الفائز بجائزة «نوابغ العرب 2025» في الطب..

العالم المصري نبيل صيدح: توصلنا إلى أقراص لعلاج الكوليسترول بدلًا من الحقن

الدكتور نبيل جورج صيدح
الدكتور نبيل جورج صيدح


من داخل مختبره بمعهد مونتريال للبحوث السريرية في كندا استطاع العالم المصري الدكتور نبيل جورج صيدح أن يغير خريطة الطب العالمي باكتشافات ثورية حول بروتين يُسمى (PCSK9)، محولًا رموزًا معملية معقدة إلى أدوية أنقذت ملايين القلوب المتعبة حول العالم.

وتوجت مسيرته الحافلة بفوزه مؤخرًا بجائزة “نوابغ العرب لعام 2025 في مجال الطب” بدولة الإمارات، تلك الجائزة التي باتت تُعرف بـ”نوبل العرب”.

وفى رحلة صيدح العلمية محطات إنسانية مهمة بدأت بنقاشات علمية ملهمة مع السير مجدي يعقوب، الذى حثه على تدوين اكتشافاته فى مقال متخصص، وصولًا إلى تعاون بحثى مثمر مع ابنته الدكتورة صوفى يعقوب، العالمة والطبيبة المتخصصة فى الأمراض المعدية.. وفى هذا الحوار الحصرى لـ”آخرساعة”، يفتح البروفيسور نبيل صيدح قلبه للباحثين الشباب، مقدمًا خلاصة تجربته فى قيادة الفرق الدولية وفن تحويل “النتائج غير المتوقعة” إلى ابتكارات طبية مذهلة، فى لقاء يثبت أن العقل المصرى قادر دائمًا على صياغة مستقبل الطب العالمي.

◄ تعاوني مع ابنة السير مجدى يعقوب فتح آفاقًا لعلاج الأمراض الفيروسية

◄ تحجيم الأورام السرطانية بمثبطات الكوليسترول أصاب زملائي بالذهول

◄ آخر 15 سنة شهدت ثورة طبية غيّرت مستقبل علاجات أمراض القلب

◄ جدتى شجعتني وأنا طفل في الرابعة على قراءة القواميس الطبية

◄ تعلمت الدقة والجدية منذ كنت طالبًا في مدرسة «الفرير» بمصر

◄ كيف تنظر لفوزك بجائزة «نوابغ العرب» لعام 2025، وما دور مثل هذه الجوائز فى تحفيز العلماء العرب للمساهمة فى الساحة العلمية الدولية؟

- تعد جائزة «نوابغ العرب» دافعًا كبيرًا لتحفيز مختلف العلماء العرب على تطوير أنفسهم من أجل المساهمة فى ركب العلم دوليًا فى مختلف المجالات. إنها تعادل جائزة «نوبل» للعرب، بالتالى تحظى بتقدير واحترام كبيرين، ويجب على العرب أن يفخروا بالمشاركة الفعالة فى هذا التحدى الكبير الذى من شأنه أن يعزز التعاون الفعال بين العلماء العرب فى أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، ويجب أن نفخر بتاريخنا في العلوم وتصميمنا على تحقيق اتجاهات جديدة عظيمة من شأنها مساعدة المجتمعات فى جميع أنحاء العالم.

◄ بصفتك أحد العلماء الرواد فى تنظيم الكوليسترول وبروتين  PCSK9، كيف ترى التطورات الأخيرة في العلاجات الجزيئية لأمراض القلب؟

ـ شهدت السنوات الخمس عشرة الأخيرة تحولًا جذريًا فى العلاجات الجديدة المتاحة لأمراض القلب والأوعية الدموية، وشمل ذلك اكتشاف بروتين PCSK9 فى عام 2003 كهدف آمن وفعّال لخفض الكوليسترول الضار (LDLc) بنسبة تزيد على 60%، مما أدى لخفض وفيات القلب والأوعية الدموية بنسبة 30% خلال 5 سنوات من العلاج. 

تشمل الأدوية الحديثة لخفض الكوليسترول عدة أنواع: حقن الأجسام المضادة وحيدة النسيلة Monoclonal Antibodies (وهى بروتينات مصممة بدقة لتعطيل أهداف محددة)، أو تقنية الحمض النووى الريبوزى المتداخل الصغير (siRNA) التى تمنع إنتاج البروتين الضار، أو تقنية التعديل الجينى (CRISPR-Cas9)، وجميعها موجه ليصل مباشرة إلى خلايا الكبد.

ومؤخرًا، تم التوصل إلى مثبطات PCSK9 فعالة تُؤخذ عن طريق الفم وبقوة ممتازة، وستتوفر قريبًا بالأسواق. أما التحديات المتبقية فتتمثل فى التوصل لأدوية وتطبيقها سريريًا لتخفيف عوامل خطر أخرى بشكل آمن، مثل الالتهاب عبر استهداف بروتينات الإنترلوكين (IL1β & IL6) باستخدام أدوية مثل كاناكينوماب (Canakinumab) والكولشيسين (Colchicine)، بالإضافة لأدوية خفض الدهون الثلاثية (Triglycerides) التى تثبط جزيئات APOC-III وبروتين ANGPTL3.

◄ في مسيرتك البحثية، ما الاكتشاف أو التجربة التي تشعر أنها غيّرت بشكل جذري فهمك للطبيعة الجزيئية لأمراض القلب؟

ـ كان عالم الوراثة زافين خاشادوريان (أمريكى من أصل أرمنى، وُلد فى سوريا ونشأ فى لبنان) أول من حدد فى عام 1964 ارتفاع الكوليسترول الضار (LDLc) كعامل مسبب وراثى منتشر فى العائلات اللبنانية ويؤدى إلى أمراض القلب والأوعية الدموية، بما فى ذلك زيادة احتشاء عضلة القلب. إن اكتشاف مستقبلات الكوليسترول الضار (LDLR) على يد العالمين الأمريكيين جولدشتاين وبراون فى عام 1974، والمسئولة عن تخليص الدورة الدموية من الكوليسترول الضار، وتأثيرات أدوية «الستاتين» فى خفض الكوليسترول، وتحديد بروتين «apoB»  كعامل الربط الوحيد فى الكوليسترول الضار الذى يرتبط بمستقبلات  LDLR وهى البوابات المسؤولة عن سحب الكوليسترول من الدم وتفكيكه داخل الكبد ـ كل ذلك أكد أن المستويات العالية من الكوليسترول الضار و «apoB» مرتبطة مباشرة بأمراض القلب والأوعية الدموية ومضاعفاتها. ومع ذلك، حتى عام 2003، كان من الواضح وراثيًا أيضًا أن هناك عوامل أخرى غير محددة (بروتينات غير LDLR أو apoB) يجب أن تنظم أيضًا الكوليسترول الضار، وقد بدأ البحث عن هذه الجينات منذ عام 1998 من قبل الفريق البحثى الذى قادته البروفيسورة الفرنسية كاثرين بويلى فى باريس. وهنا أصبح اكتشافنا حاسمًا فى تحديد أحد تلك العوامل المراوغة، وهو بروتين (PCSK9)؛ وقد غيّر هذا الاكتشاف بشكل جذرى نظرتنا للكوليسترول الضار وكيفية تنظسم الجسم له.

◄ كيف أسهمت نشأتك وتعليمك بمصر في رسم ملامح طريقك العلمي؟

ـ وُلدتُ فى مصر الجديدة عام 1949، وفى وقت مبكر جدًا واجهت ويلات أمراض القلب والأوعية الدموية بسبب الوفاة المبكرة لجدى من جهة أمى، والاضطرابات العصبية لجدتى (من جهة أبى). صممت منذ سن الرابعة على محاولة فهم أسباب هذه الأمراض المدمرة وربما المساعدة فى تطوير علاجات فعالة لمساعدة والدىّ، وقد شجعتنى جدتى على أن أصبح قارئًا نهمًا لقواميس «لاروس» الطبية المصورة، وكانت أول توغل لى فى علم الأحياء والطب، وفى سنوات مراهقتى أدركت أنه لكى أحصل على أى معرفة بالآليات الكامنة وراء هذه الأمراض، كان علىّ أن أدرس الأحياء والكيمياء بجد، بالإضافة لتخصصات أخرى مثل الرياضيات والفيزياء. كنت طالبًا فى مدرسة «الفرير» (College des Frères) فى منطقة «الظاهر» بالقاهرة، وساعدنى النظام التعليمى الصارم الذى تطبقه هذه المدارس على أن أدرك الأهمية القصوى للدقة والعمل الجاد للتمكن من التعامل مع بعض المواد التى ذكرتها، ناهيك عن إتقانها. وطوال الوقت كنت أحب الرياضة وأتفوق فيها مثل كرة القدم والإسكواش والتجديف، والتى تطلبت أيضًا تدريبات طويلة وجهدًا شاقًا. ولم أشعر بالانبهار إلا عندما التحقت فى سن الـ16 بكلية العلوم فى جامعة القاهرة مع مجموعة من الطلاب المتميزين، حيث أُعجبتُ بالكيمياء الكهربائية، وكان أستاذى «موسى» صاحب الفضل فى ذلك إلى حد كبير. وقد رأيت هذا التخصص كنهج مثير لدراسة النقل العصبى الذى قد يساعد فى فهم الأمراض العصبية الخاطئة، وهذا الأمر ترك أثرًا عميقًا على تفكيرى العلمى ومسيرتى المهنية فى المستقبل. وبالفعل التحقت بجامعة جورج تاون فى واشنطن عام 1969 للحصول على درجة الدكتوراه فى الكيمياء الكهربائية المطبقة على النقل العصبى، كما أننى استخدمت الرياضيات والمعادلات التفاضلية كأدوات لنمذجة مثل هذه الاتصالات، مما سمح لى بالتنبؤ بشكل أفضل بنتائج الاتصالات الخلوية.

◄ أثناء عملك فى المختبرات الكندية، ما أبرز الاختلافات التي لاحظتها في ثقافة البحث وإدارة الفريق مقارنة بمصر، وكيف تكيفت معها؟

ـ عندما انتقلت إلى كندا فى عام 1973 بعد حصولى على الدكتوراه، واصلت دراسة النقل العصبى لكننى انجرفت ببطء نحو بيولوجيا البروتين وبنية البروتين. وفى عام 1974 التحقت بمعهد الأبحاث السريرية فى مدينة مونتريال، وبقيت هناك منذ ذلك الحين. كانت المشكلة المطروحة هى استخدام مستخلصات الأنسجة وتنقية البروتين وتسلسله لتحديد هرمونات محددة تنظم النقل العصبى للإحساس بالألم. وبسرعة، وتحديدًا فى عام 1976 اكتشفنا وحددنا تسلسل أول هرمون مخفف للألم يُعرف باسم «بيتا-إندورفين». كان ذلك الأمر ثوريًا. وهكذا، يمكن القول إن ثقافة الدقة والفضول والعمل الشاق المستمر التى اكتسبتها فى وقت مبكر بمصر ساعدتنى على صياغة اكتشافاتى المستقبلية فى البيولوجيا والطب فى كندا.

◄ كيف تتحول الأبحاث الأساسية داخل المختبر إلى علاج حقيقى لمرضى القلب في المستشفيات؟ 

ـ الأبحاث المختبرية الأساسية (Basic Research) هى المحرك الرئيسى لكل اكتشاف طبي، فهى التى تسمح لنا بفهم الأسرار الدقيقة لكيفية عمل خلايا الجسم. ورغم أن كل رحلة اكتشاف لها طريقها الخاص، فإن المبادئ تظل واحدة. ونصيحتى للباحثين المصريين ألا يتخلوا عن أحلامهم، وأن يواصلوا العمل بجد حتى عند تعثر التجارب أو ظهور نتائج غير متوقعة. ومن المهم أن يركز الباحثون فى مصر على الأمراض الأيضية (الناتجة عن خلل فى كيمياء الجسم وتحويل الغذاء إلى طاقة)، خاصة تلك التى لها جذور وراثية مثل فرط كوليسترول الدم العائلى (ارتفاع شديد فى الكوليسترول ينتقل عبر الجينات فى العائلة)، بالإضافة إلى أمراض السكرى والضغط والسرطان، دون إغفال الأمراض المعدية والطفيلية المنتشرة فى بيئتنا.

◄ من خلال تجربتك، ما أهم التحديات التي يواجهها العلماء المصريون العاملون في الخارج، وكيف حافظت على هويتك المصرية في هذا السياق؟

ـ العشرون عامًا الأولى من حياتنا هى سنوات حرجة لتشكيل هويتنا كبشر، ونحن كمصريين لا نبالغ فى تقدير تأثير ثقافتنا والروابط العائلية ومهارات التواصل الإنسانى، فهذه الدروس الأساسية التى تعلمتها فى وقت مبكر ساعدتنى فى الحفاظ على إيمانى وأسلوب حياتى، كما أن الأكلات المصرية الشهية التى تعودت على مذاقها منذ الصغر كانت ولا تزال تذكرنى بمصر، وبالمثل كان للصداقات القوية التى جمعتنى بالمصريين والعرب الذين يعيشون فى الخارج دور كبير فى ترسيخ هذه العلاقات.

◄ برأيك، ما الأخطاء الشائعة أو العقبات التى تمنع العلماء الشباب من الوصول إلى مستويات بحثية عالمية؟

ـ الأخطاء تتمثل فى عدم الرغبة فى التكيف مع طرق التفكير الجديدة، وعدم احترام وتعلم منطق العلماء من خلفيات أخرى دائمًا، لكن فى الحقيقة العمل مع الفرق والانسجام مع العلماء الآخرين يتطلب التكيف مع مهارات جديدة والسعى للخروج عن المألوف للوصول إلى طرق تفكير جديدة لحل مشاكل معينة.

◄ هل تعرف السير مجدى يعقوب شخصيًا؟ كيف تقيم تأثيره وإنجازاته فى الطب العربى والعالمى، وهل سبق لك التعامل أو تبادل الخبرات معه؟

ـ نعم، لقد كان لى عظيم الشرف أن ألتقى الدكتور مجدى يعقوب وأتناقش معه، هو شخصية ملهمة لكل العلماء والباحثين العرب فى مجال القلب حول العالم، وقد توطدت علاقتنا بعد اكتشافى أنا وفريقى البحثى بروتين (PCSK9)، حيث دعانى لكتابة مقال علمى يلخص هذا الاكتشاف وكيفية استخدامه فى العلاج. كما عرفنى بابنته، الدكتورة صوفى يعقوب فى أكسفورد وسنغافورة، والمتخصصة فى فيروس «حمى الضنك»، وأثمر تعاوننا عن بحث مشترك فتح آفاقًا جديدة لاستخدام مثبطات PCSK9 (أدوية متطورة للكوليسترول) فى علاج الأمراض الفيروسية.

◄ ما التحديات الرئيسية فى تطبيق اكتشافاتك البحثية على المرضى، خاصة فيما يتعلق بعلاجات أمراض القلب الحديثة؟

ـ تكمن التحديات الأساسية فى ابتكار علاجات آمنة وفعالة، تثبت نجاحها فى التجارب المختبرية على الحيوانات ثم تعطى نفس النتائج المبهرة لدى البشر، ولقد حالفنا الحظ كثيرًا باكتشاف جينى «PCSK9» و «PCSK7»، حيث وجدنا أن تثبيط عملهما (أى تعطيل نشاطهما الزائد) يقدم علاجات آمنة لأمراض القلب، وخلل الدهون، وحتى فى منع انتشار الأورام السرطانية. وحاليًا، وبما أن «الالتهابات» هى أحد الأسباب الرئيسية لأمراض القلب، فإن العلاجات الحديثة أصبحت تدمج بين خفض الكوليسترول وأدوية مضادة للالتهاب تستهدف بروتينات محددة فى الجسم تسمى (IL-1 و IL-6)، لضمان حماية أكبر للمريض.

◄ كيف ترى مستقبل الابتكار العلمى العربى فى المجالات الطبية الحيوية، وهل تعتقد أن هناك فرصًا حقيقية لدمج الأبحاث العربية مع المجتمع العلمى العالمى؟

ـ الابتكار العلمى ليس له حدود، والبصمة العربية فيه ضرورية ومرُحب بها؛ فالأمراض التى تؤثرعلى الشرق الأوسط تختلف بطبيعتها عما هى عليه فى أمريكا أو أوروبا. اليوم، نرى مستقبلاً واعداً للابتكار العربى بفضل الاستثمارات الاستراتيجية، حيث تتحول المنطقة من مجرد منتج بحثى محدود إلى مركز حيوى لعلوم الحياة.

لقد قطعت دول مثل الإمارات والسعودية وقطر شوطاً كبيراً عبر برامج «الجينوم الوطنية» لرسم الخرائط الجينية لمواطنيها، وهو أمر جوهرى لتطوير (الطب الشخصى)؛ فكثير من الأمراض الوراثية فى مجتمعاتنا فريدة وتتطلب حلولاً صُممت خصيصاً لنا. كما أن هناك توجهاً قوياً نحو التصنيع الحيوى المحلى لتحقيق الاكتفاء الذاتى وتحويل المنطقة إلى مركز إمداد عالمى.

أما عن فرص الاندماج العالمى، فهى قائمة وبقوة؛ حيث إن أكثر من 66% من الأبحاث الطبية العربية (بين عامى 2017 و2023) تمت بالتعاون مع جهات دولية. كما أن خصوصية الأمراض الوراثية فى منطقتنا تمنحنا فرصة لتقديم معرفة طبية جديدة للعالم واكتشاف أدوية غير مسبوقة. ورغم التحديات التاريخية المرتبطة بالتمويل أو الاستقرار، إلا أن الرؤى الوطنية الحالية تضع العالم العربى فى مكانة تؤهله ليكون شريكاً أساسياً لا غنى عنه فى مستقبل الطب العالمي.

◄ من واقع خبرتك، ما نصيحتك للباحثين المصريين في الخارج لزيادة عطائهم العلمي مع الحفاظ على جودة أبحاثهم؟

ـ يجب التركيز على ثلاث ركائز: تعزيز الروابط مع الوطن، وتأمين التمويل، والتطوير المهنى المستمر. ومن الخطوات العملية الهامة إنشاء مكاتب لدعم المِنح داخل الجامعات لتدريب الباحثين على مهارات كتابة طلبات التمويل وإدارة المشاريع البحثية، مما يساعدهم فى الحصول على موارد خارجية تدعم ابتكاراتهم.

◄ حدثنا عن الجانب الإنسانى للعلماء المصريين في الخارج وكيف يتغلبون على الضغوط التى يواجهونها بعيدًا عن الوطن؟

ـ من الصعب جدًا الانفصال عن الوطن الأم، ومع ذلك يمتلك المصريون بمن فيهم العلماء نهجًا إنسانيًا فريدًا فى العلاقات الشخصية والتعاون، كما أن ميلهم للاستمتاع بالنكات وطهى الأطعمة اللذيذة وتسهيل التفاعل مع الآخرين يجعلهم متعاونين جذابين لمن ينتمون إلى الدول الأجنبية المختلفة، وهذا النهج الإنسانى يقطع شوطًا طويلًا فى تخفيف الضغوط التى نواجهها نحن العرب عندما نكون بعيدًا عن الوطن.

◄ كيف ترى أهمية التعاون البحثى الدولى فى مجالك؟ وهل هناك مشاريع مشتركة مع باحثين عرب أو دوليين تركت بصمة واضحة على نتائج أبحاثك؟

ـ التعاون الدولى المنفتح كان المحرك الأساسى لتقدمى فى العلم واكتشاف العديد من الهرمونات والبروتينات التى أصبحت اليوم ركيزة أساسية فى العلاجات الطبية لأمراض مثل فرط الكوليسترول، والسمنة، والسرطان، والعدوى الفيروسية.

ولعل أبرز مثال على ذلك هو تعاونى الوثيق مع فريق فرنسى عام 2003، الذى أسفر عن اكتشاف دور بروتين (PCSK9) فى التحكم بمستويات الكوليسترول الضار، وقد وجدنا حينها أن أى خلل جينى فى هذا البروتين قد يرفع الكوليسترول لمستويات خطيرة أو يخفضه بوضوح، مما يؤثر مباشرة على احتمالات الإصابة باحتشاء عضلة القلب. هذا التعاون لم يبق حبيس الأوراق العلمية، بل تحول إلى أدوية ثورية ومنقذة للحياة (بدءًا من الحقن المتطورة وصولًا إلى الحبوب التى يمكت تناولها عن طريق الفم) ويمكنها خفض الكوليسترول بنسبة تصل إلى 60-70%، وهو إنجاز لم يكن يتخيله أحد قبل عام 2003، وهذا الاكتشاف أدى لتحول جذرى فى طريقة علاجنا لأمراض القلب والأوعية الدموية حول العالم.

◄ بصفتك قائدًا لفرق بحثية كبرى؛ كيف تدير هذه المجموعات متعددة التخصصات؟ وكيف تحفز الباحثين الشباب والزملاء نحو الابتكار والتميز؟

ـ إدارة الفرق البحثية وتوجيهها نحو الابتكار يعتمد على بناء ثقافة احتواء ودعم مهنى، مع وضع استراتيجيات واضحة تجمع بين مختلف التخصصات العلمية، ففى هذه البيئة تبرز الحاجة لمهارات تواصل قوية قادرة على سد الفجوة بين الثقافات العلمية المختلفة.. أؤمن بأن أفضل وسيلة للتحفيز هى النتائج الملموسة؛ فعندما يرى الباحثون بأعينهم كيف يتحول بحثهم إلى علاجات تنقذ الأرواح يتولد لديهم شغف لا ينطفئ. وأذكر هنا أن رؤية طلابى وزملائى لفعالية مثبطات (PCSK9) و (PCSK7)فى تحجيم الأورام السرطانية ومنع انتشارها كانت بالنسبة لهم «مفاجأة مذهلة» وغير متوقعة للعديد منهم.

إحدى نصائحى الرئيسية لهم ألا يتوقفوا أبدًا عن الابتكار، حتى لو لم تكن النتائج كما توقعنا. فكثيرًا ما نكتشف فى طريقنا حقائق تفوق فى أهميتها ما كنا نبحث عنه أصلًا. وخير مثال هو اكتشافنا لبروتين (PCSK9)؛ فقد كنا نتوقع في البداية أنه مجرد «إنزيم»، لكننا اكتشفنا أنه يعمل بطريقة غير إنزيمية للارتباط ببروتينات معينة مثل LDLR ويؤدى إلى تحللها داخل الخلية (أى تكسيرها لتقليل قدرتها على تنظيف الدم من الكوليسترول).