قبل نصف قرن، اعتقد العالم أنه تعلم الدرس. ففى عام 1976 ظهر فيروس غامض فى قرية نائية بجمهورية الكونغو الديمقراطية، وأثار موجة من الرعب بعدما حصد مئات الأرواح خلال أسابيع قليلة. لكن الاستجابة السريعة آنذاك، والتى اعتمدت على تتبع المخالطين وعزل المصابين وفرض إجراءات دفن آمنة، نجحت فى احتواء التفشى خلال أشهر معدودة، ليصبح الإيبولا أحد أكثر الأمراض فتكًا، لكنه أيضًا من الأمراض التى يمكن السيطرة عليه إذا توافرت الإمكانات واليقظة الصحية.
واليوم، وبعد مرور 50 عامًا على اكتشاف الفيروس، يعود السؤال نفسه ليفرض نفسه بقوة: لماذا لا يزال الإيبولا يقتل البشر؟
تكمن المفارقة فى أن العلماء يعرفون عن الفيروس اليوم أكثر مما عرفوه عند اكتشافه، ومع ذلك ما زالت موجات التفشى تتكرر. فالإيبولا مرض فيروسى حاد ينتمى إلى عائلة الفيروسات الخيطية، ويُعد من أخطر الأمراض المعدية المعروفة بسبب قدرته على التسبب فى حمى نزفية شديدة قد تؤدى إلى الوفاة فى نسبة كبيرة من الحالات إذا لم يتلق المرضى الرعاية المناسبة.
الانتقال بالملامسة
ويُعتقد أن خفافيش الفاكهة تمثل المستودع الطبيعى للفيروس، حيث ينتقل أحيانًا إلى البشر عبر الاحتكاك بالحيوانات المصابة مثل القردة والغوريلا وبعض الثدييات البرية، وبعد وصوله إلى الإنسان يبدأ الخطر الحقيقى، إذ ينتقل من شخص إلى آخر عبر الملامسة المباشرة لدم المصاب أو سوائل جسمه، بما فى ذلك اللعاب والعرق والقىء والبول والبراز، كما يمكن أن ينتقل من خلال الأسطح أو الأدوات الملوثة بهذه السوائل. ولهذا السبب غالبًا ما تتحول الرعاية المنزلية أو مراسم الدفن التقليدية إلى بؤر لانتشار العدوى إذا لم تُتخذ الاحتياطات اللازمة.
وتتراوح فترة حضانة المرض بين يومين و21 يوميًا، وهى الفترة التى تفصل بين الإصابة وظهور الأعراض. وتبدأ الأعراض عادة بصورة مفاجئة بحمى شديدة وإرهاق حاد وصداع وآلام فى العضلات والمفاصل والتهاب بالحلق. ومع تقدم المرض قد يعانى المصابون من القىء والإسهال وآلام البطن وفقدان الشهية، بينما تتطور الحالات الشديدة إلى اضطرابات فى وظائف الكبد والكلى ونزيف داخلى أو خارجى قد يظهر فى صورة نزف من اللثة أو الأنف أو الجهاز الهضمى.
ورغم خطورة المرض، فإن الإيبولا لا ينتشر عبر الهواء مثل الإنفلونزا أو الحصبة، بل يحتاج إلى تلامس مباشر مع الشخص المصاب أو سوائله الجسدية. وهذه الحقيقة تجعل السيطرة عليه ممكنة نسبيًا من خلال الاكتشاف المبكر والعزل وتتبع المخالطين، وهى الإجراءات نفسها التى نجحت فى إنهاء أول تفشٍ للمرض قبل خمسين عامًا.
ضعف الإمكانات يسمح له بالانتشار
لكن المشكلة الحالية لا تتعلق بطبيعة الفيروس وحدها، بل بالظروف التى تسمح له بالانتشار. فالتفشى الجارى فى وسط إفريقيا لم يُكتشف إلا بعد أشهر من بدء انتقال العدوى، ما منح الفيروس فرصة للتوسع بعيدًا عن أعين السلطات الصحية. وتشير البيانات المتاحة إلى تسجيل مئات الحالات المشتبه بها ومئات الوفيات، بينما لا تزال الجهود مستمرة لتحديد نقطة البداية الحقيقية للتفشي.
ورغم أن القارة الإفريقية تمتلك اليوم مختبرات حديثة وتقنيات متقدمة للتشخيص والتسلسل الجينى لم تكن متاحة فى سبعينيات القرن الماضى، فإن هذه الإمكانات لا تصل بالقدر نفسه إلى جميع المناطق. فالمجتمعات الريفية النائية التى تعانى ضعف الخدمات الصحية ونقص الكوادر الطبية تبقى الأكثر عرضة لتأخر اكتشاف الإصابات وانتشار المرض.
كما تلعب النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسى دورًا محوريًا فى تفاقم الأزمة. ففى المناطق التى تشهد صراعات، تصبح حركة الفرق الطبية محدودة، وتتراجع برامج الترصد الوبائى، ويصعب نقل المرضى أو توفير العلاج لهم، ما يمنح الفيروس مساحة أكبر للانتشار.
وتشير تقارير دولية إلى أن تراجع التمويل المخصص للبرامج الصحية والإنسانية خلال السنوات الأخيرة أسهم بدوره فى إضعاف قدرات الاستجابة للأوبئة، خاصة فى الدول التى تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجى لتشغيل منظومات الرعاية الصحية.
معرفة بدون استثمارات
وفى هذا السياق، حذرت افتتاحية نشرتها مجلة «نيتشر» العلمية من أن استمرار سقوط الضحايا بسبب الإيبولا بعد نصف قرن من اكتشافه يمثل إخفاقًا فى إعطاء الصحة العامة الأولوية التى تستحقها. وأكدت أن العالم يمتلك المعرفة العلمية اللازمة لمواجهة المرض، لكن النجاح يتطلب استثمارات أكبر فى البنية الصحية والبحث العلمى والاستعداد الوبائى.
ويواجه الباحثون تحديًا إضافيًا يتمثل فى سلالة «بونديبوجيو» المرتبطة بالتفشى الحالى، إذ لا تتوافر لها حتى الآن لقاحات أو علاجات معتمدة على غرار بعض سلالات الإيبولا الأخرى، ما يبرز الحاجة إلى تسريع الأبحاث العلمية وتطوير أدوات وقاية أكثر فاعلية.
وبعد خمسين عامًا من اكتشاف الفيروس، لا يزال الإيبولا يذكر العالم بحقيقة بسيطة لكنها مؤلمة، وهى أن الأمراض القاتلة لا تزدهر فقط بسبب خطورتها البيولوجية، بل بسبب الثغرات التى تتركها الأنظمة الصحية الضعيفة والصراعات ونقص التمويل. فكل تفشٍ جديد لا يكشف قوة الفيروس فحسب، بل يكشف أيضًا نقاط الضعف فى قدرة المجتمعات على حماية نفسها من أخطار يمكن احتواؤها إذا توافرت الإرادة والاستعداد.
ابتكار أقوى خرسانة فى العالم بعد 20 عامًا من الأبحاث
علماء مصريون «يحبسون» الهيدروجين داخل بلورات ذكية
«درع غير مرئى» يطيل عمر المواد







