إســـلام عفيفى يكتب: دبلوماسية التاج وترميم جدران السياسة

إســـلام عفيفى
إســـلام عفيفى


فى السياسة، أحيانًا لا تكون الأزمة فى الخلاف نفسه، بل فى أن الطرفين لم يعودا يعرفان بأى لغة يتحدثان، هذا بالضبط ما يحدث اليوم فى العلاقة بين لندن وواشنطن، بريطانيا التى عاشت عقودًا على فكرة «العلاقة الخاصة» مع الولايات المتحدة، وجدت نفسها فجأة أمام رئيس أمريكى لا يتعامل مع التاريخ كرصيد مضمون، ولا مع التحالف كأمر مقدس، ولا مع رئيس الوزراء البريطانى كامتداد طبيعى للبيت الأبيض فى أوروبا، ترامب غاضب من كير ستارمر، متشكك فى الأوروبيين، ساخر من قدراتهم العسكرية، لكنه فى الوقت نفسه يبدو أكثر ارتياحًا للملك تشارلز؛ وكأن لندن اضطرت إلى استدعاء رمزها الأقدم كى يرمم ما عجزت السياسة اليومية عن حمايته.


زيارة الملك تشارلز إلى واشنطن لم تكن زيارة ملكية بالمعنى الاحتفالى فقط كانت، فى جوهرها، محاولة بريطانية لاستخدام «دبلوماسية التاج» كقناة إنقاذ، فالملك لا يقرر سياسة، ولا يرسل قوات، ولا يوقع أوامر حرب، لكنه يملك شيئًا أصبح نادرًا فى العلاقات الأمريكية-الأوروبية: القدرة على مخاطبة ترامب بلغة الرمز، والوجاهة، والاستمرارية التاريخية. رويترز نقلت أن الزيارة جاءت فى لحظة توتر بين لندن وواشنطن بسبب خلافات حول حرب إيران، وأن ترامب أبدى إعجابًا واضحًا بتشارلز، واصفًا إياه بأوصاف شديدة الود، بينما استخدم الملك زيارته للتأكيد على الروابط العسكرية والثقافية بين البلدين ودعم الناتو وأوكرانيا.  


وهنا تكمن المفارقة التى التقطها جيرارد بيكر فى وول ستريت جورنال: أقوى جمهورية فى العالم تبدو أحيانًا أكثر ارتياحًا للملك الوراثى من رئيس الوزراء المنتخب، ليس لأن الملك يملك قدرة تنفيذية أكبر، بل لأنه لا يثير حساسية ترامب بنفس الطريقة التى يثيرها ستارمر، فرئيس الوزراء يتفاوض، يراوغ، يرفض استخدام قواعد، يوازن بين الشارع البريطانى والأمن الأطلسى أما الملك فيُقدّم لترامب مسرحًا مختلفًا: تاريخ، بروتوكول، عشاء دولة، خطاب فى الكونجرس، وجرعة من الاحترام الشخصى الذى يجيد ترامب التقاطه وتحويله إلى سياسة رمزية.


لكن دبلوماسية التاج لا تخفى حقيقة الأزمة، ترامب لم يكن غاضبًا من بريطانيا بسبب تفصيلة صغيرة، بل بسبب ما يراه ترددًا بريطانيًا فى دعم حرب إيران، تقارير أمريكية تحدثت عن أن الرئيس اتهم ستارمر بعدم مساعدة واشنطن فى مواجهة إيران وعدم دعم الجهود الأمريكية لإعادة فتح مضيق هرمز، بعد أن رفضت لندن فى البداية السماح باستخدام بعض القواعد البريطانية ثم تراجعت جزئيًا، هنا أصبحت الأزمة فى تعريف معنى الحليف، من وجهة نظر ترامب، الحليف الجيد هو من يتحرك معه عند لحظة القرار، ومن وجهة نظر ستارمر، الحليف الجيد لا يعنى بالضرورة توقيع شيك عسكرى مفتوح لكل حرب أمريكية.  


هذه الأزمة لا تخص بريطانيا وحدها، إنها جزء من خلاف أكبر بين ترامب والحلفاء الأوروبيين الذين رفضوا مطالب ترامب فهدد بالانسحاب من الناتو ورفع مستوى التوتر مع الحلفاء، وانتقد ضعف دعمهم لحرب إيران، بينما دعت دول مثل بولندا إلى الهدوء، وأكدت ألمانيا استمرار التزامها بالحلف، فى حين تحدث ستارمر نفسه عن ضرورة اتجاه بريطانيا إلى علاقات أوثق مع أوروبا، هذا يعنى أن واشنطن لم تعد تتحدث مع أوروبا من موقع «العائلة الأطلسية» القديمة، بل من موقع صاحب الفاتورة الذى يسأل: ماذا دفعتم؟ ماذا قدمتم؟ ومتى ستتوقفون عن الاعتماد علينا؟


فى هذا السياق، تصبح بريطانيا حالة كاشفة، لندن تريد أن تبقى الأقرب إلى واشنطن، لكنها لا تملك اليوم أدوات الإمبراطورية التى صنعت هذه العلاقة أصلًا، بيكر يذهب إلى أن بريطانيا تحولت فى نظر كثيرين من قوة استراتيجية إلى ما يشبه «دراما تاريخية» جميلة المظهر؛ عائلة ملكية، طقوس، جامعات عريقة، ذكاء اصطناعي، ولغة مشتركة، لكن بقدرة عسكرية واقتصادية أقل مما تسمح به الذاكرة، وهذا ليس تجنيًا كاملًا، فبريطانيا تراجعت حصتها من الناتج العالمي، وجيشها فى أدنى مستوياته التاريخية تقريبًا، والبحرية الملكية لم تعد تلك القوة التى كانت تتحكم فى البحار، لذلك حين يسخر ترامب من السفن البريطانية بوصفها «سفن ألعاب»، فالسخرية قاسية وربما فظة، لكنها تنطلق من إدراك أمريكى بأن لندن لم تعد قادرة على حمل نفس الوزن الذى تحاول صورتها التاريخية الاحتفاظ به.


ومع ذلك، لا تزال بريطانيا تملك شيئًا لا تملكه دول أوروبية كثيرة: مدخلًا خاصًا إلى المزاج الأمريكي، وهى الملكية التى تعد رمزا وزيارة تشارلز أنتجت أثرًا سياسيًا سريعًا فى ملف اقتصادى رمزي؛ فقد أعلنت إدارة ترامب إزالة أو تخفيف رسوم على الويسكى الأسكتلندى بعد زيارة الملك، وذكر ترامب أثر الزيارة الملكية فى قراره، بينما رأت الصناعة الاسكتلندية فى الخطوة متنفسًا مهمًا بعد خسائر متراكمة بسبب الرسوم. هذه ليست صفقة استراتيجية كبرى، لكنها دليل على أن الرمز يمكن أن يفتح بابًا حين تعجز السياسة المباشرة عن ذلك.


أما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، فالعلاقة معها تدخل فى حسابات مختلفة، فرنسا تتحرك من موقع الدولة الأوروبية التى تريد استقلالًا استراتيجيًا، لكنها لا تستطيع تجاهل الحاجة إلى واشنطن فى لحظات الأمن الكبرى، لذلك تبدو علاقة باريس بترامب خليطًا من المواجهة والتنسيق: خلاف على المنهج، لكن إدراك متبادل أن أوروبا لا تملك بعد بديلًا كاملًا للمظلة الأمريكية، إيطاليا بحكم طبيعة حكومتها اليمينية وصلاتها الأقرب بخطاب ترامب، تبدو أحيانًا أكثر قدرة على الكلام مع البيت الأبيض بلغة سياسية مفهومة له، لكنها لا تملك وحدها وزنًا أوروبيًا كافيًا لصناعة توازن، أما إسبانيا فتوترها مع واشنطن يبدو أوضح فى ملفات الناتو والمشاركة العسكرية، خصوصًا مع انتقادات أمريكية أوروبية متزايدة لمن يرفضون الانخراط الكامل فى ترتيبات ترامب الأمنية.  


وهنا نصل إلى المعنى الأعمق: ترامب لا يهاجم أوروبا فقط لأنها ضعيفة، بل لأنه يرى أن ضعفها أصبح مكلفًا لأمريكا، والأوروبيون لا يغضبون من ترامب فقط لأنه فظ، بل لأنه يقول بصوت مرتفع ما كانوا يفضلون إخفاءه: القارة اعتمدت طويلًا على القوة الأمريكية، لكنها لا تريد دائمًا دفع ثمن القرار الأمريكى حين تأتى لحظة الحرب، من هنا جاءت الخلافات حول إيران، وحول الناتو، وحول جرينلاند، وحول التجارة، كل ملف يكشف نفس العقدة: أمريكا تريد أوروبا أكثر التزامًا، وأوروبا تريد أمريكا أقل ابتزازًا.


فى رأيي، زيارة الملك تشارلز لم تنقذ «العلاقة الخاصة» بقدر ما كشفت أنها لم تعد علاقة واحدة، بل علاقتان، علاقة رمزية تاريخية ما زالت قوية: الملك، الكونجرس، الذاكرة، الحرب العالمية الثانية، اللغة، الناتو، وعلاقة سياسية يومية متوترة: ستارمر، ترامب، إيران، القواعد، الرسوم، الناتو، والإنفاق الدفاعي، الأولى تستطيع أن تمنح الدفء، لكنها لا تستطيع وحدها أن تدير الحرب، والثانية تستطيع أن تقرر، لكنها بلا دفء قد تتحول إلى شجار دائم.


أخيرا بريطانيا تحاول اليوم أن تستخدم تاجها لترميم سياستها، وأن تستخدم التاريخ لتخفيف قسوة الحاضر، قد ينجح الملك فى تليين ترامب، وقد يفتح بابًا تجاريًا أو يخفف عبارة غاضبة، لكنه لا يستطيع أن يعيد وحده بريطانيا إلى موقع القوة التى كانت تحتلّه، العلاقة الخاصة لن تنقذها العواطف الملكية وحدها، ولن تنقذها خطب ستارمر وحدها. ستنقذها فقط إذا عرفت لندن ماذا تريد أن تكون: حليفًا عسكريًا حقيقيًا قادرًا على الدفع، أم قوة ناعمة عظيمة لكنها محدودة التأثير، وحتى تحسم هذا السؤال، ستظل بريطانيا عالقة بين صورتين: إمبراطورية سابقة تحاول أن تتحدث كقوة عظمى ومملكة أنيقة تستدعى ملكها كلما تعثرت السياسة.