ليزا هاني عالمة المصريات بأمريكا: حظرنا عرض المومياوات بأكبر معرض للحضارة المصرية

 ليزا هانى عالمة المصريات بأمريكا
ليزا هانى عالمة المصريات بأمريكا


بينما تشهد خريطة المتاحف العالمية إعادة صياغة جذرية لسيناريوهات العرض المتحفى وأخلاقيات التعامل مع الإرث الثقافى للشعوب يفجر متحف كارنيجى للتاريخ الطبيعى بمدينة بيتسبرج الأمريكية مفاجأة من العيار الثقيل، فبعد أربعين عامًا من هيمنة قاعة عالم القطب الشمالى قرر المتحف إذابة الجليد ليحل محله نهر النيل الخالد، عبر إطلاق أحدث وأضخم معرض طويل الأجل منذ عشرين عامًا تحت عنوان مصر على ضفاف النيل، والمقرر افتتاحه رسميًا فى الأول من مايو 2027، على مساحة تتجاوز 6600 قدم مربع.

ويُعد متحف كارنيجى التابع لمؤسسة كارنيجى العريقـــة التى تأسســت عام 1896، إحــدى أهـــم القلاع العلمية فى العالم، ويضم آلاف المقتنيات المصــرية الفرعـونيــة النــادرة التى جُمعــت على مــدار أكـــثر من قــرن، وفى مقدمتها قارب دهشور الجنــائــزى الفــريد، الــذى يعــود إلى عـهـــد المـلك سنوسرت الثالث من الأسرة الثانية عشرة، ويبلغ عمره نحو أربعة آلاف عام.

اخترقت آخر ساعة كـــواليـــس التحـضـير لهذا المعرض الكبير، وواجهـــــت عــالــمــة المصريات الأمريكية الدكتورة لـيزا هــانى أمـينــــة المعــرض والمشرفة على محتواه العلمى بأسئلة حاسمة حول مصادر هذه القطع، وكيفية صمود معرض يمتد لعشرين عامًا فى عصر الذكاء الاصطناعى، ولماذا اتخذ المتحف قرارًا بعدم عرض المومياوات والرفات البشرية المصرية، وهل حان الوقت لإعادتها إلى مصر لتدفن فى وطنها؟

 يضم معرض امصر على ضفاف النيلب نحو 400 قطعة أثرية اقتُنيت بين عام 1896 وأوائل القرن العشرين إلى حد كبير من خلال جمعية استكشاف مصر من منظور أخلاقيات المتاحف الحديثة، كيف يوازن متحف كارنيجى بين دوره كحافظ لهذه القطع وبين النقاشات العالمية المتصاعدة بشأن استرداد الآثار؟

ـ يشرف المتحف حاليًا على نحو خمسة آلاف قطعة من المقتنيات المصرية القديمة، من بينها 1132 قطعة حصل عليها من خلال عضويته فى جمعية استكشاف مصر، وتتمتع جميع هذه القطع بسجل أثرى موثق، وغادرت مصر بصورة قانونية، أما بقية المقتنيات فقد اشتُريت قبل عام 1970، عندما كان القانون يسمح بخروج الآثار المصرية بصورة قانونية، كما أن جميعها ذات مصدر موثق وقابل للتتبع.

 بينما تحتفل بيتسبرج بهذه المجموعة، فإن إخـراج 400 قطعة أثـريــة مـن سياقها الجغـرافــى الأصلى يمـــثل تحــديًا ســـرديًا.. كـيــــف سيتجــنب المعرض النظرة الاستشراقية أو الاستعمارية؟

ـ فى متحف كارنيجى للتاريخ الطبيعى نحن ملتزمون بما نسميه االمساءلة الشجاعةب أى الاعتراف بالمظالم التى صاحبت الماضى والعمل على معالجتها، ومن هذا المنطلق أطلقنا مبادرة امن مصر إلى بيتسبرجب، التى نعمل خلالها مع شركاء من المجتمع المصرى لعرض السير الذاتية للقطع الأثرية، وشرح الكيفية التى أصبحت بها هذه المقتنيات ضمن رعاية المتحف بكل شفافية، وسوف تستمر هذه المناقشات داخل معرض امصر على ضفاف النيلب، كما يرتبط تصميم ومحتوى المعرض ارتباطًا وثيقًا برسالة المتحف فى تعميق الدهشة وتعزيز فهم عالمنا الطبيعى، ماضيه وحاضره، بما يساعدنا على تحمل مسئوليتنا تجاه المستقبل، ولذلك فإن المعرض ينطلق من البيئة الطبيعية لمصر، ومن رؤية المصريين القدماء للعالم.

 يتضمن المعرض قطعًا تعود إلى نهاية العصر الحجرى القديم، وهى فترة تندر فيها القطع الأثرية مقارنة بالعصور الفرعونية.. كيف ستجعلون هذه الأدوات الحجرية البسيطة جذابة للزوار؟

يمثل تسليط الضوء على العصرين الحجرى القديم والحديث أحد الأهداف الأساسية للمعرض، ومن خلال وسائل عرض تفاعلية وتجارب غامرة، سيكتشف الزوار كيف أسهم المناخ والطبيعة فى تشكيل الحضارة المصرية القديمة، كما توضح الأدوات الحجرية، والفخار المبكر، وغيرها من القطع، كيف نفهم هذه المرحلة التى شهدت أقدم المستوطنات البشرية على ضفاف النيل، وأولى المجتمعات الزراعية فى إفريقيا، وبدايات اختراع الكتابة، ومن أبرز معروضات المعرض قارب عمره أربعة آلاف عام، يُعتقد أنه كان يخص الملك سنوسرت الثالث، وقد اكتشفه عالم الآثار الفرنسى جاك دى مورجان فى تسعينيات القرن التاسع عشر داخل أحد مجمعاته الجنائزية، ويُعتقد أن القارب استُخدم فى مراسم جنائزية تخص عددًا من الملكات والأميرات، وهو واحد من أربعة قوارب فقط من نوعه فى العالم، وسيُعرض ضمن قسم "الطبيعة والحياة".

 كيف توظفون أدوات العصر الحجرى لإثبات أن نهر النيل سبق الدولة المركزية فى تشكيل الوعى الحضارى؟

ـ يقوم المعرض على ثلاثة محاور رئيسية وهى الاستقـرار فـى وادى النيــل، والحــياة والطــبيعـة، والعالم الآخر، كما يتضمن محاكاة كاملة الحجم لجزء من مقبرة الكاتب ومفتش الحقول امِناب، مدعومة بقصص تفاعلية تعتمد على الرسوم الجدارية، إضافة إلى قسم مخصص لتطور واستخدام أول صبغة صناعية عرفها الإنسان، وهى "الأزرق المصرى".

 صُمم المعرض ليستمر عشرين عامًا.. كيف سيظل جذابًا حتى عام 2047؟

ـ تم تصميم معرض امصر على ضفاف النيلب وجــميع تقنيـاته بعـــناية لضـــمان أفضـــل حمــاية للمقتنيات، وتتميز واجهات العرض بالمتانة مع سهولة وصول الباحثين والمتخصصين إليها، كما سيجرى تحديث المحتوى فى الأقسام الرئيسية بصورة دورية.

 ومع تسارع الاكتشافات الأثرية، كيف سيواكب المعرض التطورات العلمية؟

ـ سيتم تحديث البطاقات التعريفية والمحتوى العلمـى فـى المناطق الرئيسية وفــق جـدول زمنى محدد، بمـا يضـمن إطـلاع الزوار باستمرار على أحدث نتائج الأبحاث.

 اتخذ المتحف قرارًا بعدم عرض المومياوات والرفــات البشريـة.. كيــف تنظـرون إلى الاخــتلاف بين هذا التوجه وما يحدث فى مصر، حيث تُعرض المومــياوات المكتشفــة حـــديثًــا ضـــمـن فعــالـــيات إعلامية وسياحية؟

ـ فى أكتوبر 2023 أقر المتحف سياسة جديدة خاصة بالرفات البشرية تحظر عرض أى رفات بشرية دون موافقة مسبقة مستنيرة، وتشمل هذه السياسة جميع الرفات الموجودة بالمتحف، وليس فقط المصرية، وقد صيغت بعد مراعاة احتياجات المجتمعات المنحدرة، ومعتقدات أصحاب هذه الرفات، واحتياجات المجتمع المحلى.

 إذا كنتم تعتبرون عرض المومياوات غير أخلاقى، فلماذا لا تعيدونها إلى مصر لدفنها؟

ـ سياسة المتحف جاءت بعد أكثر من عامين من البحث والتشاور مع المجتمعات المعنية، والعلماء، والمتخصصين فى المتاحف، ونحن ندرس حاليًا السياسات المناسبة المتعلقة بإعادة الممتلكات والتعويض خارج الأطر القانونية التى ينظمها القانون الأمريكى الخاص بحماية مقابر السكان الأصليين وإعادة ممتلكاتهم.

 ما الرسالة التى تريدون أن يفهمها الزوار من قرار عدم عرض المومياوات؟

ـ نسـعــــى إلــى أن نكــون فـــى طليعـــة أفضـــل الممارسات المتعلقـة برعــاية وصــون المـومياوات الموجودة لدينا، وبالنسبة للمصريين القدماء فإن نصوصهم ومقابرهم وثقافتهم المادية توضح كيف كانوا يأملون أن يُعاملوا بعد وفاتهم، وقد كان لذلك أثر مباشر فى صياغة سياستنا الجديدة.

 ما القطعة الأقرب إلى قلبك داخل المعرض؟

ـ يصعب اختيار قطعة واحدة، فأنا أحب القطع التى تظهر بوضوح أثر اليد البشرية، حيث يمكن رؤية موضع إصبع صانعها على الطين قبل أربعة آلاف عام، وهو شعور يخلق رابطًا إنسانيًا مؤثرًا، كما أننى معجبة للغاية بإحدى اللوحات الجنائزية المليئة بالنقوش الهيروغليفية البديعة، لما تعكسه من دقة وحرفية استثنائية.

 لماذا حان الوقت لتحديث قاعة مصر القديمة؟

ـ ظلت قاعة اوالتون لمصر القديمةب مفتوحة لأكثر من ثلاثين عامًا، وخلال هذه الفترة تعلمنا الكثير. فعلى سبيل المثال، اكتشفنا أن الملك سنوسرت الثالث كان يمتلك مجمعًا جنائزيًا ثانيًا في أبيدوس، وهو ما لم يكن معروفًا عند افتتاح القاعة، هناك اكتشافات وقصص جديدة تستحق أن تُروى، كما أن المعرض الجديد يتيح لنا تقديم مصر القديمة من منظور يبرز العلاقة الوثيقة بين الطبيعة والثقافة، بما يتوافق مع رسالة المتحف.

 كيف يمكن لمدينة مثل بيتسبرج أن ترتبط بالحضارة المصرية القديمة؟

ـ بيتسبرج مدينة قامت على الأنهار، ولذلك فإن الحياة النهرية جــزء من هــويتهـا الثقافية، ونأمل أن يسـاعـــد هــــذا التشــابـه زوارنا علــى إدراك أن الحضــارة المصــرية القـديمة كانت أيضًا متجذرة فى نهر النيل والبيئة المحيطة به، وأن العلاقة بين الإنسان والنهر هى قصة إنسانية مشتركة تتجاوز المكان والزمان.

اقرأ  أيضا: