الشرقية: إسلام عبدالخالق
"السند".. كلمة يتعمق معناها في وجدان كل مصرية يُدرج اسمها بين سجلات ودفاتر الزوجية، ومهما كانت الخلفية العلمية إلا أن أكثر ما تطلبه وتأمله في شريك حياتها هو ذاك الوصف، وأن يكون ملاذها الآمن وحصنها المنيع، لكن ما جرى وعاشته «أسماء» فاق حدود الخسارة بكثير؛ إذ كابدت الممرضة الشابة وحفرت في صخور الصعوبات لتنتزع تفوقها العملي حتى حصلت على تأشيرة عمل هناك في الأراضي السعودية، وما أن استقرت حتى أرسلت إلى زوجها ورفيق حياتها ليلحق بها ويعيشان هناك رفقة أولادهما الثلاثة عسى أن تأخذ الحياة منعطفها الطيب وتتحسن الظروف أكثر وأكثر، بيد أن الزوج كان يحمل داخله الحقد الذي أكل صفاته الطيبة وحوله إلى وحش اقتحم مسكن زوجته ليسفك دماءها هي ووالدتها ويجلس منتظرًا وصول الأمن بعدما أضاع كل شيء، وكانت النهاية هي حكم المحكمة حياته قصاصًا جراء ما ارتكبته يداه.
قبل ساعات قليلة من الجريمة، كانت شقة الأسرة المصرية في مدينة مكة المكرمة تبدو هادئة من الخارج، كما لو أنها واحدة من عشرات الشقق التي يقطنها مغتربون جاءوا بحثًا عن الرزق والاستقرار بعيدًا عن وطنهم، وخلف الجدران كانت تعيش أسماء، الممرضة المصرية الشابة التي حضرت قبل فترة ليست بالكبيرة من مركز مشتول السوق بمحافظة الشرقية، رفقة والدتها إيمان، تحاولان التمسك بحياة مستقرة رغم الخلافات المتصاعدة مع الزوج، الممرض المصري أحمد، الذي كانت علاقته بزوجته قد وصلت إلى مرحلة شديدة التوتر في الأسابيع الأخيرة.
الخلافات لم تكن عابرة، بحسب ما تكشف لاحقًا في التحقيقات وشهادات الجيران، بل كانت قد بلغت درجة دفعت المتهم إلى ترك الشقة التي كان يقيم فيها مع زوجته ووالدتها، والانتقال للسكن بمفرده بعيدًا عن البناية منذ نحو شهر قبل وقوع الجريمة، لكن البُعد الجسدي لم يكن يعني نهاية الصراع، إذ بقيت الخلافات قائمة، تتصاعد بصمت خلف الأبواب المغلقة، حتى وصلت إلى لحظة الانفجار.
الجريمة فجرًا

في الساعات الأولى من فجر الأربعاء الأول من شهر سبتمبر من العام قبل الماضي، كانت البناية تغط في هدوء ثقيل، والشوارع شبه خالية، والناس نيام، بينما كان المتهم قد اتخذ قراره النهائي، لم يذهب إلى الشقة كزوج يسعى إلى الصلح أو النقاش، بل ذهب بعقل ممتلئ بالغضب والرغبة في إنهاء كل شيء بطريقة دموية.
بحسب اعترافاته التي وردت في حيثيات القضية في الدولة التي يعمل بها، لم يدخل من الباب الطبيعي، بل تسلل إلى المنزل بطريقة تعكس نية مبيتة كاملة؛ إذ قفز سور المنزل، ثم دخل عبر النافذة، وكأنه يعرف جيدًا تفاصيل المكان الذي عاش فيه سابقًا حتى وإن كانت فترة تلك المعيشة قليلة، كان يتحرك في الظلام بصمت، متجنبًا أي صوت قد يوقظ من في الداخل قبل أن يبدأ تنفيذ جريمته.
داخل الشقة، كانت أسماء نائمة في غرفتها، بينما كانت والدتها إيمان في مكان قريب داخل المنزل، وأطفال الزوجين الثلاثة نائمون حالهم كحال الجميع في ذلك الوقت، لم يكن هناك ما يشير إلى أن الساعات التالية ستتحول إلى واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها محيط الجالية المصرية هناك.
توجه المتهم مباشرة إلى المطبخ، وهناك التقط سكينًا، السلاح الذي قرر أن يحسم به خلافاته الزوجية للأبد؛ لم يحمل سلاحًا جاء به من الخارج، بل استخدم أداة من قلب المنزل نفسه، وكأن البيت الذي كان مفترضًا به أن تستمر فيه سنوات الحياة المشتركة قد تحول في لحظة إلى مسرح للقتل، وفتح باب غرفة زوجته بهدوء، وفي تلك اللحظة فقط استيقظت أسماء على وجوده، ربما لم تدرك في البداية ما الذي يحدث، وربما اعتقدت أن الأمر مجرد مواجهة جديدة أو محاولة للحديث بعد الخلافات الطويلة، لكن اللحظة التالية كانت كافية لتحويل كل شيء إلى كابوس دموي.
باغتها الزوج المتهم بالسكين، وبدأ في الاعتداء عليها بعنف، موجهًا طعناته نحو جسدها ورقبتها، وحين حاولت الهرب منه وأخذت تتحرك داخل الغرفة بحثًا عن النجاة انتبهت والدتها، لكن المساحة الضيقة والخوف المفاجئ لم يمنحا أسماء فرصة حقيقية، وبينما كانت تحاول الإفلات من قبضته، دخلت والدتها إيمان على صوت الصراخ عسى أن تنجد ابنتها، بيد أن الأم التي استيقظت على استغاثات ابنتها واندفعت نحو الغرفة في محاولة لإنقاذها، لم تكن تعرف أن الموت قد حضر مجسدًا في صورة زوج ابنتها، ولم تفكر إلا في ابنتها التي تتعرض لمحاولة الذبح أمام عينيها، وفي لحظات، واجهها المتهم بنفس العنف ووجه إليها ضرباته هي الأخرى.
في تلك اللحظات، كانت المأساة تتوسع داخل الشقة؛ أسماء تحاول النجاة، والأم تحاول حماية ابنتها، بينما المتهم يتحرك بينهما بطعنات متلاحقة لا تعرف الرحمة.
اعتراف
تفاصيل الاعترافات التي أوردتها المحكمة كشفت أن المتهم لم يتوقف عند طعنة أو اثنتين، بل استمر في الاعتداء بشكل وحشي؛ إذ طعن زوجته أسماء 23 طعنة متفرقة في أنحاء جسدها، بينها جرح نحري في الرقبة، بينما طعن والدتها إيمان 10 طعنات أخرى في أماكن متفرقة من جسدها.
حيثيات القضية أبرزت ما جرى في ذروة الجريمة؛ إذ حاولت الأم الاستغاثة، وهذه اللحظة تحديدًا ظهرت بوضوح في شهادة شاهد الإثبات الرئيسي ع. إ. ص، وهو جار سعودي الجنسية كان يقيم في نفس البناية، حيث روى الرجل أمام المحكمة تفاصيل الساعات المرعبة التي عاشتها البناية فجر ذلك اليوم، منوهًا بأنه في تمام الرابعة فجرًا، وبينما كان داخل شقته، فوجئ بطرقات على الباب، وحين اقتربت زوجته من عدسة الباب لتتفقد الطارق رأت جارتهم المجني عليها إيمان والدماء تغطي فمها، وكانت في حالة انهيار واستغاثة، قبل أن تعود سريعًا إلى شقتها.
زوجة الشاهد أخبرته بما رأته، فخرج ليستبين الأمر، لكنه لم يجدها أمام الباب، وحينها لاحظ فقط آثار دماء على الأرض تمتد باتجاه شقة المجني عليهما، وبينما كان يحاول الاقتراب، سمع أصوات صراخ واستنجاد، وأصوات أطفال وامرأة تصرخ من الداخل، في تلك اللحظة أدرك أن الأمر أخطر من مجرد مشاجرة عائلية، فاتصل فورًا بدوريات الأمن.
الدقائق التالية كانت حاسمة؛ إذ حضرت قوات الأمن إلى البناية وصعدت نحو الشقة، وطرق رجال الأمن الباب قبل أن يُفتح أخيرًا ليظهر المتهم واقفًا أمامهم بملابس ملطخة بالدماء، لم يحاول الإنكار أو الهرب، وبحسب شهادة الشاهد تحدث المتهم إلى رجل الأمن مباشرة وقال: أنا قتلتهم، ثم دخل في حالة انهيار وتقيأ أمامهم.
داخل الشقة، كانت الجريمة قد انتهت بالكامل؛ أسماء ووالدتها إيمان غارقتان في دمائهما بعد عشرات الطعنات، في مشهد وصفته التحقيقات لاحقًا بأنه بالغ القسوة، كما كشفت أيضًا أن المتهم ظل جالسًا في صالة الشقة بعد انتهاء الجريمة، منتظرًا وصول الأمن، وكأن حالة الغضب التي دفعته للقتل انتهت فجأة بمجرد أن تأكد من موت الضحيتين.
الحكم
القضية التي حملت الرقم 4670877006 أمام الدائرة الجزائية الأولى بمحكمة الاستئناف بمكة المكرمة، تحولت لاحقًا إلى واحدة من أبرز القضايا الجنائية التي تابعتها الجالية المصرية هناك، خاصة مع بشاعة التفاصيل وعدد الطعنات وطبيعة العلاقة بين الجاني والضحيتين.
وخلال جلسات المحاكمة، واجه الادعاء المتهم باعترافاته الكاملة، وشهادات الجيران، والأدلة الجنائية وتقارير الطب الشرعي التي أكدت عدد الطعنات وطبيعتها، وكيف تعمد المتهم إزهاق روح زوجته ووالدتها بشكل متكرر، فيما أكد الشاهد الرئيسي كذلك أن الخلافات بين الزوجين كانت معروفة داخل نطاق الجيران، وأن آخر مرة شوهد فيها المتهم قبل الجريمة كانت في يوم الخميس السابق للحادث، حيث بدا واضحًا وجود توتر شديد بينه وزوجته "أسماء".
ومع تداول القضية أمام درجات التقاضي المختلفة، أصدرت الدائرة الثالثة بالمحكمة الجزائية بمكة المكرمة حكمها بإدانة المتهم بقتل زوجته ووالدتها عمدًا وعدوانًا، قبل أن تؤيد الدائرة الجزائية الأولى بمحكمة الاستئناف الحكم النهائي بمعاقبته بالقتل تعزيرًا، لتنتهي قصة أسرة مصرية خرجت بحثًا عن حياة مستقرة في الغربة، وتتحول إلى جريمة دامية وقعت خلف أبواب شقة مغلقة في ساعات الفجر الأولى، بعدما بدلت الخلافات الزوجية البيت الذي كان من المفترض أن يكون ملاذًا آمنًا إلى مسرح مزدحم بالصراخ والدماء والاستغاثات الأخيرة.
اقرأ أيضا: «أمنية» ضحية الخلافات الزوجية.. التحريات تكشف كواليس مقتل زوجة بطوخ
الاستئناف تعيد حضانة طفلين لوالدتهما بعد كشف ألاعيب الأب
تقتل طفلها انتقامًا من زوجها
ضبط طالب نصب على المواطنين عبر السوشيال ميديا







