ممدوح رزق
كيف يمكن للذاكرة الممتلئة «لا تُسقِط شيئًا ولا تنساه» أن تؤكد بذلك إرادتها المضمرة فى محو نفسها؟ يبدو هذا سؤالًا أساسيًا فى مجموعة «وجوه كثيرة لرجل واحد» لفكرى عمر، الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة «سلسلة إبداعات»؛ فتثبيت «المشاهد والأصوات القديمة» هو اعتراف ضمنى بغيابها اللاحق، بعدم قدرتها على معاودة الحدوث بما يتطابق تمامًا مع الماضي.
«حينما يزيح غطاءه، ويضع قدميه على الأرض يعود إلى طبيعته. يشطف وجهه بالماء، ثم يتحرك بنشاط فى شقته؛ ليطالع وجهه فى المرآة. فتصدمه ككل مرة. إنها لا تكتفى بوجوهه المتعددة السابقة. بل تضيف إليه وجهًا جديدًا بداخلها مع هذا اليوم الجديد. يدق عليها بقبضتين هينتين؛ كى لا تتكسر. كيف يستوعب ذلك السطح الزجاجى الأملس هذا العدد الضخم من شخص واحد؟!».
ينطوى تجميد اللحظة على رغبة فى إخضاعها للإزاحة أمام ما ستكون عليه فى شرطها المستقبلي، أى حين تصبح علامات الواقع محض أشياء مسترجعة. يتوطد اليقين بالمحو كلما أمعنت الصور السابقة ـ كما فى القصة التى تحمل المجموعة اسمها ـ فى التكاثف والانكشاف؛ فالوجوه التى تحتشد داخل المرآة لا تحضر كما كانت بالضرورة، وإنما تحوّلها المطالعة إلى وجوه مغايرة، بما يعنى أننا إزاء حداد على «موت الحدث الأصلي» الذى تعلنه «نسخته» الماثلة فى المرآة. فى كتابه «الغرفة المضيئة» يصف رولان بارت الصورة الفوتوغرافية بأنها «تكرر ميكانيكيًا ما لا يمكن أن يتكرر وجوديًا»، حيث الموت هو جوهر الصورة، لذا فالتكرار يتجرد من إمكانية الإبقاء على وجود ما يكرره؛ يتركه متاحًا لهوى الصيرورة أو الانتقال من جثة لأخرى.
«أخذ يدوّن مما بداخلها من مواقف على أوراقه. لكن تلك المشاهد أو غيرها لم تسقط بالكتابة، ثم تمزيق ما أفرغه والخلاص منه. عكس ما تخيل، شعر بأن الكلمات طرقات متوالية على عش دبابير كامن، كلما جذب صورًا نشطت أخرى».
يبدو التدوين هنا نوعًا من المسايرة والتماهى مع المحو؛ فالمشاهد التى تُكتب لن تكون هى ذاتها فى تشكّلها البدائي، لكن التدوين يؤوّل غيابها، يحوّلها إلى جسر متخيّل نحو «السماء» كموطن شامل ومبهم للإزاحة، لا «الحفظ»، حيث ما «تخفيه» لن يكون «ما حدث» وإنما «موته المتغيّر»، أى ما يتظاهر بكونه «ذاكرة ثابتة». الخفاء تأمل فى صيرورة الزوال، لا اقتفاءً لأثر وإنما مطاردة لسراب الحضور.
«مع اختفائه بدأت منحوتاته حياتها، تحدث أكثر من رجل وامرأة عن حركاتها، شاهدوها بأعينهم وأنصتوا لحديث خافت بينها فى الظلام. كان الأمر مدهشًا ومروعًا. جمعوا آثاره، ثم أقفلوا عليها باب حجرة بداره. غلّقوا الشبابيك والأبواب بالأقفال. تحسّر كثيرون سرًا على غيابه، واستغل مطلقو الإشاعات، ذوو النظرة المتجهمة والكلمة المؤثرة، الحادث بقوة؛ لتهديد من يود تقليده، أو إحياء سيرته الملعونة!».
فى قصة «كائن الطين الصلب» يصبح تشكيل الطين الحجرى بمثابة إعادة خلق لـ «الاختفاء» وليس «التعيين»، أو ما عليه أن يتوارى أمام تبدله. الكائنات الطينية بصمات لـ «العمى» الذى تفرضه ذكريات لا يمكنها الاحتفاظ بأجسادها، ما يعيدنا إلى «ذوبان المرئى أو المحسوس» عند بول فيريليو؛ حيث يتآكل الوجود مع تحولات التجسد، وكأن هذا «الإفناء» هو شرط التواصل مع «الحياة» التى تمر عبر الذوات المؤقتة. ذلك ما جعل «اختفاء» صانع المنحوتات يمنحها الحياة؛ فالتماهى مع المحو يصل إلى «تغييب» المطارِد لسراب الحضور نفسه، ومن هنا تُشهر النسخ ذلك الوجود الذى يؤكد «التحوّل». حياة المنحوتات هى تفكيك لحيوات سابقة، وهو ما يجعل «التبدد» دامغًا بوصفه قدَرًا. أفكر فى أن اختفاء صانع المنحوتات يعادل «التدوين» فى قصة «وجوه كثيرة لرجل واحد»، الاختفاء «كتابة»، تأويل الغياب، أى ما يتجاوز الغياب ذاته، حيث جسد الفنان مفترق طرق للوجود المتلاشى الذى لا يبوح باستحالة «البقاء» عبر المنحوتات إلا باختفاء ذلك الجسد. النص يزيح كاتبه. فى هذا البوح بالاستحالة تكمن «الحياة» التى اكتسبتها المنحوتات، ما وصم سيرة الفنان باللعنة.
«هرب من مفسرى الأحلام الذين يقرنون ضياع الأشياء، ونقص الجسد بفواجع حقيقية لن يتحملها. واصل عمله بدأب، وربما يعالج مواجعه الخفية بذلك الانهماك، حتى يعود، فينام وتنطفئ كل أضواء الليل المتقطعة ومفاجآته، ولا يفيق مع إشراقة جديدة لشمس اليوم التالي. فى أوقات راحته يغرق مع زملائه فى حديث الترقى الوظيفي، من سيخرج قريبًا إلى التقاعد، ومن يحوم حول كرسى الإدارة. ملأ المساءات أيضًا بالصحبة، والزيارات، والمشاغل، لينسى».
فى قصة «قدماه تحت المطر» يصوّر ضياع الأشياء ونقص الجسد مصير ما تحوّل إلى «ذاكرة»؛ أى ما يوهم بإمكانية توثيقه، فى حين أنه محض استهلاك للمحاكاة «التى لا شيء خارجها» بتعبير جان بودريار. الواقع حلم بـ «التمثيلات»، أى أنه مكرّس لالتهام نفسه، وذلك ما يجعل مفردة مثل «افتراضي» تشير إلى «الداخل» بقدر ما تم الاعتياد على تعبيرها عن الشكل الخارجى للوجود.
«أحدث ذلك الحوار منذ عام؟! لا. منذ اثنين؟! لا. ثلاثة .. عشرة .. عشرين ..؟! أى لعنة تلك؟! من يومها صارا يجريان رغمًا عنهما خلف شبح المسِن الذى يندفع أمامهما قدمًا بقوة السنوات الطائرة، وكلما توقفا ليأخذا أنفاسهما أبصرا من خلفه سكينًا مشحوذًا معلقًا فى السماء».
الفقد المتعاقب للحظة الأصلية، أو ما تبدو كذلك، يتمثل فى «السكين المشحوذ المعلق فى السماء» فى قصة «سكين»؛ فالاستفهام المتواصل عن «الوقت» هو تذكير بالمحو الرابض استباقيًا فى الحدث، أى أن هذا التذكير هو فى حقيقته تلصص على «فقدان الذاكرة»، وهذا ما يعيدنى إلى الأداء التثبيتى لـ «ليونارد شيلبي» بطل فيلم Memento للمخرج كريستوفر نولان حيث الصور والوشوم ليست معلومات لاسترجاع الماضي، وإنما تأجيلًا مؤبدًا لـ «امتلاك» اللحظة «المجمدة» المنذورة للضياع.
«فى الليل أحس بالكتاب يزحف إلى جواره. لا يعرف أكان يحلم بذلك، أم يفكر فى أثناء السهاد؟ لا يتذكر إلا نظرة واحدة للصفحات المتخيلة الفارغة تمامًا. تلك النظرة المدققة التى انطلقت على إثرها، من الكتاب الأبيض، كل وحوش البرية التى يعرفها، وتلك التى حلم بها، وقبل أن يحتاط لنفسه راحت تطارده بإصرار وقوة؛ لتمحوه من الوجود تمامًا».
يبدو موت الذاكرة ساطعًا فى قصة «الكتاب الأبيض» حيث الرواية ذات الصفحات الفارغة التى يزين غلافها لوحة فرانثيسكو جويا «أشباح مختلفة الأشكال والأحجام تحيط سرير النائم»، ووحوش البرية التى انطلقت إثر النظرة المدققة لمتصفح الرواية كى تطارده وتمحوه من الوجود تمامًا؛ إنه الاغتراب ذاته عن «التجربة» الذى عاشه العجوز فى مسرحية صموئيل بيكيت «شريط كراب الأخير» وهو يستمع إلى تسجيلات شبابه. الصفحات الفارغة هى الأرشيف الميت للخبرة، حيث لا تُكتب الرواية إلا بالصراع مع الوحوش التى تفتك بالعالق فى «البياض»، باستعمال الأشباح التى تحيط بنومه فى نسج حلمه الخاص بالمحو.
أفكر فى نظرة الشيخ الهَرِم عكس اتجاه الغروب فى قصة «غروب عند البحر»: «يتحاشى النظر إلى مقدمات الظلام أمام البحر، وإلى كل تلك الدماء الحمراء البرتقالية المسفوكة عند الأفق»؛ ليست مجرد نظرة شخص لا يتذكر مهما بدا متأكدًا من قدرته على استرجاع الماضي، وإنما نظرة شخص يدرك أن ما كان عليه تذكره لم يوجد أصلًا، وهذا ما يجعل تلك النظرة تقاوم الجمود، تتناثر فى أصداء الزوال، مثلما فعل ليلاند كيربى فى مشروعه الموسيقى Everywhere at the End of Time؛ فالزهايمر ليس نسيانًا فحسب، وإنما هو كذلك طمس ما كان وعدًا بما لن يحدث أبدًا، ما لا يتكرر، وفى المقابل نكتب غيابه، نختفى فى التدوين، لكى يبقى الضجيج المشوّه لموتنا، على الأقل، حيًا.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







