لم يتخذ مفكرنا الكبير عباس محمود العقاد موقفًا محددًا فى بداية حركة الجيش التى أيدها الشعب فتحولت لثورة 23 يوليو 1952، استقبلها بحياد ولم يكتب عنها إلا عندما أهداه الرئيس جمال عبد الناصر نسخة من كتابه «فلسفة الثورة»، فكتب العقاد مقالًا بعنوان «فلسفة الثورة فى الميزان»، وتحول المقال بعد ذلك لكتاب بنفس العنوان، قدم فيه تقييمًا لأهداف ودوافع ثورة 23 يوليو مقارنة بأهداف ودوافع الثورات الكبرى التى قامت فى فرنسا وتركيا والصين، ونقتطف من كتابه فقرات نبدأها بالفقرة التى يقول فيها:
«قرأت الصفحات الثمانين التى كتبها السيد الرئيس جمال عبد الناصر فى كتاب «فلسفة الثورة» فخرجت منها وأنا أعتقد أن الخلاف عليها أقلُّ خلاف فى مثل هذه الصفحات، وفى مثل هذا الموضوع، صوابٌ ولا شك أن الحركة المصرية لا توصف بأنها تمرد عسكرى، ولا توصف بأنها ثورة شعبية؛ لأن التمرد ما كان قط ولن يكون بإجماع الآراء، واتفاق الآحاد والألوف والملايين، ولأن الثورة الشعبية لإسقاط ملك لا يحميه الجيش أمر غير مطلوب، وغير مفهوم، وصواب ولا شك أن الحاضر يعيش ببقية من مساوئ العهود الماضية، وهذا هو باب الأسف والأسى، ولكنه كذلك باب الأمل والعزاء؛ لأنه يدفع اليأس من النفوس إذا عولج فلم يذهب به العلاج بين عشية وصباح - إذ لا يمكن فى غمضة عين أن تزول رواسب قرون، وصواب كذلك أن الشك آفة معطلة للجهود، معطلة للأفكار والآراء».
ويستطرد العقاد قائلًا: السيد الرئيس يقول: «كان من السهل وقتها - وما زال سهلًا حتى الآن - أن نريق دماء عشرة، أو عشرين، أو ثلاثين، فنضع الرعب والخوف فى كثير من النفوس المترددة، ونرغمها على أن تبتلع شهواتها، وأحقادها، وأهواءها…» ثم يقول: «ولكن أى نتيجة كان يمكن أن يؤدى إليها مثل هذا العمل؟ كان من الظلم أن يُفرض حكم الدم علينا دون أن ننظر إلى الظروف التاريخية التى مر بها شعبنا، والتى تركت فى نفوسنا جميعًا تلك الآثار» نعم، يكون ذلك ظلمًا، ويكون أكثر من ظلم؛ لأنه يصيب من لم يصبه العقاب فيضاعف داء الشك والحذر، ويبطل فائدة العلاج ويُيئس من عقباه.
ويواصل العقاد: الصفحات الثمانين التى تحمل اسم «فلسفة الثورة» لا تنحصر بالقارئ فى حدود الأفق المصرى، وإن كانت لا تخرج به من آفاق المسألة المصرية فى أوسع حدودها، فالمصرى فى عصرنا هذا لا يهتم بوطنه حقًّا إن لم تشغله علاقاته بثلاثة آفاق، أو عوالم لا انفصال لها من وطنه؛ وهى «العالم العربى، والعالم الإفريقى، والعالم الإسلامى»، ومصيبة الاستعمار أنه أوقع فى النفوس أن السياسى لا يهتم بأمة أخرى إلا ليطمع فيها، أو يبسط سيادته عليها، ولكننا حريون أن نذكر على الدوام أننا «غير مستعمرين»، وأننا لا نحتاج إلى جهد كبير أو صغير لننفى هذه الشبهة عنا، فليس فى وسع أحد أن يتهمنا بها.
ويتساءل العقاد: أين نحن من العالم العربى؟ ومن العالم الإفريقى؟ ومن العالم الإسلامى؟ نحن فى قلب كل عالم من هذه العوالم، فليس فى وسعنا أن نجهل علاقتنا به ومستقبلنا فيه، ويقول الرئيس جمال: «إن نصف الاحتياطى المحقق من البترول فى العالم، يرقد تحت أرض المنطقة العربية، فنحن أقوياء أقوياء، ليس فى علوِّ صوتنا حين نولول… وإنما أقوياء حين نهدأ، أو حين نحسب بالأرقام مدى قدرتنا على العمل».
ويقول الرئيس أيضاً : «إننا لا نستطيع بحال من الأحوال أن نقف بمعزلٍ عن الصراع الدامى المخيف الذى يدور اليوم فى أعماق إفريقيا بين خمسة ملايين من البيض ومائتى مليون من الإفريقيين… إننا فى إفريقيا… والنيل شريان الحياة لوطننا، يستمد ماءه من قلب القارة، ويبقى أيضًا أن السودان - الشقيق الحبيب - تمتد حدوده إلى أعماق إفريقيا، ويرتبط بصلات الجوار مع المناطق الحساسة فى وسطها، والمؤكد أن إفريقيا الآن مسرح لفوران عجيب مثير، وأن الرجل الأبيض الذى يمثل عدة دول أوروبية يحاول الآن إعادة خريطتها، ولن نستطيع بحال من الأحوال أن نقف أمام الذى يجرى فى إفريقيا، ونتصور أنه لا يمسنا ولا يعنينا».
ويقول الرئيس فى العالم الإسلامى: «حين أسرح بخيالى إلى ثمانين مليونًا من المسلمين فى إندونيسيا، وخمسين مليونًا فى الصين، وبضعة ملايين فى الملايو، وسيام، وبورما، وما يقرب من مائة مليون فى الباكستان، وأكثر من مائة مليون فى منطقة الشرق الأوسط، وأربعين مليونًا داخل الاتحاد السوفييتى، وملايين غيرهم فى أرجاء الأرض المتباعدة، حين أسرح بخيالى إلى هذه المئات من الملايين الذين تجمعهم عقيدة واحدة، أخرج بإحساس كبير بالإمكانيات الهائلة التى يمكن أن يحققها تعاون بين هؤلاء المسلمين جميعًا؛ تعاون لا يخرج عن حدود ولائهم لأوطانهم الأصيلة بالطبع، ولكنه يكفل لهم ولإخوانهم فى العقيدة قوة غير محدودة».
ويعقب العقاد قائلًا: هذا كله صحيح فى الجملة والتفصيل، وليس الاهتمام به من طموح الشباب كما يتخيَّل المتخيل الوادع فى عقر داره، بل أخشى أن أقول إنه من أعباء الشيخوخة قبل أوانها، بل من همومها فى إبَّانها إن كان حمل الهموم البعيدة وقفًا على الشيوخ.
ماذا نصنع إن جنى البترول على العالم العربى فضيَّعه بدلًا من تزويده بأسباب القوة والمناعة؟ وماذا نصنع إن أصبحت إفريقيا للمستعمرين الأوروبيين، ولم تصبح فى الغد القريب إفريقيا للإفريقيين؟ وماذا نصنع إن تهدَّم معنى الحياة كما تمثله المادية الحيوانية، أو كما تمثله الحضارة الحسية، ولم نعتصم من التيار الجارف بعصمة شريفة، تعمِّر نفوس الملايين، وترتفع بها من غمار الذل والاستكانة،
أو غمار القنوط والحَيرة؟ ولكنها فروض واقعة لا تهدأ ولا تنام، وليس علينا بالبداهة أن نعمل كل شيء، ليس علينا أن نعمل لنعفى من يأتى بعدنا من العمل؛ فإننا إن أعفيناه من العمل أسأنا إليه، ولكننا نترك له واجبه، وننهض بواجبنا، وواجب كل جيل من أجيال الأمم أن يُبقى لمن بعده أمانة ولا يبقى له قيودًا من عمله، أو أثقالًا من جرائر إهماله وتفريطه. وإذا استطعنا أن نقول للأجيال المقبلة: إن دَينكم لنا أعظم من دَيننا لأسلافنا، فنحن الأوفياء، وهم الرابحون.
عباس محمود العقاد من «فلسفة الثورة فى الميزان»


كنوز| «نمر الثورة» فى ميزان اللواء محمد نجيب
كنوز| «العميد» أول من أطلق على حركة الجيش مسمى «الثورة»
ثورة 23 يوليو تفجر ثورة فى المسرح






