لم يكن الموسيقار هاني شنودة مجرد مبدع ترك بصمة استثنائية في تطوير الموسيقى المصرية وصاحب إسهامات صنعت نقلة نوعية في شكل الأغنية الحديثة، بل امتلك أيضًا حسًا فنيًا نادرًا مكنه من اكتشاف وتقديم 2 من أبرز نجوم الغناء في الوطن العربي، هما محمد منير وعمرو دياب، لتظل تجربته في صناعة النجوم واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا، يمتد أثرها عبر أجيال متعاقبة.
فمنذ بداياته، كان شنودة يؤمن بأن الموهبة الحقيقية تُرى قبل أن تُسمع، وكان يردد دائمًا أنه يستطيع معرفة النجم من “اللمعة اللي في عينيه” قبل صوته، وهو ما وجده في المطرب الشاب عمرو دياب.
بدأت الحكاية عندما شاهد شنودة عمرو دياب يغني في إحدى حفلات فرقة “المصريين” بمدينة بورسعيد، فأدرك على الفور أنه أمام موهبة مختلفة، ولم يكتف بالإعجاب، بل نصحه بالانتقال إلى القاهرة ودراسة الموسيقى أكاديميًا، ثم قدمه للجمهور من خلال ألبوم “يا طريق”، وكانت أول أغنية غناها دياب من ألحان هاني شنودة هي “الزمن” عام 1983، قبل أن يتولى تلحين أربع أغنيات في الألبوم نفسه، إلى جانب توزيع جميع أغنياته، ليضع أولى الخطوات في مشوار “الهضبة”.
ولم يتوقف دور شنودة عند التلحين والتوزيع، بل فتح أمام عمرو دياب أبواب الوسط الفني، فعرفه على كبار الشعراء والمبدعين، من بينهم صلاح جاهين، وعبد الرحيم منصور، وشوقي حجاب، وعزيز الناصر، وهي لقاءات لعبت دورًا مهمًا في تشكيل شخصيته الفنية.
كما قدمه لشركات الإنتاج والإذاعة، وحرص على تعليمه تفاصيل العمل داخل الاستوديو، وكيفية الوقوف أمام الميكروفون، وهي الدروس التي ظل عمرو دياب يتحدث عنها باعتزاز حتى اليوم، مؤكدًا أنه كلما دخل الاستوديو الذي سجل فيه أولى أغنياته، يستعيد رهبة البدايات وذكريات الحلم الأول.
وفي أكثر من مناسبة، وصف هاني شنودة عمرو دياب بأنه “واحد من أولاده”، مؤكدًا أنه لا ينتظر منه رد الجميل، لأن نجاحه الكبير هو المكافأة الحقيقية التي يشعر بالفخر بها.
ومن جانبه، حرص دياب في أكثر من لقاء إعلامي سابق على ذكر فضل شنودة عليه، ليؤكد حجم الدور الذي لعبه في بداياته الفنية، إذ أكد أنه لم ينس أبدًا الأشخاص الذين ساندوه في أول الطريق، وعلى رأسهم هاني شنودة، الذي آمن بموهبته وهو لا يزال شابًا في العشرين من عمره، وفتح أمامه أبوابًا كان الوصول إليها حلمًا لأي مطرب في بداية مشواره، وأوضح دياب أن شنودة لم يكتف بمنحه الفرصة، بل دعمه وعرفه على كبار الشعراء والملحنين، وعلمه أساسيات العمل داخل الاستوديو والوقوف أمام الميكروفون، وهي الدروس التي ما زال يعتبرها من أهم المحطات التي ساهمت في تكوينه الفني.
الكينج
ولم تختلف قصة محمد منير كثيرًا، فعندما تعرف هاني شنودة عليه من خلال الشاعر الكبير عبد الرحيم منصور، كان منير لا يزال يبحث عن فرصته الأولى، بينما كان كثير من المنتجين مترددين في تقديمه.
لكن شنودة رأى ما لم يره الآخرون، وقرر أن يخوض المغامرة، فتولى تلحين 4 أغنيات من أول ألبوماته “علموني عنيكي”، كما قام بتوزيع الألبوم بالكامل، ورغم أن الألبوم لم يحقق النجاح المتوقع وقت صدوره بسبب ضعف انتشار شرائط الكاسيت آنذاك، فإن شنودة لم يتخل عن إيمانه بموهبة منير، وواصل دعمه من خلال ألبوم “بنتولد”، فلحن له 8 أغنيات، وتولى أيضًا توزيع الألبوم بالكامل، ليصبح هذا العمل نقطة التحول الحقيقية التي انطلق منها الكينج نحو النجومية، ويؤكد مرة أخرى قدرة شنودة على قراءة المستقبل الفني للمواهب قبل الجميع.
فرقة المصريين
ولم تقتصر رحلة هاني شنودة في اكتشاف المواهب على النجوم الذين أصبحوا لاحقًا رموزًا في الغناء العربي، بل بدأت مبكرًا مع تأسيسه فرقة “المصريين” عام 1977، أول فرقة موسيقية في مصر تقدم شكلًا جديدًا يمزج بين الموسيقى الحديثة والروح المصرية، بعيدًا عن القوالب التقليدية السائدة آنذاك.
وقدمت الفرقة أصواتًا مميزة، من بينها الفنانة إيمان يونس، والفنانة منى عزيز، وممدوح قاسم، كما تركت مجموعة من الأغنيات التي تحولت إلى علامات في ذاكرة الجمهور، مثل “ماشية السنيورة” و”ماتحسبوش يا بنات” و”الشوارع حواديت”، وغيرهم الكثير.
وبين تطوير شكل الأغنية المصرية، وتأسيس أول فرقة موسيقية عصرية، واكتشاف أصوات صنعت تاريخًا جديدًا للغناء العربي، رسخ هاني شنودة مكانته باعتباره أحد أهم صناع الموسيقى في مصر، وصاحب عين فنية استثنائية لم تكتف بصناعة الألحان، بل صنعت النجوم أيضًا.

Artificial News.. إحلال الذكاء الاصطناعي محل المبدعين
حق الأداء العلني.. الجدل مستمر بين التأييد والرفض
هانى شنودة.. العراب الذي أعاد تشكيل ملامح الأغنية المصرية






