كتب اللواء محمد نجيب شهادة مهمة فى حق جمال عبد الناصر فى مقال نشره فى «الهلال» بعنوان «نمر الثورة» قبل أن يتحول الخلاف السياسى بينهما إلى تطاحن وصراع انتهى بتحديد إقامة محمد نجيب فى منزل زينب الوكيل بالمرج، ويقول فى هذا المقال:
«عرفته فعرفت فيه صفاء النفس، وخبرته فلمست فيه ما وراء الحس، وعركته فأدركت فيه من الخصائص ما لم يتوافر إلا فى النفوس الكبار، فهو رجل عسكرى بقامته المديدة وقوامه الرياضى، شجاع إلى أبعد حدود الشجاعة، وصريح ما وسعته الصراحة، ومثالى فى فدائيته إذا تطلب الوطن بذلًا وفداءً، يفنى نفسه فى الجماعة، ويحتجب دائمًا وراء الظلال ليعمل فى صمت ويوجه فى أناة وصبر، ولا يذكر نفسه إذا ذكر الناس أنفسهم، ويتطلع إلى الصالح العام.
وليس فى خصائص جمال عبد الناصر من النمور إلا قوة صفاتها بل صدق ثباتها، فهو يرضى كل شيء إلا أن يرى بلاده تهوى بها عناصر الفساد وتسيء إليها عصابات السوء، وعندئذ ينقلب الإنسان الحليم الوديع (نمرًا) هائجًا لا يتقهقر فى وثبته ولا يضعف فى هجمته، وقد تعلم جمال عبد الناصر فى مدرسة الوطنية الشيء الكثير..
تعلم أن حق الشعب لن يضيع مهما طال عليه الأمد، وأن ليل الظلم قصير وإن طال، كما تعلم أن مصير الطغاة إلى زوال، ومدرسة الوطنية تعلم الناس من دروس الحياة ما لم يتعلموه فى المعاهد؛ تعلمهم أن شريعة الحياة عدل وقصاص، وأن الآثم مهما أثم وتوارى خلف الأستار سوف يتحلل إثمه وينصهر كما تصهر المعادن فى النار.
ونمر الحركة لا يهدأ له بال فى نهضة الإصلاح، فهو أبدًا يتطلع إلى الأفق البعيد، ولا يرضى لنفسه حياة غير حياة الكفاح، وكيف يرضى النمر حياة الهدوء والاستقرار وقد هدم الطغاة العرين بعد أن عاشوا فى الناس عيشة المفسدين، وضربوا أسوأ الأمثال للحاكمين والمحكومين؟
ولو كان هذا العرين عرين جماعة بذاتها وملجأ طائفة بعينها لما شقى جمال عبد الناصر، ولكنه عرين أمة وبناء شعب كان ينشد الخير من راعيه، فإذا بالراعى يستبد برعيته ويشيع الفساد فى أمته، ويتخذ من التاج وسيلة لا غاية، ومن الولاية مغنمًا ليس له نهاية، دون أن يرعى حق الفقير أو كرامة الكبير.
والنمور فى دنيانا تعتز بالقوة التى لا تهدأ، والبسالة التى لا تُدرك، والوثبات التى لا تخطئ، وهى تنطلق من وثبة إلى وثبة، ومن نهضة إلى نهضة، بعد أن تمثلت فى رجال الجيش الذين وثبوا وثبتهم الوطنية التى سيسجلها التاريخ لهم فى صفحاته لتصل مصر إلى مجدها وعزها ومكانتها المرموقة، والنمور المصرية تشيد اليوم البناء الذى تهدم وهو بناء جديد، فيه كل خصائص المجد التليد، بناء يشمخ بأنفه نحو السماء لأنه يتخذ من الطهارة سندًا ومن الحق عضدًا، وليس فى حياة نمرنا جمال عبد الناصر وقت للفراغ، فهو أبدًا مشغول بالواجبات الوطنية الجسام التى ألقى العهد الجديد أعباءها عليه، ومن أجل ذلك يواصل السعى ليل نهار حتى نصل بنهضتنا إلى غاية الاستقرار، وإيمان جمال عبد الناصر بكفاحه يزداد كل يوم قوة على قوة ورعاية فوق رعاية؛ لأنه رجل لا يرضى بأنصاف الحلول، ويأبى إلا أن يظفر بحقه الكامل إذا طُلب إليه أن يستخلص حقًا من الحقوق أو يعالج مشكلة من المشاكل.
ونمر الحركة نسيج وحده فى تفكيره، فهو لا يرتجل أبدًا، وإنما يدرس كل شيء ويقدر كل احتمال، وإن له من اختياره وإدراكه لدقائق الحياة ما يجعله يحرص على ألا يضع قدمه إلا إذا قدّر موضعًا لخطواته، ومن أجل ذلك احترمه من يعرفه، واشتاق إلى معرفته من لا يعرفه.
وقد ظل النمر على تواضعه وإنكاره لذاته الذى عُرف عنه قبل أن ينبثق فجر الحركة المباركة التى أنقذت البلاد من الطغيان، وارتفعت بكرامتها من الحضيض، وطهرت الحكم من الفوضى والفساد».
الرئيس اللواء محمد نجيب «الهلال» ديسمبر 1953


كنوز| «فلسفة الثورة» فى ميزان «العقاد»
كنوز| «العميد» أول من أطلق على حركة الجيش مسمى «الثورة»
ثورة 23 يوليو تفجر ثورة فى المسرح






