إسلام عفيفى يكتب: غموض الحرب..وروايات النصر

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


أخطر ما فى الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أنها ليست حربًا واضحة الهدف، واضحة المسار، واضحة النهاية، هذه حرب تُقدّم نفسها كل يوم برواية جديدة: مفاوضات تتقدم، ثم قصف يبدأ، حشد عسكرى يوحى بأن تدخلًا أكبر يقترب، ثم هدنة تظهر فجأة. ترامب يقول إن الأهداف تحققت إلى حد كبير، وإيران تدخل التفاوض وهى تتحدث عن «سلام دائم» بشروط وتعويضات وضمانات، بينما تواصل إسرائيل فتح جبهات أخرى كأن الحرب انتهت على جبهة وبدأت من جديد على جبهة ثانية، وحين يعلن كل طرف أنه انتصر، فالأرجح أننا لا نكون أمام نصر مكتمل، بل أمام غموضٍ لم يُحسم سياسيًا بعد.

الذين يبحثون عن خط مستقيم فى هذه الأزمة لن يجدوه، لأن الغموض فيها ليس عرضًا جانبيًا؛ الغموض هو أحد أدوات إدارتها، ما الذى يعنيه أن تكون هناك وساطات نشطة وخطط وقف إطلاق نار واتصالات غير مباشرة، ثم يبقى التهديد العسكرى قائمًا إلى آخر لحظة؟ معناه أن الحرب والدبلوماسية لم تعودا طريقين متوازيين، بل صارتا أداتين فى المسار نفسه، رويترز ذكرت فى فبراير أن واشنطن وطهران اتفقتا على محادثات فى عُمان رغم استمرار التوترات ووجود خلافات جوهرية حول الشروط والملفات، ثم عادت لاحقًا لتوثق أن خطة لوقف الأعمال القتالية وفتح هرمز كانت تُعرض على الطرفين، قبل أن يُعلن ترامب بعد ذلك وقفًا مؤقتًا للقصف لمدة أسبوعين لأنه اعتبر المقترح الإيرانى «أساسًا قابلًا للعمل» هذا ليس تذبذبًا بسيطًا فى المواقف؛ هذا يعنى أن التفاوض كان يُستخدم تحت ظل الحرب، والحرب كانت تُستخدم لإعادة تشكيل شروط التفاوض.

ومن هنا يظهر السؤال الأهم: هل كانت المفاوضات والوساطات اللاحقة طريقًا جادًا إلى تسوية، أم مجرد مساحة لشراء الوقت وتثبيت المواقع وتحسين شروط الجولة التالية؟ فى رأيي، الطرفان معًا تعاملا مع المفاوضات باعتبارها أداة تموضع لا أداة ثقة. إيران أرادت أن تبقى باب السياسة مفتوحًا كى لا تُعزل أخلاقيًا ودوليًا، وكى تظهر أنها لا ترفض الحوار من حيث المبدأ وواشنطن أرادت أن تبقى القناة قائمة لأنها تحتاج أن تقول للعالم وللداخل الأمريكى إنها لم تهجر الدبلوماسية، حتى وهى تحشد وتلوح وتضرب ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتجاور فى المشهد نفسه ثلاث صور: وسطاء يتحدثون عن تقدم، عسكريون يتحدثون عن جاهزية لاستئناف القتال، ورئيس أمريكى يتحدث عن هدنة مؤقتة قابلة للانهيار إذا لم تُفتح المضائق وتُنفذ الشروط هذه ليست سياسة تدرجية؛ هذه سياسة السيناريوهات المفتوحة و ضبابية فى المشهد محسوبة جيدا.

الأزمة هنا أعمق من مجرد تضارب تصريحات؛ إنها أزمة فى تعريف الحرب نفسها، ماذا تريد واشنطن تحديدًا؟ هل الهدف منع إيران من تهديد الملاحة؟ أم إجبارها على اتفاق جديد؟ أم إنهاء قدرة بعينها؟ أم فقط الخروج بصورة «رئيس حسم الأزمة ولم يغرق فى مستنقع»؟ رويترز تحدثت فى مارس عن شدٍّ داخل البيت الأبيض حول «كيف ومتى يعلنون النصر» بينما الحرب نفسها لم تكن قد أنتجت بعد نهاية واضحة، وهو تفصيل بالغ الدلالة، لأن الدولة التى تدخل حربًا ثم يبدأ جدالها الداخلى حول صياغة الخاتمة قبل أن تستقر الخاتمة نفسها، تكشف أن المشكلة ليست فقط فى الخصم، بل فى تقدير الموقف داخل الجبهة الواحدة لما تعتبره إنجازًا أصلًا.

ولهذا يبدو مفهوم «النصر» فى هذه الحرب هشًا ومائعًا، ترامب قدم تعليق القصف على أنه خطوة من موقع القوة، قائلاً إن معظم الأهداف قد تحققت وإن المقترح الإيرانى صالح للبناء عليه، إيران فى المقابل لم تتحدث كطرف مستسلم، بل كطرف يضع شروطًا للسلام الدائم: وقف الضربات فورًا، وضمان عدم تكرارها، وتعويضات، وحق فى تنظيم المرور بهرمز وفق ترتيبات جديدة، حين يقف طرفان بعد هذه الحرب ليتحدث كل منهما من موقع «الطرف الذى فرض منطقه»، فمعنى ذلك أن لا أحد منهما حصل على صورة النصر الكلاسيكية: لا استسلام واضح، ولا اتفاق نهائي، ولا انهيار كامل لخصمه، لهذا أقول إن ما نشهده ليس نصرًا بقدر ما هو صراع على امتلاك رواية النصر.

والأخطر أن هذا الصراع على الرواية لا يبقى فى مستوى الخطاب، بل يؤثر على استقرار ما بعد الحرب لأن الهدنة حين تبدأ فجأة، بعد كل هذا التصعيد والحشد والحديث عن الحسم، لا تبدو كخاتمة ناضجة بقدر ما تبدو كـوقف مؤقت لعجزٍ متبادل عن الذهاب أبعد، الولايات المتحدة أرادت أن تتجنب التورط الطويل وتمنع انفجارًا دائمًا فى أسعار الطاقة وتعطلًا مستمرًا فى هرمز يضرب الداخل الأمريكى والحلفاء معًا وإيران أرادت أن تخرج من ضغط الحرب إلى مساحة تفاوض من دون أن تظهر مهزومة بالكامل وبين هذين الدافعين وُلدت هدنة لا تبدو ثمرة ثقة، بل ثمرة خوفٍ متبادل من تكلفة الاستمرار ولهذا السبب تحديدًا تبدو الهدنة هشة: لأنها لا تقوم على حلٍّ واضح، بل على تعليق الصدام لأن كلفته تجاوزت راحة الاستمرار فيه.

ما يزيد المشهد غموضًا أن الحرب لم تعد أمريكية - إيرانية فقط، بل أصبحت أزمة أطلسية وخليجية وآسيوية فى الوقت نفسه، رويترز نقلت أن الناتو نفسه يعانى من التوترات حول هرمز، وأن حلفاء أوروبيين لم يخفوا انزعاجهم من أسلوب القرار الأمريكى الأحادى حتى مع وجود هدنة، كما أن دولًا كألمانيا وبريطانيا وفرنسا ربطت أى مساهمة فى تأمين هرمز بوقف إطلاق نار مستقر وضمانات قانونية وسياسية. هذا يعنى أن الحلفاء أنفسهم لم يكونوا يتحركون داخل رواية واحدة مع واشنطن، بل داخل حسابات أكثر حذرًا وعندما تنفصل رواية الحلفاء عن رواية الطرف القائد، يزداد الغموض لأن الحرب لا تعود تُدار بإيقاع موحد، بل بإيقاعات متعددة يخاف كل منها من ارتداد مختلف.

وفى رأيي، هذا هو المعنى الأعمق للحرب الحالية: إنها لا تكشف فقط عن صراع قوة، بل عن أزمة يقين. الولايات المتحدة قادرة على الحشد والضرب والضغط، لكنها ليست قادرة على تقديم رواية مستقرة تقنع الحلفاء والداخل معًا بأن الطريق واضح، وإيران قادرة على الصمود والتفاوض تحت النار ورفع كلفة الحرب، لكنها ليست قادرة على تحويل هذا الصمود إلى ترتيب دائم يضمن لها الخروج من الدائرة نفسها ولذلك تُنتج الحرب غموضًا دائمًا: لأن كل طرف يريد أن يُبقى الباب مفتوحًا لشيئين متناقضين فى وقت واحد-أن يبدو قويًا بما يكفى ليُحسب له الحساب، وأن يبقى مرنًا بما يكفى كى لا يُغلق باب التفاوض.

الخلاصة أن الحرب بين واشنطن وطهران لم تعد مجرد مواجهة على الأرض، بل أصبحت مواجهة على تفسير ما جرى أصلًا وهذا أخطر من التضارب الإعلامى العادي، لأن الحروب التى تختلف فيها الروايات بهذا الشكل تكون غالبًا حروبًا لم تنجز هدفها السياسى بعد قد يهدأ القصف، وقد تتوقف الطائرات مؤقتًا، لكن ما دام كل طرف يروى القصة كأنه انتصر وحده، فمعنى ذلك أن القصة نفسها لم تصل إلى نهايتها وما دام الغموض هو اللغة المشتركة بين الحرب والهدنة، فالمؤكد أن المنطقة لم تغادر الأزمة هى فقط انتقلت من فصل النار إلى فصل انتظار النسخة التالية من الرواية.