من وهم السعادة إلى الاغتراب الرقمى

ضرورة العيش فى عالم ناقص: أودو ماركفارد

أودو ماركفارد
أودو ماركفارد


قبل أشهر صدر كتاب فيجينشتاين ومعنى الحياة – فى البحث عن الصوت الإنساني) للكاتب رضا حسينى، حيث ورد ذِكر فيلسوف ألمانى معاصر اسمه أودو ماركفاد، يُلخّص أزمة البشر فى سعيهم وراء معنى حياتهم فى جُملة لافتة نقلها عن هيجل تقول:

‏(إن أشد ما ينبغى اجتنابه هو السعى المباشر وراء المعنى؛ فالمعنى مجرد اسم من أسماء السعادة، غير أن السعادة — كما ذهب أرسطو — لا تُنال بالقصد المباشر. ومن يسعى إلى المعنى سعيًا مباشرًا يشبه رجلًا يريد الفاكهة، فتُعرض عليه الكمثرى، والكرز والتفاح، فيرفضها جميعا، لأنه يريد الفاكهة. ‏وكذلك من يطلب المعنى مباشرة: فهو لا يريد القراءة لذاتها، بل يريد المعنى؛ ولا يريد العمل لذاته، بل يريد المعنى؛ ولا يريد الحب لذاته، بل يريد المعنى؛ ولا يريد النوم لذاته، بل يريد المعنى. وهكذا ينتهى به الأمر إلى أن يفقد معنى كل شيء). 

أودو ماركفارد (1928–2015) واجد من أبرز وجوه الفلسفة الألمانية فى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبشيء من متابعة أعماله وجدتُ أن جُلَّ أعماله تتخذ طابع المقالة الفلسفية (وجانب منها محاضرات عامة)، كما أنه لم يكن أكاديميًا غارقاً فى المصطلحات الجافة، بل اتسم قلمه بأسلوبٍ أدبيٍّ رفيع، ينضح بالكوميديا السوداء والعمق الساخر، مما جعل أطروحاته تجد صدىً واسعاً خارج أسوار الجامعات.كان يكتب جُملًا قصيرة، مكثفة، ومليئة بالاستعارات البديعة. بنى ماركفارد فلسفته على نقد «فلسفات التاريخ» الكبرى (مثل الماركسية أو الهيجلية) التى تَدّعى امتلاك الحقيقة المطلقة أو تَعِدُ بالخلاص النهائي. بالنسبة له، هذه الفلسفات «تُرهق» الإنسان بتحميله مسؤولية «تغيير العالم» وتؤدى غالباً إلى العنف أو الإحباط.

أساس أفكار ماركفارد كما فهمتُها هو التخلى عن البحث عن «المبادئ الفلسفية المطلقة» التى تقود إلى الصراعات الدامية، وهو عنوان واحد من أشهر كتبه (وداعًا لفكرة المبدأ Abschied vom Prinzipiellen)، معتبراً أن الاستمرار فى تقبّل الوجود، بكل نواقصه، أفضل من القفز إلى المجهول الذى تَعِدُ به الثورات والأفكار الطوباوية، التى لا وجود لها إلا فى عقل أصحابها.

انحَازَ ماركفارد للنسبي، والعابر، والمؤقت، بعدما أدرك، وهو الذى شهد ويلات الحرب وشراسة الأيديولوجيات الشمولية (الشيوعية، النازية، الرأسمالية)، أنَّ أكبر الأخطار تكمن فى أولئك الذين يريدون جعل العالم «آمنًا، هانئًا، كاملاً خاليًا من النقص»، لأنهم فى سبيل ذلك الكمال، لا يترددون فى سحق «الإنسان غير الكامل».

تجولتُ قليلًا فى أعماله صغيرة الحجم، ووجدتُ أغلبها مكونًا من مقالات/محاضرات متفاوتة الطول، ووقع اختيارى على كتابيه الصغيرين للغاية (السعادة فى الشقاء Glück im Unglück) و(تشكيك فى الحداثة Skepsis in der Moderne)، لعرض خطوط عامة لأفكار هذا المفكر اللامع. 

تغيب فى نصوص ماركفارد أطروحة مركزية صريحة، لا يستطيع قاريء أن يقول: أنتَ تجلب شذرة من هنا وشذرة من هناك. ماذا تريد؟ ولعلى أحذو حذوه فى الانتقال بين أفكاره التى استوقفتنى .سأتناول ثلاثة أفكار رئيسة فى كتابَى ماركفارد، وهي: ثنائية السعادة/الشقاء، دور الأدباء فى السياسة، وإنسان الشاشة واغترابه عن العالَم، على ضوء أن ماركفارد مات سنة 2015، قبل ثورة الذكاء الاصطناعى ورقمنة الإنسان.
أول ما يتبدّى فى نصوص ماركفارد رؤية الإنسان بعيدًا عن أى ادعاءات تقدّمها الأنساق السياسية/ الفكرية الكبرى (النازية، الماركسية، الرأسمالية فى أسسها النظرية)، فهو يرى ألا سبيل إلى تحقيق السعادة الكاملة على الأرض، لأنّها ليست من هذا العالَم. نقرأ فى مقالته الأولى (السعادة فى قلب الشقاء):

«تظل مسألة السعادة مجرد كلام نظرى منبتّ الصلة عن الواقع ما لم نربطها بمسألة الشقاء. فالبشر لا يعرفون تلك السعادة التى لا يداخلها شيء من الهمّ والغم؛ إذ ليس بمقدور الإنسان أن يجمع كل أسباب الراحة، ويقصى كل المنغصات تماماً. السعادة الخالصة ليست من أمر هذا العالم، وهذا ما يدركه حتى من يشك فى وجود الحيا الآخرى .أما فى «عالمنا هذا» - أى واقع الحياة البشرية- فإن السعادة تجاور الشقاء دائمًا، أو تتسبب فى حدوثه؛ سواء أكان شقاء الشخص نفسه أو شقاء الآخرين. فالسعادة الإنسانية فى أصلها هى دائماً سعادة موجودة فى قلب الشقاء .ومما يثير القلق أن من يتجاهل هذه الحقيقة، يغامر بفقدان قدرته على الاستمتاع بما هو متاح، لأنه يطارد المستحيل؛ ففصل السعادة عن الشقاء قد يؤدى إلى عواقب وخيمة». 

تتبع ماركفارد تاريخية هذا المفهوم، موضحاً أن الإغريق لم يمنحوا الشقاء وزناً فلسفياً كبيراً إلا مع ظهور مفهوم «السكينة» كعلاج للاضطرابات النفسية، بينما جعلت المسيحية من الشقاء قدراً محتوماً فى «وادى النحيب» الدنيوي، وحلّت المعضلة بالتوكيد على نسبية/زوال العالم الأرضى لصالح عالم الخلاص الأخروي. ومع بزوغ العصر الحديث، اكتسبت الدنيا قيمة مطلقة، فانتقل الشقاء من كونه «عقوبة على الخطيئة» ليصبح «عبئاً» يُسأل عنه الخالق مباشرة، وهو ما أدى لظهور فلسفات «العدالة الإلهية (الثيوديسيا)، وفلسفات التاريخ التى حاولت التهوين من شأن الشقاء من داخل العالم عبر إضفاء صبغة «غائية» عليه، معتبرة الألم أداة ضرورية لتحقيق تطور مستقبلي، وهو ما يدفع ماركفارد فى النهاية إلى تبنى رؤية تؤمن بأن البشر هم حصيلة قصصهم وسيرهم، وأن عزاءهم الوحيد يكمن فى «التعويض» السردى والثقافى الذى يجعل التعايش مع هذا الوجود الناقص ممكناً.

لكن المأزق الأكبر - فى نظر ماركفارد - يكمن فى أنه حين نصّب البشر أنفسهم آلهة وخالقين لعالمهم التاريخى (سواء عبر الأنا المطلق [يقصد فلسفة فيشته ولحسن حنفى كتاب جيّد عنه]، أو روح العالم [يقصد هيجل] أو التبشير الطليعة الثورية [يقصد ماركس ولينين]، تحولوا هم أنفسهم إلى فاعلين لمبدأ «غائية الشقاء». لقد صار البشر هم من يقررون ويمارسون هذا المبدأ: فالغاية النهائية (عالم السعادة فى نهاية التاريخ) تبرر شقاء الخطوات المؤدية إليها. 

ويختتم ماركفارد هذه الفكرة برؤية نفسية سياسية عميقة؛ إذ يرى أن البشر وجدوا أنفسهم فجأة مسؤولين عن هذا الشقاء المزدوج، وهو حِملٌ لا يطيقونه. لذا، طوّروا بالضرورة فن «التنصل من الفعل»؛ فبدلاً من تحمل مسؤولية الآلام التى تسببوا بها، شرعوا فى اختراع «أكباش فداء» بشرية يُحملونها وزر كل عائق أو فشل.

لا يتركنا ماركفارد معلقين بوعود زائفة كما فعل من ينتقدهم، فيختم تأملاته بوقفة نقدية صارمة؛ فيطرح مفهوم «التعويض» بوصفه ترياقاً شافياً أو نظرية كونية للسعادة. يرى أن الإنسان هو الكائن الذى يصنع «بديلاً» عما يفتقده؛ هو الكائن الذى يُعوّض. غير أن هذا المسعى التعويضى يرتطم فى نهاية المطاف بجدار الموت الصلب؛ فالسعادة الممكنة بشريًا – وبسبب الموت وحده – لا تخرج عن كونها «سعادة فى قلب الشقاء»، أو محض نجاة عابرة ننتزعها من يد القدر «بصفة مؤقتة» وعلى سبيل الإعارة، وهو فيما لاحظتُ السمة المهيمنة على فكر ماركفارد. 

يرى ماركفارد أن «السعادة البديلة» التى ننسجها عبر الثقافة والفلسفة تشكل معظم ما نملكه من هناء فى عصرنا الحديث، وأنا فكّر شخصيًا فى سبب شهوة اقتناء الكتب التى أراها فى بعض الصور على السوشيال ميدا مع عدم إنهاء أو ربما البدء فى قراءة الكتب المُشتراة السنة الماضية أو الأسبق، إنها نوع عن التعويض، أو محاولة أن يُعلل المرء نفسه بالأماني. ومع ذلك تظل السعادة البديلة عاجزة عن استئصال شأفة الشقاء. لذا، يدعونا إلى يقظة فلسفية تُدرك «المرارة الكامنة فى قلب العزاء»؛ معترفاً بأن الشقاء هو الذى يكتب دائماً الكلمة الأخيرة فى الدنيا. ويرى أن الحياة لا تمضى بدون «أدوات مساعدة»، وفى اعتقادى أن الأدوات المساعدة، المتفاوتة وفق رغبات كل فرد ورؤيته هى التى تعاون على رؤية السعادة فى قلب الشقاء، بدايةً من أبسط الأعمال اليومية كما ذهب رضا حسينى فى كتابه المذكور فى صدر المقالة مثل تخصيص وقت أكبر لمن نحب، رؤية السعادة على وجه من نساعدهم، مرورًا برعاية الأبناء، ووصولًا إلى شراء الكتب بهوس. نحن لا نملك العيش دون هذه الأدوات المساعدة وتلتعويضات، لكننا أيضاً لا نملك اليقين بأنها تجعل الحياة «تمضي» حقاً نحو غايةٍ مُرْضية. 

من بين المقالات التى استرعت انتباهي: إلى أى مدى يجب أن يكون الأديب سياسياً؟ وهو مقال يقدم طرحًا جديرًا بالالتفات؛ ونقرأ فيه: «تتسم القدرة على ممارسة خطاب سياسيٍّ بالحساسية تجاه الموقف، والإدراك العميق للتبعات، هى فى الغالب مهارة يفتقر إليها الأديب، ومن ثمَّ تظل قدراته فيها محدودة على أدنى تقدير. لذا، فإن الأدباء حين يدلون بآرائهم السياسية، لا يصدرون «بيانات كهنوتية» تمثل روح العالم مِن على سدّة السلطة المطلقة، بل إن أقوالهم تلك هى فى حد ذاتها «إجراءات سياسية»؛ قد تكون حصيفة ومثمرة، وقد تكون – لاسيما حين تخدم الغرور الشخصى وتلهث وراء الشعور بالأهمية – خرقاء وعكسية النتائج. إنَّ التصريحات السياسية للكتّاب – شأنها شأن سائر المواطنين – ليست بمنأى عن الحماقة، فهى عُرضةٌ للأخذ والرد؛ ومن ثمَّ فإن انتقادها ليس إلا أمراً طبيعياً، ولا يُعدُّ بحالٍ مَسّاً بالذات الملكية أو تجديفاً فى المقدسات. فى شؤون السياسة – وهذا ما أودّ تأكيده – الأدباء مواطنون عاديون: بشرٌ مثلى ومثلك. لديهم مواقف سياسية، لكنهم – وأكررها ثانية – لا يملكون «الموقف السياسى الحصري» أو الحقيقة السياسية المطلقة. ولا ينبغى لأحد أن يتباكى، لأن أصحاب السلطة السياسية لا يصغون للأدباء بما يكفى، إذ لا ينبغى من الأساس الإصغاء للأدباء (وهذا ما يحدث فعلاً) إلا إذا تحدثوا بحصافة وكياسة سياسية، وهو أمر لا يفعلونه دوماً بأى حال من الأحوال. أما الزعم بأن الشرور لن تنحسر عن الساحة السياسية إلا إذا أطاع أصحابُ السلطة الأدباءَ، أو صار الأدباءُ هم أصحاب السلطة: فإن هذا المبدأ من أفلاطون هو زعم خاطئ تماماً كخطل مقولة أفلاطون نفسها؛ تلك المقولة التى تستحضر بالدرجة الأولى خطر أن تصبح السلطة السياسية «منفصلة عن الواقع»، أو أن يصبح «الانفصال عن الواقع» ذا سلطة سياسية. كتب أرسطو أن الإنسان «كائن سياسى بطبعه». والأدباء بشر، ومن ثم فهم كائنات سياسية. وعليه، فإن بإمكانهم، بل ومن واجبهم، أن يكونوا سياسيين كبقية البشر؛ ليس أقل من الآخرين – حسب رأيى – ولكن ليس أكثر منهم أيضاً» (انتهى الاقتباس)

والحقيقة أن تأمل أحوال الكُتاب يكشف عن مواقف عجيبة جدير بالتأمل؛ موقف نيرودا مثلًا من ستالين، وفوكو سنة 1979.عند وفاة ستالين كتب نيرودا قصيدة رثاء بعنوان «قصيدة لستالين»، وصَفَه فيها بأنه:جلب النور فى ليلة مظلمة حالكة، لا أعرف ربما كان يقصد القديس أوغسطين، وأنه «الرجل الذى علّم العالم الإنسانية». فى مذكراته المنشورة بعد وفاته بعنوان أعترف بأننى قد عشت، حاول نيرودا تبرير موقفه بـ»السذاجة الثورية»، وكذلك موقف ميشيل فوكو سنة 1979 عندما أساء تقدير أغراض/عقلية القوى التى ستمسك بزمام الحُكم، فوكو لم يتراجع صراحة، لم يعتذر، لكنه انسحب بهدوء وترك موقفه الأول معلقًا، وهذا بحد ذاته موقف إشكالي. ولعل المرء يتساءل: من يدفع ثمن سذاجة ثورية بتعبير نيرودا أو سوء تقدير موقف من مفكّر بعد أن سار فى ركبِه ملايين الشباب. تكشف هذه المواقف فى اعتقادى عن قابلية الأديب/ المثقف—مهما بلغ عمقه وحَسُنت نيّته —للوقوع فى إغراء العواطف والانفعالات، وكيف تستطيع الأيديولوجيا أن تُعمِى الحس الأخلاقى حتى لدى شاعر عظيم، وهو ما حذر منه ماركفارد. 

أما الفكرة (الأطروحة الثالثة) فتحمل عنوان الاغتراب عن العالم، وسأحاول إيجازها فى السطور التالية.
يقدم ماركفارد فى أطروحته تشخيصاً نقدياً للحداثة بوصفها «عصر الاغتراب عن العالم» (Weltfremdheit) وجوهر فكرته يقوم على مفارقة صادمة: بقدر ما تدعى الحداثة الرشد والتقدم التقني، بقدر ما تدفع الإنسان نحو تصاغر طفولى (Infantilismus) قسري، وهى فكرة سبقه إليها الفيلسوف الألمانى جونتر أندرس وتطرقتُ لها مطولًا فى كتابى (فوق أكتاف العمالقة). وهذا الارتداد الطفولى هو نتيجة حتمية لفكرة التسارع، الذى جعلت الخبرات الإنسانية تتقادم قبل أن تنضج، مما أفقد المرء القدرة على ممارسة «الرشد» الذى يتطلب استقراراً وتراكماً معرفيًا، يذكرنى هذه بمقولة شيشرون المأثورة: «عصور رديئة، الأولاد يعقّون آبائهم، وكل شخص صار يؤلّف كتابًا». الجميع يعطى الجميع نصائح وكورسات فى علم النفس، والعلاقات الزوجية، والتخسيس، والتغذية السليمة، والكتابة الإبداعية، مع أنَّ واقع الأمور يشير إلى تدهور حاد، وفشل ذريع فى كل ما سبق. 

يرى ماركفارد أن «الاغتراب المتسارع» يجعل العالم غريباً عنا باستمرار. وفى سياق العالم الرقمي، بلغت هذه الفكرة ذروتها؛ فالخوارزميات والتحديثات المستمرة تخلق واقعاً «سائلاً» لا يثبت على حال. إننا نعيش فى حالة «تحديث» (Update) دائمة، حيث تتقادم مهاراتنا وخبراتنا الرقمية فى غضون أشهر. هذا الوضع يضع الإنسان البالغ فى وضعية «التلميذ الأبدي» الذى لا يكاد يتعلم لغة برمجية أو واجهة تطبيق حتى تختفي، مما يكرس حالة «عدم النضج» التى تحدث عنها ماركفارد؛ فنحن دوماً «مبتدئون» فى عالم تكنولوجى يسبق قدرتنا على الاستيعاب.
يرى ماركفارد أن الطفل يُعرَّف بكونه كائناً يعيش على «الخبرة المنقولة إليه»؛ فهو يصدق العالم لأن الكبار أخبروه بذلك، لا لأنه اختبره بنفسه. وفى عالمنا الرقمي، تحول الجميع إلى «أطفال سيبرانيين» بفعل ما يمكن تسميته «انحسار الملامسة. حيث تلاشت الخبرة الحسية المباشرة (التى هى جوهر الرشد) لصالح «الواقع الوسيط». نحن اليوم لا «نعرف» العالم، بل «نُخبَر» عنه (فى كل خبر وبوست فيسبوكي: الدليل قالولوه).
يرى ماركفارد أنَّ هذا اليقين هو «إيمان أعمى» بالبوستات والتريندات؛ فنحن نتبنى المواقف، ونعتنق الأفكار، ونطلق الأحكام بناءً على ما «يقال» فى الفضاء الافتراضي، دون أن نملك أدوات نقد هذه الخبرة أو التثبت منها حسيّاً. إننا نعيش حالة «عالة إدراكية»؛ حيث تُصاغ رؤيتنا للعالم فى مختبرات شركات التقنية، مما يجعلنا مغتربين عن الواقع الملموس، تماماً كالطفل الذى يرتجف من «وحش» فى حكاية قصها عليه شخص آخر، بينما الواقع خلف الباب ساكنٌ تمامًا، والحقيقة أنّ هذا مرتبط – فى تقديرى – بكلام ماركفارد عن الأدباء/المثقفين ومنظورهم السياسي، بالرغم من عيش أغلبهم فى فقاعات رقمية زرقاء. لعل أذكى ملاحظات ماركفارد هى فكرة «التيدى بير» (الدب المحشوّ بالقشِّ) الذهني؛ أى تلك الأوهام والطوباويات التى يتشبث بها الإنسان المعاصر ليعوض فقدان الألفة فى عالم غريب.
 العالم الرقمى اليوم هو «الدب القطني» الأكبر؛ فهو يقدم لنا «فردوساً اصطناعياً» (منصات الميتافيرس، الفقاعات الفكرية، وصور السعادة المعلبة) للهروب من قسوة الواقع. إن الارتماء فى أحضان الواقع الافتراضى هو التجسيد الأسمى لرفض الرشد، واختيار للعيش فى «شرنقة» تحاكى حماية الحضَّانة، حيث كل شيء مبرمج لإرضاء رغباتنا.