فى ذكراه الخمسين .. النقشبندى صوت من السماء

ذكري النقشبندى
ذكري النقشبندى


 خمسون عاما مرت على رحيل أيقونة الابتهال والمدرسة الصوفية الشيخ سيد النقشبندى، لكن صوته لم يرحل، ولم يهدأ، ولم يتحول إلى مجرد تسجيلات أرشيفية. لا يزال حاضرا فى ليالى رمضان، فى قلوب العاشقين، فى المقامات التى تحلق بين الأرض والسماء، وفى وجدان أجيال لم تعاصره، لكنها أحبته كما لو كان بينهم.

ولد الشيخ سيد محمد النقشبندى عام 1920 بقرية دميرة فى محافظة الدقهلية، وانتقل صغيرا إلى طهطا فى سوهاج، حيث تلقى تعليمه الأزهرى وحفظ القرآن الكريم.

ثم استقر فى طنطا عام 1955، حيث اتسعت شهرته، وأصبح مؤذنا وقارئا فى مسجد سيدى سالم المغربى، المجاور لمسجد السيد البدوى.

نشأ فى بيت صوفى، فجده قدم من أذربيجان للدراسة فى الأزهر وكان شيخ الطريقة النقشبندية، امتلأت أذناه بأصوات القراء والمدّاحين، وراح يحفظ الشعر حتى قيل إنه كان يحفظ عشرة آلاف بيت.اللافت أنه التحق بمدرسة تحسين الخطوط، وكان يدون يومياته بخط جميل فى مفكرات، مرددا عبارته الشهيرة: امن لم يمتلك مفكرة فلا تستقيم حياتهب.

بدأ النقشبندى أداءه فى المناسبات الدينية والموالد والحضرات الصوفية، قبل أن يلتقى بالإذاعى أحمد فراج فى مسجد الحسين بالقاهرة، ويسجل معه حلقات برنامج زفى رحاب اللهس، وهو ما شكل نقطة انطلاقه فى الإذاعة، خاصة فى شهر رمضان، تميز صوته بقوة ونبرة متسقة بين الميتزو سوبرانو والسوبرانو، وهو نطاق صوت غير مألوف بين المبتهلين، وقد كان قادرا على الانتقال بسلاسة بين المقامات الصوتية المختلفة، مما جعله يُعرف بـزصوت السماءس أو االقيثارة الصوتيةب.

"مولاى أيقـــونــة الابتـهالات"

أحد أكثر الابتهالات ارتباطا بشهر رمضان، وقد بدأ التعاون بين النقشبندى والموسيقار بليغ حمدى فيه قبل أن يمتد لابتهالات أخرى. 

يبدأ الابتهال بصورة صوتية خالية من الإيقاع الواضح، ليمنح النقشبندى مساحة للتلون الحر داخل المقامات الصوتية. الانتقالات بين النغمات لا تلتزم بإيقاع ثابت، مما يعطى إحساسا بالانسيابية والارتجال. 

التحولات الصوتية تتماشى مع المقامات الشرقية التى تستند إلى الحجاز أو البياتى غالبًا، وهى مقامات تمنح صوت النقشبندى المجال للصعود والهبوط فى نطاق صوتى واسع ما يُشبه فى الأداء بين تقريبًا الميتزو سوبرانو والسوبرانو فى التفسير الغربى  مما يمنحه قوة عالية ووَسعًا فى الأداء الصوتى. . لحن بليغ حمدى، رغم أنه من عالم الموسيقى “الغنائية”، إلا أنه لم يقيّد النقشبندى بنغمة واحدة. بدلاً من ذلك، وضع إطارا لحنيا عاما يسمح للصوت بالتحرك ارتجاليًا والارتقاء بما يشبه “فتحات صوتية” داخل نفس الفقرة. هذا هو السبب فى أن الابتهال يشعر وكأنه دعاء منفلت من قيود الزمن والصوت. . اأشرق المعصومب  أنشودة النور ابتهال آخر من سلسلة الابتهالات التى لحنها بليغ حمدى للنقشبندى، ويعتبر من الأعمال التى تستفيد من بناء لحنى أوسع.

مقارنة بـ امولاىب، يظهر اأشرق المعصومب دخولا أقوى فى سلم لحنٍ مرتبط أكثر بنبرة المقامات التقليدية دون أن يخلو من الحرية الصوتية. المقام هنا قد يميل إلى رست أو حجاز كار (حسب النسخ المتداولة)، مما يمنح النص الشعورى عمقا أكبر. . هنالك بداية أقوى وأعلى قوة صوت من النقشبندى، وسمتها الصوتية أكثر وضوحا، وترتبط بأعلى النغمات فى نهاية كل جملة لحنية، مما يعطى إحساسا بالصعود المستمر نحو “الضوء” أو “النور” وهو العنوان الحرفى والروحى للابتهال. 

على الرغم من وجود لحن أساسى، إلّا أن النقشبندى يظل حرا فى التحول الصوتى فى نهاية كل عبارة، فيقوم بتوسيع النغمات أو تدويرها جذريا وهو ما يميز الأداء الصوتى الشرقى عن النموذج الغربى الأكثر تحديدا وثباتا فى الإيقاع. . اأيها الساهرب  تداعٍ بين الليل والله ابتهال طويل نسبيا، يرتبط بلحظة السهر والسؤال، يبدأ الابتهال بطابع تقليدى ينتمى إلى المقامات الشرقية القديمة قبل أن يتوسع تدريجيا، وهو ما يمنح المستمع إحساسا بأن الابتهال “يستيقظ” كما يستيقظ الليل  شيئا فشيئا، حتى يصل إلى ذروة صوتية قرب المنتصف. . على عكس امولاىب واأشرق المعصومب، يحافظ هذا الابتهال على تكرار لحنٍ أساسى أطول، ويتكرر فى الجمل الصوتية الرئيسية مما يشبه شكل الفتحة الموسيقية المتكررة التى تمنح النص طابعًا تأمليًا أطول. . النقشبندى يستخدم مساحات صوتية واسعة فى هذا العمل، حيث يرتفع ثم يعود ثم يصعد فى خطوط متدرجة، وهو ما يُفهَم فى السياق الموسيقى الشرقية على أنه “الحوار مع الذات والرب” خلال لحظات السهر والطاعة.

"هرم الإنشاد" فى معرض الكتاب

ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولى للكتاب احتضن الصالون الثقافى ببلازا 2 احتفالية خاصة بعنوان: انصف قرن على صوت القرآن الشيخ النقشبندىب، فى لحظة بدت كأنها استعادة رسمية لصوتٍ لم تغب أصداؤه يومًا.

الندوة أدارتها الناقدة الموسيقية الدكتورة إيناس جلال الدين، وشارك فيها: الشيخ طه الإسكندرانى مدرب المقامات، والدكتور عمرو ناجى، أستاذ الغناء العربى والعميد الأسبق للمعهد العالى للموسيقى العربية والمنشد محمد الجعفرى.

وقال الدكتور عمرو أن الحديث عن النقشبندى هو حديث عن امدرسةب، موضحا أن مدرسة الإنشاد وقراءة القرآن هى المرجعية الأساسية لكل من يريد أن يستخدم صوته فى الغناء.

وأشار إلى أن سر تميز الشيخ سيد النقشبندى يكمن فى “رنة صوته” الفريدة، وقدرته المذهلة على الانتقال بين  المقامات، مؤكدا أن الله حباه برنين خاص يخترق القلب قبل الأذن.

وقال ناجى إن صوت النقشبندى كان مؤثرا إلى درجة أن الشباب المسيحيين كانوا يرددون خلفه ايا ربب بمجرد أن ينطقها، معتبرا أن الشيخ “هرم على مستوى الصوت”، لا يقاس بالمقاييس التقليدية.

وتوقف عند تجربة “مولاى”، موضحًا أن ذكاء الموسيقار بليغ حمدى تمثل فى أنه لم يقيد الشيخ بنوتة موسيقية جامدة، بل وضع له جملة لحنية تمنحه مساحة الارتجال والـافتحب، وهو ما جعل العمل حيًا حتى اليوم.

كما أشار إلى وجود تسجيلات نادرة غير متداولة، واصفا إياها بأنها اذخائر صوتيةب ينبغى الكشف عنها.

كان يصعد إلى السماء

ومن جانبه أكد الشيخ طه الإسكندرانى أن النقشبندى لم يكن كثير التنقل بين المقامات بمعناها الأكاديمى، لكنه كان قادرا على الصعود أوكتافا أو اثنين بسهولة مدهشة، وهى قدرة لا يملكها إلا أصحاب الأصوات الاستثنائية.

وأوضح أن الشيخ لم يكن دارسا أكاديميا للموسيقى، لكنه كان موهوبا بالفطرة، عاش مع النص أكثر مما انشغل بالبناء اللحنى، وكان إحساسه بالشعر عميقًا لأنه كان محبًا له وكاتبًا له.

وأضاف أن النقشبندى جاء من الصعيد إلى طنطا، حيث وجد البيئة الصوفية الثرية حول مقام السيد البدوى، وهناك تشكل وجدانه الصوتى، حتى أصبح المبتهل الوحيد تقريبًا الذى غطى جميع المناسبات الدينية الكبرى.

ثنائية‭ ‬الشيخ‭ ‬وبليغ 

قصة‭ ‬لقاء‭ ‬بليغ‭ ‬حمدى‭ ‬والشيخ‭ ‬سيد‭ ‬النقشبندى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أغرب‭ ‬وأجمل‭ ‬الصدف‭ ‬فى‭ ‬تاريخ‭ ‬الفن‭ ‬المصرى،‭ ‬فهى‭ ‬بدأت‭ ‬بـ”أمر‭ ‬رئاسى”‭ ‬وانتهت‭ ‬بـ”صداقة‭ ‬وعبقرية”‭ ‬غيرت‭ ‬شكل‭ ‬الابتهال‭ ‬الدينى‭ ‬للأبد‭.‬

فى‭ ‬عام‭ ‬1972‭ ‬ـ‭ ‬خلال‭ ‬حفل‭ ‬خطوبة‭ ‬ابنة‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬ـ‭ ‬كان‭ ‬بليغ‭ ‬حمدى‭ ‬والنقشبندى‭ ‬حاضرين‭ ‬السادات،‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬يعشق‭ ‬صوت‭ ‬النقشبندى‭ ‬وذكاء‭ ‬بليغ‭ ‬الموسيقى‭ ‬قال‭ ‬لهما‭:‬

ايا‭ ‬بليغ،‭ ‬عايزين‭ ‬نسمع‭ ‬الشيخ‭ ‬النقشبندى‭ ‬بألحانكب‭.‬

هنا‭ ‬بدأت‭ ‬المشكلة‭ ‬فالنقشبندى‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬“مداحاً‭ ‬للرسول”‭ ‬وله‭ ‬وقار‭ ‬دينى،‭ ‬وبليغ‭ ‬هو‭ ‬املك‭ ‬الألحان‭ ‬الراقصةب‭ ‬والعاطفية،‭ ‬فكيف‭ ‬يجتمعان؟

الشيخ‭ ‬النقشبندى‭ ‬كان‭ ‬مرعوبا‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬يلحن‭ ‬له‭ ‬بليغ‭ ‬الحناً‭ ‬راقصاًب‭ ‬يفسد‭ ‬تاريخه‭ ‬الدينى‭. ‬لجأ‭ ‬لصديقه‭ ‬الإذاعى‭ ‬وجدى‭ ‬الحكيم‭ ‬وقال‭ ‬له‭ ‬ايا‭ ‬وجدى،‭ ‬بليغ‭ ‬هيعمل‭ ‬لى‭ (‬لحن‭ ‬خفيف‭) ‬وأنا‭ ‬راجل‭ ‬منشد،‭ ‬ده‭ ‬مش‭ ‬مقامىب‭.‬

اتفق‭ ‬معه‭ ‬وجدى‭ ‬الحكيم‭ ‬على‭ ‬خطة‭ ‬اسندخل‭ ‬الأستوديو،‭ ‬إذا‭ ‬أعجبك‭ ‬اللحن‭ ‬اخلع‭ ‬عمامتك،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يعجبك‭ ‬أبقِ‭ ‬عليها‭ ‬وسنعتذر‭ ‬له‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬اللحن‭ ‬لا‭ ‬يناسب‭ ‬صوتكب‭.‬

دخل‭ ‬بليغ‭ ‬والنقشبندى‭ ‬الاستوديو،‭ ‬وبعد‭ ‬دقائق‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬استماع‭ ‬الشيخ‭ ‬للنقاط‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬لحن‭ ‬امولاى‭ ‬إنى‭ ‬ببابكب،‭ ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتوقعه‭ ‬أحد،‭ ‬وجدى‭ ‬الحكيم‭ ‬دخل‭ ‬الغرفة‭ ‬ليجد‭ ‬النقشبندى‭ ‬قد‭ ‬خلع‭ ‬عمامته‭ ‬وجبته‭ ‬وهو‭ ‬فى‭ ‬حالة‭ ‬سلطنة‭ ‬وذهول،‭ ‬وقال‭ ‬لوجدى‭ ‬ايا‭ ‬وجدى،‭ ‬بليغ‭ ‬ده‭ ‬جن‭!‬ب‭.‬

بليغ‭ ‬حمدى‭ ‬لم‭ ‬يغير‭ ‬وقار‭ ‬النقشبندى،‭ ‬بل‭ ‬أعطاه‭ ‬اهيبة‭ ‬موسيقيةب‭ ‬جديدة،‭  ‬استخدم‭ ‬بليغ‭ ‬االكورالب‭ (‬المجموعة‭) ‬خلف‭ ‬الشيخ‭ ‬بطريقة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬معهودة‭ ‬فى‭ ‬الابتهالات،‭ ‬جعل‭ ‬اللحن‭ ‬يلامس‭ ‬القلب‭ ‬مباشرة‭ ‬دون‭ ‬تعقيد،‭ ‬ليصبح‭ ‬االسهل‭ ‬الممتنعب‭.  ‬أنتجا‭ ‬معاً‭ ‬6‭ ‬ابتهالات‭ ‬تاريخية‭ (‬أشهرها‭ ‬مولاى،‭ ‬أشرق‭ ‬القول،‭ ‬أقول‭ ‬أمتى‭).‬

على‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يشاع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تعاونه‭ ‬مع‭ ‬بليغ‭ ‬حمدى‭ ‬هو‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬فقد‭ ‬سبقه‭ ‬تعاون‭ ‬مع‭ ‬محمد‭ ‬الموجى،‭ ‬وحلمى‭ ‬أمين،‭ ‬وأحمد‭ ‬فؤاد‭ ‬حسن،‭ ‬وغيرهم‭.‬

وكان‭ ‬النقشبندى‭ ‬قد‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬غنى‭ ‬رباعيات‭ ‬الخيام‭ ‬التى‭ ‬شدت‭ ‬بها‭ ‬أم‭ ‬كلثوم،‭ ‬وأعجب‭ ‬بصوتها‭ ‬وصوت‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬عبد‭ ‬الحليم‭ ‬حافظ‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬المعجبين‭ ‬به‭.‬

أم‭ ‬كلثوم،‭ ‬التى‭ ‬لقبته‭ ‬بـاصوت‭ ‬السماءب‭ ‬زارت‭ ‬بيته‭ ‬فى‭ ‬طنطا،‭ ‬وسعت‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬مشترك‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭.‬

الفرقة‭ ‬الماسية‭ ‬خلفه

فى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬اللحظات‭ ‬النادرة‭ ‬التى‭ ‬توثق‭ ‬زمنا‭ ‬لن‭ ‬يتكرر‭ ‬تظهر‭ ‬صورة‭ ‬للشيخ‭ ‬سيد‭ ‬النقشبندى،‭ ‬وخلفه‭ ‬الفرقة‭ ‬الماسية‭ ‬بقيادة‭ ‬الموسيقار‭ ‬أحمد‭ ‬فؤاد‭ ‬حسن،‭ ‬الذى‭ ‬قاد‭ ‬الفرقة‭ ‬فى‭ ‬حفلات‭ ‬“أضواء‭ ‬المدينة”‭ ‬بالزقازيق‭ ‬ودمنهور‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المحافظات‭.‬

الصورة‭ ‬التى‭ ‬تُنشر‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭  ‬أهدتها‭ ‬أسرة‭ ‬الحاج‭ ‬حميدو‭ ‬إبراهيم‭ ‬أبو‭ ‬زيد،‭ ‬أحد‭ ‬أصدقاء‭ ‬الشيخ‭ ‬فى‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬خلال‭ ‬لقاء‭ ‬جمعنى‭ ‬بالدكتور‭ ‬علاء‭ ‬حميدو‭ (‬رحمه‭ ‬الله‭) ‬والدكتور‭ ‬عادل‭ ‬حميدو‭ (‬حفظه‭ ‬الله‭). ‬ليست‭ ‬صورة‭ ‬عادية‭ ‬إنها‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬تختصر‭ ‬زمنا‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الابتهالات‭ ‬تقدم‭ ‬على‭ ‬مسارح‭ ‬كبرى،‭ ‬وسط‭ ‬جمهور‭ ‬ينتظر‭ ‬امولاىب‭ ‬كما‭ ‬ينتظر‭ ‬قصيدة‭ ‬طربية‭ ‬خالدة‭.‬كان‭ ‬النقشبندى‭ ‬يقف‭ ‬بثبات،‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬سوى‭ ‬صوته‭ ‬وصوته‭ ‬وحده‭ ‬كان‭ ‬يكفى‭.‬

تجربة‭ ‬لم تر‭ ‬النور

قلة‭ ‬يعلمون‭ ‬أن‭ ‬للنقشبندى‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬بعنوان‭ ‬االطريق‭ ‬الطويلب،‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬تمثيلا‭ ‬وغناء،‭ ‬وبدأ‭ ‬تصويرها‭ ‬فى‭ ‬ااستوديو‭ ‬مصرب‭ ‬عام‭ ‬1969،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬بسبب‭ ‬وفاة‭ ‬المخرج‭. ‬بقيت‭ ‬التجربة‭ ‬طى‭ ‬الغياب،‭ ‬كما‭ ‬بقيت‭ ‬تسجيلات‭ ‬نادرة‭ ‬لم‭ ‬تُذع‭ ‬إلا‭ ‬لاحقًا،‭ ‬بعضها‭ ‬أُعيد‭ ‬تقديمه‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭ ‬بصياغة‭ ‬موسيقية‭ ‬وضعها‭ ‬عمار‭ ‬الشريعى‭.‬

قريبًا على‭ ‬الوثائقية

تزامنا‭ ‬مع‭ ‬الذكرى‭ ‬الخمسين‭ ‬لرحيله،‭ ‬أعلن‭ ‬قطاع‭ ‬الإنتاج‭ ‬الوثائقى‭ ‬بشركة‭ ‬المتحدة‭ ‬للخدمات‭ ‬الإعلامية‭ ‬إنتاج‭ ‬الفيلم‭ ‬الوثائقى‭ ‬اسيرة‭ ‬النقشبندىب،‭ ‬وعرضه‭ ‬قريبًا‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬الوثائقية‭.‬

الفيلم‭ ‬يوثق‭ ‬مسيرة‭ ‬الشيخ‭ ‬منذ‭ ‬نشأته‭ ‬وتأثره‭ ‬بالتصوف،‭ ‬مرورًا‭ ‬بمحطات‭ ‬احترافه‭ ‬لفنون‭ ‬الابتهال،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬تعاونه‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬الموسيقيين،‭ ‬كما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تسجيلات‭ ‬نادرة‭ ‬تُذاع‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬وصور‭ ‬خاصة،‭ ‬ومفكرة‭ ‬كتبها‭ ‬بخط‭ ‬يده‭ ‬ومن‭ ‬المفاجآت‭ ‬التى‭ ‬يكشفها‭ ‬العمل‭ ‬تفاصيل‭ ‬تجربته‭ ‬السينمائية‭ ‬التى‭ ‬حملت‭ ‬اسم‭ ‬الطريق‭ ‬الطويل،‭ ‬والتى‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬إلى‭ ‬النور،‭ ‬لتظل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬المحطات‭ ‬الغامضة‭ ‬فى‭ ‬حياته‭.‬

حلم‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬رواية

ارأيت‭ ‬فى‭ ‬المنام‭ ‬أننى‭ ‬فى‭ ‬طنطا‭ ‬فى‭ ‬طريقى‭ ‬لزيارة‭ ‬مقام‭ ‬السيد‭ ‬البدوى،‭ ‬فشعرت‭ ‬بأنها‭ ‬علامةب‭.‬هكذا‭ ‬روت‭ ‬الكاتبة‭ ‬الشابة‭ ‬رحمة‭ ‬ضياء‭ ‬بدايتها‭ ‬مع‭ ‬رواية‭ ‬حملت‭ ‬اسم‭ ‬االنقشبندىب‭.‬

مدينة‭ ‬طنطا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬محطة‭ ‬جغرافية‭ ‬فى‭ ‬حياته،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬قدره‭. ‬هناك‭ ‬عاش،‭ ‬وهناك‭ ‬جاور‭ ‬مقام‭ ‬السيد‭ ‬البدوى،‭ ‬أحد‭ ‬أقطاب‭ ‬الصوفية‭ ‬فى‭ ‬مصر،‭ ‬والذى‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬فى‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبى‭ ‬بعبارة‭ ‬اشى‭ ‬لله‭ ‬يا‭ ‬سيد‭ ‬يا‭ ‬بدوىب‭.‬

تقول‭ ‬رحمة‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬زيارة‭ ‬الأولياء،‭ ‬لكن‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬نطقت‭ ‬اسم‭ ‬النقشبندى‭ ‬شعرت‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬فى‭ ‬استبداله‭ ‬باسم‭ ‬آخر،‭ ‬وكأن‭ ‬الحلم‭ ‬كان‭ ‬إشارة‭.‬

الرواية‭ ‬فازت‭ ‬بجائزة‭ ‬الأديب‭ ‬خيرى‭ ‬شلبى‭ ‬فى‭ ‬دورتها‭ ‬الثانية،‭ ‬لكنها‭ ‬أثارت‭ ‬جدلا‭ ‬واسعا،‭ ‬إذ‭ ‬اعترضت‭ ‬الأسرة،‭ ‬كما‭ ‬اعترض‭ ‬المهندس‭ ‬رضا‭ ‬حسن‭ ‬جامع‭ ‬تراث‭ ‬الشيخ،‭ ‬معتبرين‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬نسبت‭ ‬إليه‭ ‬وقائع‭ ‬“مغلوطة”‭ ‬ولم‭ ‬تنل‭ ‬موافقة‭ ‬الأسرة،‭ ‬ورغم‭ ‬الجدل،‭ ‬تقول‭ ‬الكاتبة‭ ‬إن‭ ‬الرواية‭ ‬جذبت‭ ‬جيلًا‭ ‬جديدًا؛‭ ‬طفل‭ ‬فى‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬أخبرها‭ ‬فى‭ ‬معرض‭ ‬الكتاب‭ ‬أنها‭ ‬أول‭ ‬رواية‭ ‬يشتريها‭ ‬فى‭ ‬حياته‭.‬

هنا‭ ‬يتجلى‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬النقشبندى‭ ‬ملكٌ‭ ‬للتاريخ‭ ‬فقط‭ ‬أم‭ ‬ملكٌ‭ ‬للأجيال؟

اقرأ أيضا: شيخ الإبتهالات النقشبندي | صوت من السماء نقش حب الله في قلوبنا