فواصل

مصر - تركيا.. من منظور (الاتزان الاستراتيجى)

اسامة عجاج
اسامة عجاج


أعربت للوزير الأكثر نشاطًا، والأوفر كفاءة الدكتور بدر عبد العاطى، بحضور الصديق العزيز النابه إبراهيم مصطفى المحرر الدبلوماسى للأخبار، عن إعجابى الشديد بالجهد المتميز، الذى قامت به الخارجية المصرية، وإصدارها للكتاب الذى حمل عنوان (الاتزان الاستراتيجى ملامح السياسة الخارجية المصرية فى عشر سنوات)، والذى يقع فى ١٦٨ صفحة، عبر ثمانية فصول، تتضمن المقدمة التى تشرح مفهوم الاتزان الاستراتيجى، باعتباره عقيدة ثابتة للدبلوماسية المصرية، وثمانية فصول عن استعادة زمام المبادرة فى المحيط العربى، وعودة مصر إلى ريادتها إفريقيًا، ومن الجوار إلى الشراكة مع أوروبا، ورصد التحرك المصرى تجاه آسيا، وامتداد الشراكة مع أمريكا، والدور المصرى فى المنظمات الدولية ومتعددة الأطراف، فى إطار السعى لنظام دولى يسوده القانون والتعاون، ومكافحة الإرهاب، والتوقف عند مجالات جديدة للتحرك الدبلوماسى، منها الاقتصادية والبيئية، اللقاء تم على هامش الندوة التى شهدها معرض الكتاب، والتى تم تخصيصها لمناقشته الكتاب، أكدت للوزير على أن الكتب مرجع مهم للمهتمين بالشأن العام المصرى وعلاقاته بالخارج، وتوقفت معه عند عبقرية مصطلح (الاتزان الاستراتيجى)، وهو أكثر شمولًا من (الحياد أو التوازن) حيث تستشعر منه (بعدًا مضافًا) وهو (التعقل)، فأكد لى أن الرئيس عبد الفتاح السيسى هو صاحب المصطلح. 

ولعل الزيارة التى يقوم بها الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، هى من أفضل النماذج عن  ثمار سياسة (الاتزان)، وكما جاء فى كتاب الخارجية، فإن التحولات الكبرى التى شهدتها العلاقات المصرية التركية، فى السنوات العشر الأخيرة، تمثل نموذجًا ناجحًا للسياسة المصرية القائمة، على إبداء المرونة لتسوية الخلافات، دون المساس بالثوابت والأسس، التى تقوم عليها المواقف المصرية الخارجية، بعد تجاوز مرحلة الخلافات الحادة بين البلدين منذ ٢٠١٣، حتى وصلت إلى شراكة سياسية استراتيجية متنامية، بلغت ذروتها فى الزيارة التى قام بها الرئيس أردوغان إلى مصر منذ عام، وتحديدًا فى فبراير من العام الماضى، وجرى خلالها توقيع إعلان مشترك لإعادة إطلاق اجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى، ليصبح على مستوى رئاسة البلدين، وبعدها بدأت حوارات معمقة تجاه كافة القضايا الثنائية والإقليمية والدولية، وكانت الزيارة التى قام بها الرئيس السيسى إلى أنقرة فى سبتمبر من العام الماضى، قد فتحت صفحة جديدة فى تاريخ العلاقات، وتم خلالها عقد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجى، ومشاركة عدد كبير من كبار المسئولين والوزراء، حيث تم التوقيع على ١٥ مذكرة تفاهم، بما يعكس توافر إرادة سياسية فى تعزيز التعاون الثنائى فى العديد من المجالات.

وعلى نفس المستوى، فقد اختارت الدبلوماسية التركية التوقيت المناسب لإحياء سياسة (تصفير المشاكل)  هو بالمناسبة رؤية تركية منذ ربع قرن، مع عدد من الدول المحورية فى المنطقة، وفى القلب منها مصر، ومنها المملكة العربية السعودية والإمارات، وحتى مع دول جوار تركيا، فمنذ سنوات وهى تسعى إلى تطبيع علاقاتها مع القاهرة، وتم الإعراب عن ذلك بتصريحات معلنة على لسان كبار المسئولين الأتراك وفى مقدمتهم الرئيس أردوغان نفسه، والتى توافقت مع رغبة مصرية فى استعادة الزخم القديم لها، بعد إغلاق كافة الملفات العالقة، والتى تسببت فى خلق هذا التوتر فى العلاقات، وهو ما تم عبر اجتماعات لجان فنية متخصصة، وكانت نقطة البداية فى المصافحة الشهيرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس رجب طيب أردوغان، فى نوفمبر ٢٠٢٢ على هامش مشاركتهما فى افتتاح كأس العالم فى الدوحة، والذى أثمر قرار عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وتعيين السفراء فى يوليو قبل الماضى، وبعدها تصاعد مستوى العلاقات بين البلدين.  

وكل المؤشرات تكشف عن وجود إرادة سياسية، من قادة الدولتين، على الوصول بالعلاقات بينهما إلى مستويات غير مسبوقة، فى ظل النتائج الكبيرة التى تحققت خلال الفترة القليلة الماضية، منذ قرار عودة السفراء، على كافة الأصعدة سواء سياسيًا أو اقتصاديًا. 

فى الأولى، هناك شراكة استراتيجية ووحدة رؤى وتعاون كبير فى العديد من ملفات الجوار الجغرافى، فهناك شراكة فى التحرك على صعيد القضية الفلسطينية، بعد دخول تركيا على خط الوساطة مع مصر وقطر، فى العمل على وقف العدوان الإسرائيلى على الشعب الفلسطينى، حتى تم التوصل إلى اتفاق وقف اطلاق النار، ومعالجة توابعه، خاصة مع بداية المرحلة الثانية من اتفاق السلام برعاية أمريكية، ناهيك عن التنسيق المشترك فى الملف الليبى والذى يهدف إلى العمل على وحدة ليبيا واستقرارها، نفس الأمر يمكن رصده فى الملف السودانى، والوضع فى الصومال.

وعلى المستوى الاقتصادى، فهناك رعاية مستمرة ودائمة من مجموعة التخطيط المشترك المعنية، بمتابعة أوجه التعاون بين البلدين على مستوى وزيرى الخارجية، فوفقًا للأرقام التى رصدها كتاب الاتزان الاستراتيجى، فقد تضاعف حجم التجارة بين البلدين خلال العشر سنوات الماضية، وأصبحت ٨٫٨ مليار دولار فى عام ٢٠٢٤ بعد أن كانت ٤٫٧ مليار، ووصلت حجم الاستثمارات التركية فى مصر إلى ٣ مليارات دولار، ويستهدف البلدان الوصول بحجم التجارة البينية إلى ١٥ مليارًا على مدى السنوات القادمة، مع العلم بأن الأرقام زادت فى العام الماضى بصورة كبيرة. 

وهكذا، فكل التقارير تتحدث على أن  لقاءات الرئيس السيسى مع الرئيس أردوغان، ستمثل نقلة نوعية جديدة للعلاقات بين البلدين، وإذا أضيفت زيارته للسعودية ولقاؤه مع ولى العهد الأمير محمد بن سلمان فإن خريطة جديدة يتم رسمها لضبط إيقاع منطقة الشرق الأوسط.