حرب الشائعات.. خبراء يكشفون كيفية مواجهة فوضى السوشيال ميديا

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


يشهد العالم الرقمي وتيرة متصارعة، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي "السوشيال ميديا"، قوة لا يُستهان بها، إذ تحولت في السنوات الأخيرة، من مجرد أدوات للتواصل إلى مصادر رئيسية، لاستقاء الأخبار والتحليلات، ونشر شائعات حولها بل وإثارة البلبلة. 

هذا الصعود اللافت، يحمل في طياته مخاطر جسيمة، حيث أضحت هذه المنصات قنوات خصبة لانتشار المعلومات المغلوطة، بل والأخبار المزيفة كلياً، وهو ما يطرح تساؤلات ملحة حول سبل حماية الأمن القومي والمجتمعي

وتعقبًا على مخاطر السوشيال ميديا، أكد الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي وسياسات الأمن القومي، أن ما نُطلق عليه مجازاً "حرب الشائعات" هو في جوهره نشاط استخباراتي متخصص يندرج ضمن أوسع منه وهو "العمليات النفسية"، موضحًا أن هذه العمليات لا تقتصر على كونها حرباً نفسية فحسب، بل هي منظومة متكاملة تستهدف التأثير على المجتمعات والدول والكيانات الاقتصادية.

 

- طبيعة الشائعات وتصنيفاتها العلمية

 

أوضح "الشريف" أن الشائعات تُصنف وفق درجات لونية، تعبر عن أهدافها وآليات تنفيذها، وهي كالتالي:

الشائعات الرمادية، والتي تعتمد على استغلال جزء من الحقيقة وتضخيمه أو إضافة "رتوش" عليه، أو حتى تسليط الضوء على حقائق مخفية بطريقة تخدم أجندات معينة، بهدف تشويه صورة نظام سياسي أو كيان اقتصادي معين، مما يزعزع الثقة فيه.

وهناك الشائعات السوداء، وهي شائعات ملفقة بالكامل، لا تستند إلى أي أساس من الحقيقة، ويتم نسج قصص وهمية حولها لاستهداف الأفراد أو المؤسسات بهدف التدمير المعنوي أو التشهير.

 

اقرأ ايضا| معركة الوعي.. خبراء يطالبون بتشريعات حازمة لمواجهة مخاطر السوشيال ميديا

 

وأشار إلى أن هذه العمليات أصبحت "رخيصة التكلفة" ويسهل تنفيذها في ظل عالم مفتوح وتقدم تكنولوجي هائل متمثل في منصات التواصل الاجتماعي، التي أتاحت لأي جهة - سواء كانت دولاً، أو جماعات إرهابية، أو منافسين تجاريين - الوصول إلى جمهور واسع باختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية.

 

- التأثير على الاستقرار والأمن القومي

 

شدد استشاري الاقتصاد السياسي وسياسات الأمن القومي، على أن الخطورة القصوى للشائعات تكمن في استغلالها لـ "نقاط الضعف الحقيقية" في الدولة أو النظام أو المؤسسة. فعندما يمر المجتمع بضغوط اقتصادية، تعمل الشائعات على مضاعفة حالة القلق الشعبي عبر تزييف الحقائق حول القرارات الاقتصادية مثل "سياسات الدعم أو زيادة الأسعار، لتحقيق الأغراض التالية:

- زعزعة الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة أو الرموز الوطنية.

- إثارة البلبلة ودفع المجتمع إلى حالة من الغضب غير المبرر قد تؤدي إلى خروج الأفراد عن إطار الأمن والسلامة المجتمعية.

- التضليل الاقتصادي، حيث أن لا الشائعات لا تقتصر على السياسة، بل تمتد لتشويه سمعة المنتجات الوطنية أو الشركات، مما يضر بالاقتصاد القومي.

 

- المنهجية في المواجهة

 

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور مدحت الشريف أن مواجهة هذا التهديد الاستراتيجي تتطلب آلية علمية مجربة، لأنه لا يمكن مواجهة العمليات النفسية المنظمة بعفوية، بل بآليات استباقية تعتمد على الشفافية وتدفق المعلومات الحقيقية من مصادرها الرسمية لسد الفراغ الذي تتسلل منه الشائعات.

وشدد على ضرورة بناء وعي المجتمعي، وبناء جيل قادر على التفكير النقدي والتمييز بين المحتوى المضلل، والحقائق، من خلال فهم كيف تُدار هذه الحروب وكيف يتم "تسميم" الحقائق لإحداث أثر سلبي.

 

- خارطة طريق لتحصين الدولة ضد حرب الشائعات

 

انتقل الدكتور مدحت الشريف إلى طرح "الروشتة العلمية" لمواجهة حرب الشائعات، مؤكداً أن التصدي لهذا التهديد يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تعيد بناء جسور الثقة بين المواطن والدولة عبر ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً الشفافية المطلقة وتدفق المعلومات، ونشر الحقائق، فهو سلاح الدولة الأول في مواجهة الشائعات، فالمجتمعات التي تُدار بوضوح لا تترك فراغاً للمضللين لنسج الأكاذيب.

وطالب بضرورة إصدار نشرات حقائق دورية وموثقة، ترد على ما يثار من أكاذيب، شريطة أن تكون هذه الردود واقعية، تعترف بالخطأ إن وُجد، ولا تكتفي بـ "تجميل" الواقع.

كما شدد على ضرورة خضوع المسؤولين لدورات تأهيل سياسي، لتجنب الارتجال في التصريحات التي غالباً ما تفتقر للمحددات الواضحة وتفتح ثغرات يستغلها المتربصون لتشويه صورة الدول.

 

اقرأ ايضا| ضحايا السوشيال ميديا.. كيف تصنع المنصات أزمة الثقة في النفس؟

 

أكد "الشريف" أن الثقة في الدولة مرتبطة بشكل عضوي بجودة وكفاءة مؤسساتها، مشيرًا إلى أن السلطة التشريعية "البرلمان" بمثابة حائط الصد الأول، مؤكدًا أنه بدون برلمان قوي يعبر عن نبض الشعب، لن يجد المواطن فيه صوتاً يثق به، مما يدفعه للبحث عن بدائل "حتى لو كانت مضللة".

 

- الذكاء الاصطناعي.. تحدي "التزييف العميق"

 

أشار الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إلى أن ثورة الذكاء الاصطناعي ضاعفت من خطورة هذا المشهد؛ إذ أصبحت التقنيات الحديثة تتيح إنتاج مقاطع فيديو وصوتيات مفبركة بدقة متناهية، لدرجة إمكانية تزييف خطابات كاملة لكبار المسؤولين ورؤساء الدول. وأكد أن هذا النوع من "التزييف العميق" يهدف في جوهره إلى هدم الثقة بين الجمهور والمؤسسات أو القيادات السياسية، مما يؤدي إلى حالة من البلبلة العامة.

وشدد على وجود أجندات واضحة لجهات داخلية وخارجية تترصد بمصر ونظامها السياسي. هذه الجهات، تسخر إمكانياتها للتركيز على استهداف الأوضاع الداخلية، سواء في أبعادها السياسية أو الاقتصادية أو الخارجية، عبر حملات ممنهجة تهدف إلى إحداث عدم استقرار سياسي من خلال ترويج الشائعات وتضليل الرأي العام.

 

- "الوعي" هو حائط الصد الأخير

 

وحول معالجة هذه المعضلة، أقر الدكتور أحمد بأن حجب منصات التواصل الاجتماعي أصبح أمراً مستحيلاً وغير واقعي في ظل التطور التقني الحالي. وبدلاً من المنع، دعا إلى تبني استراتيجية تقوم على ركيزتين أساسيتين:

- تعزيز الوعي العام كأداة دفاعية أولى، موضحاً أن الرئيس السيسي يولي هذه القضية أولوية قصوى، نظراً لأن مستويات التلقي تختلف باختلاف الخلفيات الثقافية لقطاعات الجمهور، مما يجعل البعض أكثر عرضة للتأثر بالمحاولات المغرضة.

- تفعيل دور المؤسسات الرسمية بدورها الواجب في كشف الأكاذيب، والتصدي لحملات التشويه والتحريض عبر تقديم معلومات دقيقة وموثقة تقطع الطريق أمام المروجين للشائعات.

وأكد أن المواجهة الحقيقية لهذا الخطر تكمن في بناء "مناعة مجتمعية" تعتمد على الوعي المرتفع والشفافية المؤسسية، لضمان حماية استقرار الدولة من الحملات التي تستهدف زعزعة الثقة بين المواطن ووطنه.