فى الجغرافيا السياسية للمنطقة توجد مدن لا تُقاس حدودها بالخرائط، ولا تُقرأ أهميتها بأرقام السكان والمساحات، وإنما تُوزن بتاريخها ورمزيتها وتأثيرها فى الوعى الإنسانى والسياسى، وفى مقدمة هذه المدن تقف القدس، المدينة التى تحولت عبر عقود طويلة إلى عنوان للصراع والشرعية والهوية، وإلى اختبار حقيقى لمواقف الدول ومبادئها، وعندما أعلنت مصر رفضها الحاسم لإقدام ما يسمى إقليم اأرض الصومالب على افتتاح اسفارةب مزعومة فى القدس المحتلة، لم يكن البيان المصرى مجرد تعليق دبلوماسى عابر على حدث سياسى طارئ، بل جاء امتدادًا لسياسة مصرية مُستقرة ترى أن العبث بالوضع القانونى والتاريخى للقدس لا يُمثل انتهاكًا للقانون الدولى فقط، بل يفتح الباب أمام محاولات إعادة تشكيل خرائط المنطقة وفق مُعادلات القوة وفرض الأمر الواقع.
الموقف المصرى بدا وكأنه إعادة تذكير بثوابت لم تتغير؛ فالقاهرة أكدت مُجددًا أن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة منذ 1967 وأن أى إجراءات أحادية لا يترتب عليها أثر قانونى، وهو ما يُبرهن على أن مصر التى ظلت لعقود أحد أبرز الأطراف الفاعلة فى القضية الفلسطينية لا تنظر إلى القدس باعتبارها ملفًا سياسيًا منفصلًا، بل باعتبارها جزءًا من منظومة أمن قومى عربى ترتبط فيها فلسطين باستقرار المنطقة بأكملها.
مصر ربطت أيضًا بين رفض المساس بوضع القدس وبين دعم وحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ورفض أى إجراءات أحادية تمس سلامة أراضيها، ويرى مراقبون أن الرسالة المصرية الأخيرة تجاوزت حدود الاعتراض على واقعة محددة؛ إذ حملت إشارات سياسية أوسع تتعلق برفض سياسات فرض الأمر الواقع، سواء فى الأراضى الفلسطينية أو فى مناطق أخرى تشهد محاولات لإعادة تشكيل الحدود والهويات السياسية.
ويُجمع خُبراء الشأن السياسى والدبلوماسى على أن القاهرة تتعامل مع القضية الفلسطينية بمنظور استراتيجى طويل الأمد، باعتبارها قضية ترتبط بموازين الاستقرار فى الشرق الأوسط، وليست مُجرد ملف سياسى قابل للتفاوض وفق مُتغيرات اللحظة، حيث تُشير السفيرة منى عمر مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون الإفريقية إلى أن الموقف المصرى الأخير يعكس ثباتًا فى السياسة الخارجية المصرية، موضحة أن القاهرة تاريخيًا لم تعترف بأى إجراءات أحادية تمس الوضع القانونى للقدس، وأن مصر تنطلق من قاعدة قانونية واضحة تقوم على قرارات الأمم المتحدة التى تعتبر القدس الشرقية أرضًا فلسطينية محتلة، وأن أى محاولة لمنح شرعية لأوضاع مخالفة للقانون الدولى تظل بلا أثر قانونى حقيقى.
خرق للسيادة
وقالت منى إنه لا يصح أن يكون هناك سفير إلا لدولة، وهذا كيان وليس دولة، بل مجرد إقليم فى الصومال، وليس من حقه أن يكون له تمثيل دبلوماسى، وهذا خرق لسيادة الصومال على أراضيه. مُشيرة إلى حجم التنافس الدولى الموجود حاليًا فى منطقة البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وحرص كثير من الأطراف على التواجد هناك، ومنهم إسرائيل، مؤكدة أن هذا التحرك لن يلقى قبولًا من جامعة الدول العربية ولا منظمة التعاون الإسلامى ولا الاتحاد الإفريقى، الذى من مبادئه الأساسية قدسية الحدود.
وحول الأدوات الدبلوماسية للضغط، أوضحت أن التحرك يتمثل فى خلق رأى عام دولى مضاد، وزيادة عزلة أرض الصومال، ومنع الاستثمارات الأجنبية، والتأثير على حركة التجارة، وربما فرض عقوبات وحظر على التعامل مع هذا الكيان، أما عن التحرك الإسرائيلى فى القرن الإفريقى، فقالت إن إسرائيل عينها على البحر الأحمر، وعلى إيران والحوثيين فى اليمن، وتواجدها فى أرض الصومال يمنحها قدرات استخباراتية ويساعدها فى جمع المعلومات، وممارسة بعض الأعمال العدوانية باستخدام أراضى المنطقة، مما يمثل خطورة على الأمن القومى العربى والإفريقى والمصرى خصوصًا.
التوقيت السياسى
أهمية الموقف المصرى لا تكمن فقط فى مضمون البيان، وإنما أيضًا فى توقيته السياسى، حسبما يؤكد اللواء الدكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية، موضحًا أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها أزمات غزة والقرن الإفريقى والبحر الأحمر، ومن ثم فإن أى تحرك يمس القدس يحمل دلالات تتجاوز البعد الفلسطينى وحده، مُضيفًا أن مصر تتعامل مع القدس باعتبارها جزءًا من معادلة استقرار إقليمية واسعة، لأن تصفية الحقوق الفلسطينية أو محاولة فرض ترتيبات غير قانونية من شأنها زيادة مستويات التوتر وعدم الاستقرار.
ويُشير فرحات إلى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية يعكس موقفًا مصريًا حاسمًا وثابتًا فى الدفاع عن الشرعية الدولية ورفض أى محاولات تستهدف تكريس الاحتلال أو المساس بوحدة وسيادة الدول، مُشددًا على أن البيان جاء واضحًا فى تأكيده دعم مصر الكامل للقضية الفلسطينية وتمسكها بالوضع القانونى والتاريخى للقدس، بجانب رفضها القاطع لأى إجراءات أحادية تهدد استقرار المنطقة أو تخالف قرارات الأمم المُتحدة والقانون الدولى، موضحًا أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تمثل امتدادًا لسياسات فرض الأمر الواقع وتجاوز قرارات الشرعية الدولية، مُشيرًا إلى أن إقامة أى بعثات دبلوماسية فى القدس المُحتلة تعد انتهاكًا صريحًا لقرارات مجلس الأمن والأمم المُتحدة التى تؤكد الوضع القانونى للمدينة وترفض أى إجراءات أحادية تستهدف تغيير هويتها التاريخية والقانونية.
ويؤكد فرحات أن الموقف المصرى لم يقتصر على رفض افتتاح السفارة المزعومة، بل كشف أيضًا عن رؤية شاملة تربط بين مُختلف الانتهاكات الإسرائيلية المُتصاعدة، سواء ما يتعلق بمحاولات العبث بوحدة الدول الإفريقية أو استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة أو اعتراض السفن الإنسانية واحتجاز النشطاء الدوليين، فى مخالفة واضحة للقانون الدولى الإنسانى، مُضيفًا أن مصر تنطلق فى مواقفها من ثوابت استراتيجية تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، مؤكدًا أن القاهرة كانت وما زالت أحد أهم الأطراف الدولية الداعمة لحماية القضية الفلسطينية من محاولات التصفية أو فرض حلول أحادية تخالف المرجعيات الدولية.
ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن الربط الذى تضمنه البيان المصرى بين افتتاح السفارة المزعومة فى القدس واحتجاز اأسطول الصمودب يعكس إدراكًا مصريًا لطبيعة السياسات الإسرائيلية القائمة على تجاوز القانون الدولى وفرض وقائع سياسية بالقوة. مُحذرًا من أن استمرار غياب المُحاسبة الدولية يُشجع على مزيد من التصعيد ويُفاقم حالة عدم الاستقرار فى المنطقة، لافتًا إلى أن التحركات الإسرائيلية تجاه اأرض الصومالب تُمثل تهديدًا مُباشرًا لاستقرار منطقة القرن الإفريقى، خاصة أن أى دعم لكيانات انفصالية خارج إطار الشرعية الدولية من شأنه تعميق الأزمات الإقليمية وخلق بؤر توتر جديدة فى منطقة شديدة الحساسية استراتيجيًا.
مسارات مُتعددة
مصر لم تغيّر موقفها تجاه فلسطين رغم التحولات الكبرى التى شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وهو ما يؤكده المستشار حسين أبو العطا عضو مجلس الشيوخ رئيس حزب االمصريينب، مُضيفًا أن القاهرة كانت ولا تزال تتحرك فى مسارات مُتعددة تشمل الدعم السياسى والدبلوماسى والإنسانى، وأنها دفعت أثمانًا كبيرة دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية، مؤكدًا أن هذه الخطوة الإسرائيلية لا تُمثل فقط انتهاكًا صارخًا للقانون الدولى وقرارات الشرعية الدولية، بل تعد مُراهقة سياسية وطعنة فى ظهر العمل العربى والإفريقى المُشترك، مُشددًا على أن هذا الإجراء الأحادى باطل تمامًا ولا يترتب عليه أى أثر قانونى أو سياسى، ولن يغير من حقيقة أن القدس الشرقية هى العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية وفقًا لمقررات الشرعية الدولية وحدود 1967.
ويُشير أبو العطا إلى أن مُحاولة كيان غير مُعترف به دوليًا البحث عن شرعية زائفة عبر الارتماء فى أحضان الاحتلال، ومُخالفة الإجماع الدولى بشأن مدينة القدس، هو سلوك مُدان يعكس عزلة هذا الإقليم ويؤكد عدم مسئوليته عن تبعات مغامراته السياسية، مؤكدًا أن الموقف المصرى حاسم ولا يقبل المواربة؛ فالقدس خط أحمر، وسيادة الصومال ووحدة أراضيه خط أحمر آخر لا يقل أهمية، ومصر بثقلها التاريخى والدبلوماسى تقف بالمرصاد لكل من يحاول اللعب بالملفات الأمنية والسياسية فى منطقة القرن الإفريقى أو القضية الفلسطينية، مؤكدًا الدعم الكامل والدائم من القيادة السياسية المصرية لجمهورية الصومال الفيدرالية الشقيقة، مُشيرًا إلى أن الأمن القومى الصومالى جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى والعربي، وأن أى محاولات لتقسيم الصومال أو النيل من سيادته الإقليمية ستتحطم أمام صخرة الرفض الدولى والإقليمى والتصدى المصرى الحاسم لها، مُطالبًا المُجتمع الدولى، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقى باتخاذ موقف حازم وفورى للتصدى لهذه التجاوزات غير المسئولة، مؤكدًا أن الدولة المصرية ستظل حائط الصد الأول للدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة وحماية وحدة وسلامة الأراضى العربية والإفريقية من أى مخططات مشبوهة تستهدف العبث بمقدراتها.
الموقف المصرى اكتسب أهمية إضافية بسبب اقترانه بالدفاع عن وحدة الدولة الصومالية، وهو ما يعكس رفض القاهرة لسياسات التفكيك وإعادة رسم الحدود على أسس أحادية، وفقًا للنائبة سحر البزار وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، والتى تُشير إلى أن القاهرة تنظر لاستقرار منطقة القرن الإفريقى باعتباره جزءًا من أمنها القومى المُباشر، وهو ما يفسر تمسكها بدعم وحدة الدولة الصومالية ورفض أى خطوات أحادية الجانب.
البزار وصفت افتتاح سفارة لما يسمى اأرض الصومالب فى القدس المحتلة، بـاالخطوة الاستفزازية والخطيرةب، مُشددة على أنها تنطوى على مُخالفة صريحة لقواعد القانون الدولى وقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بمدينة القدس، وأوضحت أن الجوانب القانونية والسياسية المُرتبطة بهذه الخطوة، هو أن اأرض الصومالب أعلنت انفصالها من جانب واحد 1991 دون أن تحظى باعتراف الأمم المتحدة أو المجتمع الدولى، وهو ما يعنى أنها لا تمتلك الشخصية القانونية الدولية التى تخول لها إقامة علاقات دبلوماسية أو فتح بعثات بالخارج.
ودعت النائبة إلى التراجع الفورى عن هذه الخطوة وإغلاق البعثة المزعومة، مطالبة جامعة الدول العربية باتخاذ موقف جماعى واضح، إلى جانب تحرك الأمم المتحدة لتأكيد عدم الاعتراف بأى إجراءات تخالف الوضع القانونى للقدس المحتلة، وشددت على ثوابت الموقف المصرى الداعم للحقوق الفلسطينية، مؤكدة أن مصر ترفض أى محاولات تستهدف المساس بالوضع القانونى والتاريخى لمدينة القدس، وتتمسك بضرورة احترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، مُختتمة بأن السياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة قامت على مبدأ منع تصفية القضية الفلسطينية أو فرض حلول تنتقص من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى، حيث لعبت القاهرة أدوارًا محورية فى جهود وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية والتحركات الدبلوماسية الخاصة بغزة، إلى جانب التأكيد المستمر على حل الدولتين باعتباره المسار القابل للحياة سياسيًا.
اقرأ أيضا:
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»
أيمن الزغبى: فرص ذهبية للشركات المصرية باجتماعات العلمين







