هناك لحظات يجب أن تعيشها بروحك وتحرص على أن تتسلل نفحاتها الطيبة إلى أعماقك، وليس أعظم وأجدر من مناسك الحج لتنهل منها ما يعينك على الانطلاق في رحاب صفاء الطاعة، لا أن تتحول تلك المناسك المقدسة إلى مناسبة للتباهى أو مادة لمهاويس السوشيال ميديا.
◄ مشهد 1
أكوام الطعام تتكدس فى جانب مهمل بأحد مخيمات الحجاج بعرفات.
الحجاج بملابسهم البيضاء يأتون بأطباق فارغة، ويعودون بها ممتلئة تتساقط الأطعمة من جوانبها من فرط ما تحمله فوق طاقتها.
أصوات تتعالى منتقدة نفاد مخزون لحم المندى، وأخرى تسأل عما تبقى من أنواع الأيس كريم.
البلوجرز يتنافسون - بتمويل من الشركات - على استعراض مظاهر الترف والبذخ فى المخيمات، وبعض الشركات جاءت بأمهر الطهاة وأشهر المطاعم من مصر لتعد للحجاج أشهى الأطعمة والحلويات، ووصل الحال بالبعض أن جاءت إحدى الشركات بمطعم شهير في مصر لإعداد "الكشرى" في مخيمات منى، حتى لا يفتقد حجاجها مذاق الأكلة الشعبية الشهيرة خلال إقامتهم بالأراضى المقدسة!!
◄ مشهد 2
ساحة الطواف بالكعبة تفيض بالطائفين من مختلف الجنسيات، الألسنة تلهج بالذكر والدعاء، فى مشاهد إيمانية ولحظات نورانية قد لا تتكرر فى العمر، الجميع ينظر نحو الكعبة المشرفة، تتعلق العيون بالبناء المقدس، والقلوب تهفو نحو السماء أملا في الاستجابة للدعاء والاستغفار.
وسط كل تلك المشاعر المفعمة بالروحانية، ترتفع أيادٍ بهواتف مضيئة في بث مباشر لا أعرف من يشاهده، ويلتف حملة تلك الهواتف ليصور نفسه، ويصور المحيطين به من النساء والرجال دون استئذان، ولا مانع من مواصلة المكالمة التى ربما تكون مع الأهل أو الأصدقاء، وربما تتعالى الضحكات أو يتوقف الحاج لكتابة بعض التعليقات ليرد على متابعيه ومن يتفرجون عليه خلال الطواف!!
◄ مشهد 3
يصطف الحجاج بالمئات وربما بالآلاف انتظارا للدخول للسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، الجميع ينتظر فى خشوع كى يصلوا إلى الموضع الذى تعانق فيه عيونهم اللافتة التى تواجه قبر أعظم البشر فيلقون عليه السلام ثم يسلمون على صاحبيه أبى بكر وعمر.
وسط هذا الزحام، والدموع التى تذرفها العيون، والدعوات التى تسأل الله شفاعة المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، تفاجأ بنفس الهواتف المحمولة ترتفع فجأة والفلاشات تتوهج، أو شاشات البث المباشر تضىء، بل لا يتحرج البعض من أن يدير ظهره لقبر النبى الأكرم ليلتقط صورة «سيلفى»، تبدو فيها واجهة القبر مجرد خلفية للصورة!!
◄ مشهد 4
في مخيمات منى يبقى الحجاج أياما ثلاثة إن كانوا متعجلين وأربعة لغير المتعجلين، المفترض أن يتفرغوا للذكر والعبادة، وبحسب التوجيه القرآنى "ليذكروا الله كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرا"، لكن ما يحدث فعليا هو حالة ينساق وراءها كثيرون- إلا من رحم ربى- إذ ينخرطون فى حوارات ونقاشات بل وحتى "خناقات" لا تناسب روح تلك المشاعر المقدسة، ولا تليق بالحالة الإيمانية التى خرج بها الحجاج من أعظم أيام الله.
ولا مانع أيضا من التقاط الصور، وتسجيل الفيديوهات والبث المباشر فى مخيمات بعضها مزدحم، وقد تجد فيها من ينام أو يستلقى، أو حتى يبدل ملابسه، لتخترق كاميرات الهواتف خصوصيته دون استئذان!!
■ ■ ■
هذه المشاهد وغيرها كثير تفيض بها رحلة الحج، ورأيتها بعينى هذا العام بعدما أكرمنى الله بحج بيته الحرام.
مشاهد أراها لا تتناسب وروحانيات تلك الرحلة المقدسة التى تهفو إليها قلوب المليارات من المسلمين، يتوقون لكى يأتوا إلى الحج من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم يسألون الله المغفرة، لا ليأكلوا ويشربوا.. وللأسف يسرفوا!!
والغريب أننى رأيت وسمعت العديد ممن يطلقون على أنفسهم "دعاة" ويذهبون كل عام إلى الحج على نفقة شركات السياحة التى تنظم ما بات يُعرف بـ"حج الـ5 نجوم" يبررون مظاهر الإسراف والبذخ وبخاصة فى الطعام والشراب، وأنها من قبيل السعة والنفقة الجائزة لمن يستطيع!!
ورغم وجاهة ذلك التبرير وبديهية التفاوت بين الناس فى الرزق والنفقة، لكن السعة لا تعنى الإسراف والتبذير، وتكديس أكوام الطعام التى غالبا ما يكون مثواها الأخير صناديق القمامة، وليس حتى توزيعها على الحجاج من الدول الفقيرة أو المارة الذين قد يحتاجون إلى ذلك الطعام، وهو سلوك يتنافى مع التقدير الواجب والشكر اللازم من أولئك الحجاج للنعمة التى مَنّ الله عليهم بها، فضلا عما تحمله تلك السلوكيات وتبريراتها لقيم الحج الذى يجسد فى جوانب عديدة منه معانى التخلى عن مظاهر الدنيا الزائلة، والتجرد لله تعالى والمساواة بين المسلمين.
كما أن انتقاص روحانيات العبادة وقدسية لحظات التواجد فى رحاب الكعبة المشرفة أو أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل تسجيل فيديو أو إجراء مكالمة صوتية لإثبات أن الحاج موجود فى تلك المناطق المقدسة مسألة تحتاج إلى تأمل حقيقى.
صحيح أن توثيق اللحظات النادرة بات هاجسا بشريا، خصوصا مع انتشار الهواتف المحمولة، ولكن هناك بعض اللحظات يسمو ويعلو فوق كل محاولات تحويلها إلى مجرد ذكرى على هاتف محمول أو على منصة تواصل، هناك لحظات يجب أن تعيشها بروحك وتحرص على أن تتسلل نفحاتها الطيبة إلى أعماقك، وليس أعظم وأجدر من مناسك الحج لتنهل منها ما يعينك على الانطلاق فى رحاب صفاء الطاعة، لا أن تتحول تلك المناسك المقدسة إلى مناسبة للتباهى أو مادة لمهاويس السوشيال ميديا.
اللهم تقبل من الحجيج حجهم، واغفر لمن سهوا أو فرّطوا، وارزق بفضلك وكرمك كل مشتاق حج بيتك الحرام.
اللهم آمين.

كرم جبر يكتب: موقف الصحف من ثورة ٣٠ يونيو !
جلال عارف يكتب: نتنياهو.. من خبطة العمر إلى السقوط الأخير
رفعت رشاد يكتب: جلال عيسى





