تعود إلى ١٠ آلاف عام قبل الميلاد ..هضبة «أم عراك».. متحف طبيعى مفتوح

 شريف فتحى
شريف فتحى


فى قلب صحراء جنوب سيناء اكتشاف موقع أثرى جديد يعود إلى 10 آلاف عام قبل الميلاد، ويعد أبرز المواقع الأثرية ذات القيمة التاريخية والفنية الاستثنائية، والذى لم يكن معروفًا ومسجلا من قبل، ويحمل قيمة استثنائية تجمع بين الفن والحياة اليومية والبيئة الطبيعية ، ويُعرف باسم «هضبة أم عِراك» ، البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، والعاملة بمحافظة جنوب سيناء ، أعلنت عن هذا الاكتشاف العملاق الذى سيغير خريطة السياحة الثقافية فى العالم ويعيد رسم ملامح خريطة التراث المصرى .

وتقع الهضبة على بعد نحو ٥ كيلومترات شمال شرق معبد سرابيط الخادم ومناطق تعدين النحاس والفيروز، فى موقع استراتيجى يطل على مساحة واسعة تمتد شمالًا حتى هضبة التيه، ما يرجح استخدامه عبر العصور كنقطة مراقبة ومكان للتجمع والاستراحة.

وتوصلت البعثة إلى توثيق الموقع بالكامل، حيث يضم مأوى صخرى طبيعى التكوين من الحجر الرملى يمتد بطول يزيد على ١٠٠ متر على الجانب الشرقى للهضبة، ويتراوح عمقه بين مترين وثلاثة أمتار، بينما يتدرج ارتفاع سقفه من نحو متر ونصف إلى نصف متر.



اقرأ أيضًا| سرابيط الخادم.. «أرض الفيروز» تنتظر مكانها على خريطة السياحة

ويحتوى سقف المأوى على عدد كبير من الرسومات الصخرية المنفذة بالمداد الأحمر، تصور حيوانات وأنشطة صيد ورموزًا مختلفة، إلى جانب رسومات أخرى باللون الرمادى تم توثيقها لأول مرة، فضلًا عن نقوش منفذة بأساليب وتقنيات متعددة تعكس تنوعا حضاريا وفنيًا فريدا، هذا الكشف لا يمثل مجرد إضافة رقمية إلى قائمة المواقع الأثرية، بل يفتح نافذة واسعة على تاريخ إنسانى طويل، يمتد من عصور ما قبل التاريخ وحتى الفترات الإسلامية، موثقًا عبر نقوش ورسوم صخرية تُعد من الأغنى والأندر فى المنطقة.



دراسة ميدانية
وأظهرت الدراسة الميدانية أن أقدم الرسومات على سقف المأوى تعود إلى الفترة ما بين 10 آلاف و5500 عام قبل الميلاد، وتشمل مشاهد لصيادين يستخدمون القوس برفقة كلاب الصيد، فيما تضم المجموعات اللاحقة مناظر للجمال والخيل يمتطيها أشخاص يحملون أدوات الحرب، ويرافق بعضها كتابات نبطية، ما يعكس تفاعلات حضارية وثقافية متنوعة عبر العصور، كما أسفرت أعمال المسح عن أدوات حجرية وكسرات فخار يرجح تاريخ بعضها إلى عصر الدولة الوسطى، فيما يعود بعضها الآخر إلى العصر الروماني، تحديدًا القرن الثالث الميلادي، ما يؤكد استمرارية استخدام الموقع على مدى آلاف السنين.

تنوع زمنى

وأكد الدكتور هشام حسين، رئيس الإدارة المركزية لآثار الوجه البحرى ورئيس بعثة المجلس الأعلى للآثار، أن توثيق المأوى الصخرى كشف عن تنوع زمنى وتقنى استثنائي، ما يجعل الموقع متحفًا طبيعيًا مفتوحًا يربط بين الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية والرمزية للمجتمعات القديمة، وأضاف أن الموقع لم يكن مجرد مساحة فنية، بل مساحة حيوية للمعيشة المؤقتة، حيث أسفرت الأعمال الميدانية عن دلائل استخدامه كملجأ للبشر والماشية، مع تقسيمات حجرية ووحدات معيشية مستقلة وطبقات حريق، ما يعكس تكرار النشاط البشرى عبر فترات متعددة.

وأشار إلى أن الموقع يقع على بعد 5 كيلومترات شمال شرق معبد سرابيط الخادم ومناطق تعدين النحاس والفيروز، ويحتل موقعًا استراتيجيًا يطل على مساحة واسعة تمتد شمالًا حتى هضبة التيه، ما يرجح استخدامه كنقطة مراقبة ومكان تجمع واستراحة عبر العصور، كما أكد أن إرشاد أهالى المنطقة، وعلى رأسهم الشيخ ربيع بركات، كان له دور مهم فى دعم جهود البعثة والحفاظ على التراث الثقافى.

واستعرض حسين مراحل تقسيم النقوش والرسومات إلى مجموعات زمنية، من أقدمها المنفذة بالمداد الأحمر على سقف المأوى والتى تعود إلى الفترة ما بين 10 آلاف و5500 عام قبل الميلاد، وتشمل مشاهد للحياة اليومية والصيد، إلى مجموعات لاحقة تضم جمالًا وخيولًا يمتطيها أشخاص يحملون أدوات الحرب، مع كتابات نبطية وعربية توثق استمرار استخدام الموقع خلال الفترات الإسلامية المبكرة، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة ستتركز على استكمال التحليل العلمى والتوثيق الدقيق للنقوش والرسومات ووضع خطة حماية مستدامة لضمان بقاء الموقع مرجعًا علميًا وثقافيًا للأجيال القادمة.

تنوع خريطة الآثار

وفى الشق السياحي، أكد د. عاطف عبداللطيف، نائب رئيس جمعية مستثمرى مرسى علم وعضو مجلس إدارة جمعية مستثمرى جنوب سيناء، أن اكتشاف هضبة «أم عِراك» يمثل إضافة نوعية لخريطة الآثار المصرية، ويعكس ما تزخر به أرض سيناء من ثراء حضارى وإنسانى فريد، وأضاف أن هذا الاكتشاف يفتح آفاقًا جديدة أمام السياحة الثقافية ويعزز مكانة مصر على الخريطة العالمية لهذا النمط السياحي، مشيرًا إلى أن الموقع يشكل فرصة ذهبية لتنويع السياحة فى محافظة جنوب سيناء، من خلال دمج السياحة الشاطئية التقليدية مع الرحلات الثقافية والاكتشافية، بما يتيح للزائر تجربة متكاملة تجمع بين الاسترخاء على الشواطئ الخلابة، واستكشاف المواقع الأثرية، وفهم تاريخ الإنسان والفن عبر آلاف السنين.

وأوضح عبد اللطيف أن هذا النوع من المواقع يفتح المجال أمام برامج سياحية متخصصة، تشمل زيارات تعليمية وتاريخية، وتسليط الضوء على التراث المحلى ودور المجتمع فى الحفاظ على الحضارة، مما يعكس الطابع الفريد لسيناء ويزيد من قدرتها على استقطاب السياح الباحثين عن تجربة شاملة بين الطبيعة والثقافة، مؤكدا على أن تطوير الموقع سياحيًا سيدعم الاقتصاد المحلي، ويحفز الاستثمار فى السياحة الثقافية والأثرية، ويجعل من جنوب سيناء نموذجًا للسياحة المتكاملة التى تمزج بين التاريخ والفن والطبيعة الخلابة.

وتصبح هضبة «أم عِراك» واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية فى مصر الحديثة، تجمع بين المتحف الطبيعى المفتوح والتاريخ الحى للإنسان، وتشكل نافذة استثنائية لفهم التفاعل بين الإنسان وبيئته عبر آلاف السنين، كما تقدم فرصة غير مسبوقة لتطوير نموذج سياحى ثقافى متكامل يعزز مكانة جنوب سيناء على خريطة السياحة العالمية قال شريف فتحى وزير السياحة والآثار، إن هذا الاكتشاف يُعد إضافة نوعية مهمة لخريطة الآثار المصرية، حيث إنه يعكس ما تزخر به أرض سيناء من ثراء حضارى وإنسانى فريد، ويمثل دليلًا جديدًا على تعاقب الحضارات على هذه البقعة المهمة من أرض مصر عبر آلاف السنين، كما يؤكد استمرار جهود الوزارة فى أعمال البحث والكشف والتوثيق العلمى وفق أحدث المعايير الدولية، وأضاف الوزير أن هذا النوع من الاكتشافات يسهم فى تعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية، ويفتح آفاقًا جديدة أمام هذا النمط السياحى الهام.