حققت البشرية رقمًا قياسيًا مرعبًا فى 2020، حيث تجاوز وزن المواد التى صنعها الإنسان، وفى مقدمتها الأسمنت، وزن جميع الكائنات الحية على وجه الأرض وفى البحار مجتمعة.
ويسفر هذا الهوس العالمى بالبناء سنويًا عن إنتاج نحو 4 مليارات طن من الأسمنت، ما يفرز وحده 8% من إجمالى الانبعاثات الكربونية العالمية، مهددًا بمفاقمة أزمة الاحتباس الحرارى.
من رحم هذا التحدى البيئى الكارثى، يبرز ابتكار علمى جديد، يعد بإعادة تشكيل مستقبل البناء كليًا، قاده باحثون من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، بمشاركة العالم المصرى بالجامعة د. ماهر القاضى، الأستاذ المساعد فى قسم الكيمياء والكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس الأميركية.
وفى تصريحات خاصة لـ»الأخبار»، أكد القاضى، أن الدافع الرئيسى وراء هذا الابتكار كان مواجهة الاستخدام المفرط للخرسانة والحد من أضرارها البيئية، مشيرًا إلى أن التقنية الجديدة تقدم بديلاً ثوريًا وأقل تكلفة للخرسانة المدعمة بـ»غبار السيليكا»، وهى المادة التى استُخدمت سابقًا لبناء «برج خليفة» فى دبى لإعطاء الخرسانة قوة كبيرة للبناء المرتفع الذى يعد أعلى ناطحة سحاب فى العالم.
وأوضح د. القاضى الفارق الهندسى والاقتصادى الهائل قائلاً: «بينما يتطلب تدعيم الخرسانة بغبار السيليكا إضافة نسبة ضخمة تصل إلى 10% من المزيج، فإن الابتكار الجديد لا يحتاج سوى لجرعة مجهرية من «أكسيد الجرافين» لا تتجاوز واحدًا من مائة فى المائة (0.01%) من كتلة الأسمنت، مما يجعلها خيارًا أقل تكلفة بكثير وأعلى كفاءة».
دور الموجات فوق الصوتية فى الانتاج
وكشفت الدراسة، التى نُشرت عن هذا الابتكار فى المجلة العلمية المرموقة «إيه سى إس أبلايد إنجينيرنج ماتيريالز»، التابعة للجمعية الكيميائية الأمريكية، أن سر نجاحه يعتمد على مدى «التوزيع المتساوى» لأكسيد الجرافين داخل المزيج وليس على كميته.
ولتحقيق ذلك، طور الفريق البحثى طريقة تعتمد على خطوتين، الأولى تفتيت التكتلات بالموجات فوق الصوتية، عن طريق إذابة مسحوق أكسيد الجرافين فى الماء واستخدام الموجات فوق الصوتية (الشبيهة بالتكنولوجيا المستخدمة فى أجهزة تنظيف المجوهرات البسيطة) لتفكيك التجمعات النانوية وخلق مزيج متجانس.
والثانية هى إضافة البوليمرات الذكية، حيث يتم إضافة كمية معتدلة من مادة «بوليكربوكسيلات الإيثر» (PCE)، وهى مادة بوليمرية تزيد من سيولة المزيج دون الحاجة لماء زائد، مما يضمن تماسك الهيكل النانوى للخرسانة.
وأعطت الاختبارات المعملية نتائج مذهلة، حيث أظهرت النتائج أن إضافة أكسيد الجرافين، وهى مادة نانوية مشتقة من الغرافيت بسمك ذرة واحدة، وفقًا للآلية المطورة، قد أدت إلى زيادة قوة المقاومة للانضغاط بنسبة تصل إلى 25% بعد 28 يومًا من الصب، وقللت من مسامية الخرسانة بنسبة تصل إلى 50%، حيث يعمل أكسيد الجرافين كـ»جسور نانوية» تمنع انتشار الشقوق الميكروية، مما ينتج عنه هيكل خرسانى أكثر كثافة ومقاومة للماء والتآكل، وبالتالى يطيل العمر الافتراضى للمبانى والجسور ويقلل تكاليف صيانتها.
عقدان من الأبحاث
وأضاف د. ماهر القاضى، الذى يعمل بالتعاون مع البروفيسور المتميز ريتشارد كانير: «لقد أمضت مجموعتنا البحثية قرابة 20 عامًا فى تطوير وتعديل طرق تصنيع ومعالجة أكسيد الجرافين، وأكثر من عقد من الزمان فى العمل مع شركاء الصناعة لزيادة حجم الإنتاج بجودة عالية وثابتة، إنه لشىء رائع أن نرى هذا الجهد الطويل يتوج بدراسة تحمل مثل هذه الأهمية المجتمعية والبيئية الواضحة». من جانبه، أشاد البروفيسور غوراف سانت، أستاذ الهندسة المدنية ومدير معهد إدارة الكربون بجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس الأميركية بالابتكار، مؤكدًا أنه يقدم إطارًا علميًا متكاملاً يدمج بين تكنولوجيا الموجات فوق الصوتية ومشتتات الجسيمات لتحقيق أقصى استفادة من المواد النانوية.
لماذا يواصل «الإيبولا» حصد الأرواح بعد 50 عامًا من اكتشافه؟
علماء مصريون «يحبسون» الهيدروجين داخل بلورات ذكية
«درع غير مرئى» يطيل عمر المواد







