لأكثر من عامين ركزت أوروبا على تحدٍ أمنى رئيسى واحد، هو الحرب الروسية الأوكرانية وضرورة تعزيز دفاعات الناتو على الجبهة الشرقية، فقد رفعت الحكومات الأوروبية إنفاقها العسكرى ووسعت تعاونها الدفاعى واعتمدت بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة لتوفير الأسلحة المتطورة والضمانات الأمنية، لكن التطورات الأخيرة فى الشرق الأوسط أدت إلى ظهور معضلة استراتيجية جديدة، إذ يخشى مسئولون وخبراء أمنيون أن تتحول أوروبا إلى الخاسر غير المباشر إذا اضطرت واشنطن إلى توجيه جزء كبير من قدراتها العسكرية نحو مواجهة جديدة مع إيران.
ولا يقتصر الأمر على الدبلوماسية أو نشر القوات، بل إن الحرب الحديثة باتت تُعرَّف بشكل متزايد بالقدرة الصناعية؛ أى القدرة على تصنيع الصواريخ الموجهة بدقة وطائرات الاعتراض الدفاعية والطائرات المسيرة وذخائر المدفعية بوتيرة تواكب الطلب الميدانى، ويحذر المحللون الآن من أنه إذا اضطرت الولايات المتحدة إلى مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران، مع الاستمرار فى تسليح أوكرانيا وطمأنة حلفاء الناتو، فقد تواجه مخزونات الأسلحة الأمريكية ضغطًا غير مسبوق، وقد يؤدى ذلك إلى مواجهة أوروبا نقصًا فى الإمدادات، فى وقت لا تزال فيه المخــاوف مــن اسـتمرار الحـــرب الروســية الأوكرانية قائمة.
وبرز هذا القلق فى تحليل حديث لمجلة نيوزويك الأمريكية، حيث أشار إلى أن تجدد الصراع الأمريكى الإيرانى قد يعرِّض أوروبا لنقص حاد فى الأسلحة، فى وقت هى بأمس الحاجة إليها، ويشير المقال إلى أن العديد من الأسلحة الدقيقة المطلوبة فى الشرق الأوسط هى نفسها الأنظمة التى يطلبها الحلفاء الأوروبيون لإعادة بناء مخزوناتهم المستنزفة بعد سنوات من تزويد أوكرانيا بها، ولا تكمن المشكلة فى نقص التمويل، إذ خصصت الحكومات الغربية مئات المليارات من الدولارات لتعزيز الإنفاق الدفاعى خلال السنوات الأخيرة، وإنما فى محدودية القدرة الإنتاجية، فخطوط تصنيع صواريخ باتريوت وصواريخ هيمارس وصواريخ توماهـوك وغــيرهـا مــن الأنظمة المتقدمة، تعمــل بالفعل بالقرب مــن طــاقتها القصــوى، بينما تمتد مواعيد تسليم بعض العقــود لسنوات، وهـــو مــــا يجـعــــل زيــــادة الإنتاج عملية معقدة لا يمكن إنجازها فى وقت قصير. ومع تصاعد المواجهة مع إيران اضطرت الولايات المتحدة إلى استخدام أعداد كبيرة من صواريخ الدفاع الجوى، والذخائر الموجهة والأسلحة بعيدة المدى فى المنطقة، وكل صاروخ يُطلق فى الشرق الأوسط يعنى عمليًا صاروخًا أقل فى المخزون المخصص لتلبية احتياجات أوروبا أو أوكرانيا، إلى أن تتمكن المصانع من تعويضه.
ووفقًا لصحيفة االجارديانب البريطانية تتزايد مخاوف الحكومات الأوروبية من عجز الإنتاج الدفاعى الأمريكى عن تلبية الطلب المتزامن من أوكرانيا وحلفاء الناتو، فضلًا عن القوات الأمريكيــة المنتشـرة فى جبهات قتال متعددة. وقد عبَّر مسئولون، فى مقابلات مع الصحيفة عن قلق متزايد من أن تأخيرات تسليم الأسلحة قد تصبح حتمية فى حال اتساع رقعــة الصــراع مـع إيــران أو اســتمراره لفترة أطول.
وقــد تفاقمــت هــذه المخـاوف نظرًا لاعتماد أوروبا الكبير على التكنولوجيا العسكريــة الأمريكيــة، ورغــم الجهـــود الأوروبـيـــة لزيـــادة الإنـتـــاج العسكـرى منذ اندلاع الحرب فى أوكـرانيا، فإن بناء قاعـدة صناعية قـادرة على إنتاج هذه الأنظمة المتطورة بشكل مستقل يحتاج إلى ســنوات مــن الاستثمارات، وتطـوير ســلاسل التوريد، وتأهيل الكوادر الصناعية.
يأتى ذلك فى وقــت تواصــل فيــه روسـيا تعزيز إنتاجها العسكرى والحفاظ على ضغطها العسكـــرى فــى أوكـــرانيا. ورغــم عـــدم وجـــود مؤشرات على نية موسكو مهاجمة أراضى الناتو مباشرة، فإن خبراء الأمن يرون أن أى انطباع بضعف الجاهزية الغربية قد يشجع روسيا على تكثيف الضغوط من خلال الهجمات السيبرانية أو العمليات الهجينة أو المناورات العسكرية أو ممارسة ضغوط سياسية على دول الجناح الشرقى للحلف، ونقلت مجلة "نيوزويك" عن أحد الخبراء قوله إن الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة فى اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، بل فى ظهور نافذة فرصة مؤقتة قد ترى موسكو خلالها أن قدرة الغرب على الردع أصبحت أقل فاعلية، وهو ما قد يؤثر فى حساباتها الاستراتيجية.
كما أعادت هذه التطورات تشكيل النقاشات داخل حلف الناتو، فلم يعد التركيز مقتصرًا على حجم الإنفاق الدفاعى، بل أصبح يدور أيضًا حول قدرة أوروبا على تصنيع الذخائر والصواريخ والعربات المدرعة وأنظمة الدفاع الجوى، دون الاعتماد شبه الكامل على الصناعة العسكرية الأمريكـيـــة، وأصـبحــــت القـــدرات الصـــــناعـيــة وسلاسل الإمداد جزءًا أساسيًا من مفهوم الردع العسكرى فى الحروب الحديثة، وفى هذا السياق أعلنت عدة حكومات أوروبية عن استثمارات جديدة لتوسيع مصانع إنتاج الذخائر، والطائرات المسيّرة والصواريخ والمركبات العسكرية، غير أن خبراء الاقتصاد الدفاعى يؤكدون أن تحقيق قدر ملموس من الاكتفاء الذاتى لن يكون ممكنًا قبل مرور ما بين خمس وعشر سنوات، وهى فترة قد تبقى خلالها أوروبا معتمدة بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة.
ولا تقتصــر تداعــيات هــذه الأزمـــة على القـــارة الأوروبــيـــة، بــل تمـتـد إلــى الاستراتيجــيـــة الأمـــريكـيــــة نفـسـهــــا. فالولايات المتحدة تجد نفسها مطالبة بإدارة ثلاثة مسارح أمنية كبرى فى الوقت ذاته: ردع روسيا فى أوروبا، ومواجهة إيران فى الشرق الأوسط، والحفاظ على جاهزيتها العسكـرية فـى منطـقــة المحيطـين الهــندى والهادئ فى ظل المنافسة المتزايدة مع الصين، وجميع هذه الجبهات تحتاج إلى الأنواع نفسها تقريبًا من الأسلحة المتطورة، ما يخلق منافسة مباشرة على قدرات الإنتاج المحدودة.
وفى هذا السياق ترى صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية أن هذه التطورات تدفع الحكومات الغربية إلى إعادة النظر فى فلسفة التخطيط الدفاعى، فبدلًا من الاستعداد لأزمات منفصلة، بات عليها أن تتهيأ لإدارة صراعات متزامنة تتطلب قاعدة صناعية قادرة على دعم أكثر من حرب فى الوقت نفسه، وهو تحول يعكس نهاية الافتراضات التى سادت بعد الحرب الباردة بأن النزاعات ستكون محدودة وقصيرة الأمد.
ولا يتمثل جوهر النقاش الآن فى الغرب فى احتمال نفاد الأسلحة الأمريكية بشكل فورى، بقدر ما يكشف عن هشاشة هيكلية فى القاعدة الصناعية الدفاعية الغربية، فقد أدت عقود من خفض الإنتاج العسكرى بعد انتهاء الحرب الباردة إلى تقليص الطاقة التصنيعية، بينما أثبتت الحروب فى أوكرانيا والشرق الأوسط أن إعادة بناء هذه القدرات تتطلب وقتًا أطول بكثير من مجرد زيادة الإنفاق العسكرى.
اقرأ أيضا: ترسانة واشنطن فى خطر| استهلاك نصف مخزون الأسلحة.. وخطة لتسريع الإنتاج

شبح «الحرب الشاملة» يطارد الشرق الأوسط
رولا زحالقة تكسر احتكار الرجال للقضاء الشرعي.. امرأة تهزّ محاكم إسرائيل
زيارة الأمير المتمرد تعيد جراح العائلة المالكة.. عودة هاري تشعل القصر البريطاني






