د. خالد سعيد يكتب: «بن غفير».. وجه إسرائيل الحقيقي

د. خالد سعيد
د. خالد سعيد


رغم سلمية هدفهم وعدم حملهم للأسلحة - باستثناء المعنوية منها - وإعلانهم المسبق بالحضور ومساندة الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة فإن نشطاء «أسطول الحرية والصمود» حول العالم تم التنكيل بهم وظهروا مُكبَلى الأيدى ومطروحين أرضًا بعد اقتيادهم قسرًا من السفن التى جلبتهم إلى ميناء أشدود الإسرائيلى، ليواجهوا معاملة «غير مقبولة» وزيارات استفزازية من وزراء فى حكومة بنيامين نتنياهو.

فى قلب المياه الدولية وأمام سواحل قبرص وقبل وصولهم إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة اعترضت البحرية الإسرائيلية ناشطى الأسطول، واقتادتهم قسرًا، واختطفتهم من قواربهم، رغم حملهم المساعدات الإنسانية فقط، فى وقت استقبلهم وزير الأمن القومى إيتمار بن غفير بالتنكيل وتكبيل الأيدى وإجبارهم على «الجثو» أرضًا، ولم يكتفِ بذلك بل طالب رئيس حكومته «نتنياهو» بإطلاق يده والتنكيل بهم وسجنهم كـ«الإرهابيين» على حد وصفه. 

تباهى بن غفير بنشره فيديوهات التنكيل بنشطاء الأسطول وكأنه حقق إنجازًا تاريخيًا لبلاده، وهو ما توافقت معه وزيرة المواصلات ميرى ريغيف، حينما قامت هى الأخرى بزيارة مقر التنكيل بنشطاء «الأسطول» الدولى فى ميناء أشدود، واعتبرت أن تلك المعاملة هى الأمر الطبيعى، زاعمة أنهم «مخمورون» وأمرت باعتقالهم بزعم أنهم «مؤيدون للإرهاب لأن السجن هو مكان مؤيدى الإرهاب»، وهو ما نشرته على حسابها الرسمى على مواقع التواصل. 

المؤكد أن عمليات التنكيل لاقت إدانات واسعة حول العالم، بعدما استدعت عدة دول ممثلى وسفراء إسرائيل فى بلدانهم احتجاجًا على سوء المعاملة التى وصفتها بـ«غير المقبولة إطلاقًا»، فى وقت طالبت دول أخرى بتقديم تل أبيب الاعتذار عن التنكيل بحوالى 430 ناشطًا من بلدان كثيرة حول العالم، خاصة أن المجتمع الدولى قد شاهد بوضوح أن أيادى النشطاء مكبلة خلف ظهورهم ووجوههم باتجاه الأرض راكعين على ركبهم، بتعذيب منظم وممنهج بحقهم، فيما يُعزف النشيد الوطنى الإسرائيلى فى الخلفية.

لم يكتفِ وزير الأمن القومى بالتنكيل بنشطاء الأسطول، ولكنه أجبرهم على سماع «هتيكفا» النشيد الوطنى لبلاده، قائلا لأحدهم «جئتم إلينا وأنتم مؤيديون للإرهاب ونحن أصحاب البيت»، وكأنه يُذكِّر نفسه بأن هذا البيت هو وغيره قد اغتصبوه منذ العام 1948.

والثابت أن التنكيل بنشطاء الأسطول الدولى واستفزازات وزراء نتنياهو تعنى تحويل التضامن الإنسانى والعالمى مع الشعب الفلسطينى إلى جريمة يُعاقَب عليها الناشط بالاعتقال والتعذيب، وهى واحدة من المحاولات الإسرائيلية الممنهجة لترهيب كل صوت حر يقف إلى جانب فلسطين، كما أن احتجاز وتنكيل وتعذيب مئات النشطاء العاملين لتقديم المساعدات الإنسانية للأهالى الفلسطينيين فى غزة يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولى، ويعد امتدادًا شرسًا لسياسات العقاب الجماعى والتجويع التى تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين فى القطاع.

وما قام به بن غفير و«ريغيف» يكشف الوجه الحقيقى للاحتلال الإسرائيلى القائم على القمع والعنف المنظم، ويعكس جانبًا حقيقيًا وواقعيًا مما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال، خاصة منذ تولى بن غفير مسئولية السجون الإسرائيلية التى تحولت إلى ساحات للإبادة البطيئة والتعذيب الممنهج بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

والغريب أنه وسط تلك الحالة هاجم وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر بن غفير، معتبرًا إياه قد «تسبب عن قصد وليس للمرة الأولى بإلحاق الضرر بالدولة من خلال هذا المشهد المشين»، مضيفا «أنت لست وجه إسرائيل»، وهو التعبير الحقيقى عن وجه الكيان الإسرائيلى، الذى جاء على لسان وزير خارجيته.

وليست الخارجية الإسرائيلية فحسب التى أعربت عن دهشتها واستغرابها من فعلة بن غفير والفيديو الذى انتشر فى كل أرجاء العالم، فقد كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، أن مسئولين كبارا فى الجيش الإسرائيلى عبّروا عن غضبهم من تصرف الوزير، ورأوا أنه ألحق ضررًا استراتيجيًا ببلاده، واصفين إياه بقيامه بعمل «استفزاز إعلامى» يهدف إلى جذب الانتباه إلى شخصه، مما أساء إلى صورة إسرائيل أمام العالم، ولكنه كشف الحقيقة العارية والمعروفة عن تل أبيب منذ نشأتها.

جاء رد بن غفير على الانتقادات الحادة التى طالته بقوله إن «هناك من لم يفهم بعد كيف يجب التعامل مع داعمى الإرهاب، وإسرائيل لم تعد طفلًا يُصفع»، فى إشارة إلى المشاركين فى أسطول «الصمود والحرية»، ما حدا بزعيم المعارضة يائير لبيد إلى مهاجمته أيضًا، موضحًا أن وزير الأمن القومى قام بـ«هجوم دعائى» على بلاده، وهو ما اتفق معه رئيس الأركان الأسبق الجنرال جادى آيزنكوت من أن بن غفير «يشوِّه صورة إسرائيل فى العالم من أجل التفاعل على مواقع التواصل».

كلمة «التفاعل» أو «لايكات» ترددت على ألسنة العديد من المسئولين حينما يصفون تفاعل بن غفير مع أى حدث يمكن استغلاله مثل واقعة «أسطول الصمود»، على اعتبار أنه يرغب فى زيادة «اللايكات» على صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعى، ولكنه يكشف حقيقة الكيان الصهيونى الحقيقية.