية رجل بكل معنى الكلمة لتوم وولف.  
بوسعى أن أقرأ كلّ مشهد من هذه المشاهد مرارًا وتكرارًا؛ أتطلع إليها بنفس الشغف الذى أترقب به اللحظة الأجمل فى أغنيتى المفضلة.
عندما حان الوقت لمحاولة كتابة روايتى الثالثة، والتى ستُصبح لاحقًا «مقهى الرضا»، توقفتُ لفترة طويلة. وبالنظر إلى الأمر بأثر رجعي، أعتقد أن ما جعل الأمر صعبًا أنني، لفترة من الزمن، كنتُ مهووسة بمحاولة كتابة رواية ناجحة —أو بالأحرى، رواية تُباع للناشر-. كنت أسأل نفسي: ما الحبكة المثيرة التى يمكننى تقديمها؟ ما الذى يُمكن أن يكون «جاذبًا» رائعًا؟ ما معنى «الفكرة الراقية» أصلًا؟
ما الذى قد يكون هدفًا أفضل من محاولة خلق تجربة من المتعة المضمونة - على الأقل لبعض القراء؟
والآن بعد صدور رواية «مقهى الرضا»، يبدو من المبالغة بمكان أن أزعم أننى نجحتُ فى النهاية فى تأليف كتاب يُعاد قراءته. بصراحة، قد تختلف الأذواق. لكن هذا كان هدفى طوال الوقت. ففى النهاية، يبدو أن العالم يزداد فوضويةً وتقلبًا يومًا بعد يوم. يبدو أننا كثيرًا ما نشعر بخيبة أمل تجاه أمور الكون. فما الذى قد يكون هدفًا أفضل من محاولة خلق تجربة من المتعة المضمونة -على الأقل- لبعض القراء؟