شهدت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تحولات هيكلية كبرى بعد عام 2013 أدت إلى ظهور ما عُرف بـتيار العمل النوعى أو اللجان النوعية، وهو الجناح الذى تبنى الصدام المسلح مع الدولة بشكل مباشر، ومن أبرز القيادات الإخوانية التى تبنت استراتيجيات العنف محمد كمال مؤسس اللجان النوعية، ومحمد بديع المرشد العام الثامن للجماعة، ومحمود عزت القائم بأعمال المرشد العام بعد القبض على بديع، بالإضافة إلى محمد البلتاجى وصفوت حجازى، فهؤلاء قادوا عمليات إعادة الهيكلة نحو العمل المسلح رداً على سقوط حكم الجماعة.
ولم يكن هذا جديدًا على التنظيم الإخوانى، لأنه منذ نشأته على يد المؤسس والمرشد الأول حسن البنا كان يضم قيادات للجناح المسلح بالجماعة االنظام الخاصب الذى أسسه حسن البنا بنفسه.
صالح عشماوى مهندس التوازن الذى أدار لسنوات طويلة التناقض بين القلم الصحفى العلنى والسلاح السرى المسلح داخل التنظيم الإخوانى، كما كان يمثل حلقة الوصل المباشرة بين القيادة السياسية (حسن البنا) والقيادة التنفيذية الميدانية للجناح المسلح بالجماعة.
وكان صالح عشماوى الرجل الأقوى فى التنظيم، الذى أوكل إليه حسن البنا مسئولية صحافة الإخوان، وهو الرجل نفسه الذى تزعم محاولة انقلاب فاشلة على مرشد الإخوان الثانى حسن الهضيبى عام 1953، بمساعدة مسئول النظام الخاص عبدالرحمن السندى، والشيخين محمد الغزالى، والسيد سابق، وكانت أقوى الحوادث التى هزت مكتب الإرشاد فى عهد حسن الهضيبى، طبقا لما ذكره محمود عبدالحليم فى كتابه االإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ - المؤامرة الخسيسةب.
كما يعد عشماوى أحد أبرز الوجوه التاريخية فى جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وتكمن أهميته بالجماعة فى جمعه بين واجهتين متناقضتين تماماً داخلها، الواجهة الإعلامية الدعوية باعتباره رائد الصحافة الإخوانية، والعمق التنظيمى السرى باعتباره أحد المؤسسين والمشرفين على النظام الخاص"الجهاز السرى المسلح لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية".
فعندما قرر حسن البنا تأسيس النظام الخاص فى نهايات عام 1939 وبدايات عام 1940 لم يكن يعتمد فقط على الكوادر الميدانية العسكرية، بل وضع على رأس هذا التنظيم لجنة قيادية عليا تشرف على التوجيه والسياسات واختيار العناصر، وانقسم النظام الخاص إلى شقين؛ أحدهما عسكرى داخل الجيش والشرطة، وثانيهما مدنى يضم طلبة وموظفين، واختار حسن البنا لجنة خماسية للإشراف على هذا الجناح المدنى المسلح وتدريبه، وكان صالح عشماوى أحد أبرز أركان هذه اللجنة، إلى جانب حسين كمال الدين، ومحمود عبد الحليم، وحامد شريت، وعبد العزيز أحمد.
وكشفت مذكرات قادة النظام الخاص مثل كتاب االنقط فوق الحروفب لأحمد عادل كمال وكتاب االإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخب لمحمود عبد الحليم أنه عند ترقى الأعضاء فى درجات التنظيم السرى كانوا يكتشفون أن الشخصية القيادية الغامضة التى تدير الأمور وتأخذ البيعة نيابة عن المرشد فى كثير من الأحيان هو صالح عشماوى؛ حيث كان يمثل حلقة الوصل المباشرة بين القيادة السياسية (البنا) والقيادة التنفيذية الميدانية للجهاز السرى التى تولاها لاحقاً عبدالرحمن السندى.
وتولى عشماوى الإشراف على برامج التربية الجهادية والعسكرية القاسية التى كان يمر بها أعضاء النظام الخاص، التى شملت التدريب على الأسلحة، والتراسل بالشفرات، وتصنيع المتفجرات، والتلقين العقائدى القائم على السمع والطاعة المطلقة.
وشهدت الفترة ما بين عامى 1948 و1951 ذروة العمليات المسلحة للنظام الخاص مثل اغتيال القاضى أحمد الخازندار، واغتيال رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى، وما تلاها من قرار حل الجماعة فى ديسمبر 1948 ثم اغتيال حسن البنا فى فبراير 1949، وبموجب اللائحة الداخلية للجماعة انتقلت صلاحيات المرشد العام تلقائياً إلى صالح عشماوى بصفته الوكيل العام انائب المرشدب، ليتولى قيادة الجماعة الإرهابية خلال أخطر أزماتها التاريخية لمدة قاربت على 30 شهراً (من أوائل 1949 وحتى أواخر 1951).
وقاد عشماوى الجماعة أثناء محاكمة أعضاء النظام الخاص فى القضية الشهيرة المعروفة بـاقضية السيارة الجيبب التى ضبطت فيها أوراق وتفاصيل التنظيم السرى وأسماء أعضائه وخططه التفجيرية، وحاول خلال هذه الفترة الحفاظ على تماسك التنظيم السرى، وإعادة ترتيب أوراقه بعيداً عن أعين الأمن الصارم فى عهد وزارة إبراهيم عبد الهادى.
وانتهت مرحلة قيادة صالح عشماوى المؤقتة باختيار المستشار حسن الهضيبى مرشداً عاماً للجماعة عام 1951، وهو ما مثَّل نقطة تحول كبرى فى مسيرة عشماوى، فعندما أراد المرشد الجديد إخضاع النظام الخاص بالكامل لقيادة مكتب الإرشاد المدنية ورفض استقلالية السلاح والعمليات السرية، انحاز صالح عشماوى فى البداية إلى قادة النظام الخاص وعلى رأسهم عبد الرحمن السندى ضد قرارات الهضيبى، مما أحدث شرخاً كبيراً أدى فى النهاية إلى فصل السندى وتجميد دور عشماوى التنظيمى.
وازداد الخلاف بعد ثورة يوليو 1952؛ حيث كان عشماوى يرى ضرورة التعاون المطلق والتماهى مع مجلس قيادة الثورة، بينما كان للهضيبى ومكتب الإرشاد رؤية توجسية وتصادمية مع المجلس، وأدى هذا الخلاف السياسى والتنظيمى إلى فصل صالح عشماوى رسمياً من الجماعة عام 1953.
وهناك شهادات تاريخية وموثقة من داخل جماعة الإخوان المسلمين نفسها تضمنتها المذكرات المنشورة لقادة "النظام الخاص" تؤكد وتكشف بدقة دور صالح عشماوى التنظيمى والقيادى فى الجناح المسلح للجماعة، وإشرافه على المسارات التى قادت إلى العنف والتفجيرات والاغتيالات فى أربعينيات القرن الماضى، مثل شهادة محمود الصباغ -الذى يعد أحد الأعضاء البارزين فى النظام الخاص- ضمن كتابه احقيقة التنظيم الخاصب الذى أوضح فيه آلية الترقى داخل التنظيم السرى ودور عشماوى المحورى، حيث ذكر الصباغ أنه عندما كان العضو يترقى فى درجات التنظيم السرى ويصل إلى مرحلة متقدمة تؤهله للقيادة كان يكتشف أن الشخص القيادى الغامض االذى كان يُرمز له بالغطاء المستورب الذى يأخذ البيعة نيابة عن المرشد العام حسن البنا هو صالح عشماوى وكيل الجماعة.
وتؤكد شهادة الصباغ أن عشماوى كان يشرف على إمرار العضو الجديد بأربع مراحل، تستغرق كلٌ منها 15 أسبوعاً، يتلقى فيها العضو برنامجاً قاسياً فى التربية العسكرية، والتدريب على السلاح، والتلقين العقائدى القائم على الطاعة.
وأوضح أحمد عادل كمال - أحد القيادات التنفيذية للنظام الخاص وعاصر العمليات المسلحة، بما فيها قضية السيارة الجيب واغتيال الخازندار- فى كتاب االنقط فوق الحروفب الهيكل الإدارى المسئول عن إدارة السلاح والعمليات أن القيادة العليا للتنظيم كانت تتكون من لجنة من عشرة أفراد انقسمت إلى شقين؛ الشق التنفيذى الميدانى بقيادة عبد الرحمن السندى، والشق القيادى التوجيهى الذى كان صالح عشماوى أحد أركانه الخمسة الأساسيين إلى جانب محمد خميس حميدة، والشيخ محمد فرغلى، وعبد العزيز كامل، ومحمود عساف.
ويعد محمود عبد الحليم المؤرخ الرسمى الأول للجماعة وأحد الخمسة الذين شكلوا اللجنة الخماسية المدنية للنظام الخاص، وأكد عبد الحليم فى مذكراته التى تضمنها كتابه االإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخب أن صالح عشماوى كان ركناً أساسياً فى التخطيط الأولى لتأسيس النظام الخاص عام 1940، وتولى قيادة والإشراف على المجموعات العنقودية والتسليح، وربطها بالتوجهات السياسية للجماعة.
وُلد صالح عشماوى بالقاهرة عام 1910، وتخرج فى كلية التجارة العليا عام 1932 وكان الأول على دفعته، وتعرّف على حسن البنا فى بدايات الثلاثينيات، وسرعان ما أصبح من المقربين لديه بسبب قدراته الخطابية والكتابية، وتم تعيينه وكيلاً عاماً للجماعة (نائب المرشد) عقب انشقاق أحمد السكرى عام 1946.
وتولى عشماوى رئاسة تحرير وإدارة أهم مطبوعات الجماعة الإرهابية، مثل مجلة النذير عام 1938، وجريدة "الإخوان المسلمون" اليومية، ومجلة الدعوة التى أسسها عام 1951.
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري
كمال الدين رضا يكتب: لا وقت للخلافات







