بعد سنوات من العنف والإهانة والصبر.. الزوج أنهى حياة زوجته أمام أطفاله

صورة تعبرية
صورة تعبرية


الغربية‭: ‬ماجدة‭ ‬شلبى

في قرية هادئة اعتادت أن تستيقظ على أصوات الفلاحين ووجوه البسطاء خيّم الحزن على كل شيء أبواب المنازل في قرية إخناواي التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية بدت موصدة على وجع ثقيل والنساء وقفن أمام البيوت يتبادلن الدموع قبل الكلمات بينما جلس الرجال في صمت طويل لا يقطعه سوى الدعاء.

الكل هناك يتحدث عن ابنة القرية سلوى الفتاة التي خرجت يومًا من بيت أبيها مرتدية ثوب الزفاف تحمل قلبًا بسيطًا وأحلامًا تشبه أحلام آلاف الفتيات، بيت مستقر، زوج يحتويها وأطفال يكبرون بين ذراعيها في أمان لكنها عادت هذه المرة محمولة على الأعناق جثمان أنهكته القسوة بعد أن انتهت حياتها داخل منزل الزوجية في جريمة أسرية مروعة هزت القلوب قبل أن تهز أبناء محافظة الغربية.

الجريمة التي شهدتها قرية الكوم الأخضر التابعة لمركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية لم تكن مجرد حادث عابر يُضاف إلى صفحات الحوادث بل مأساة إنسانية كاملة الأركان بطلتها أم شابة عاشت سنوات طويلة تحاول حماية بيتها من الانهيار وتقاتل وحدها من أجل أطفالها حتى انتهى بها المطاف غارقة في دمائها أمام أعينهم الصغيرة.

داخل منزل أسرتها في إخناواي جلس الحزن كضيف ثقيل لا يغادر. الأم المكلومة احتضنت صورة ابنتها وكأنها تحاول استعادتها من الموت بينما كان البكاء يقطع كلماتها المتعثرة كل ركن في البيت يحمل أثرًا لسلوى ضحكتها التي كانت تملأ المكان صوت خطواتها حنانها على إخوتها وأطفالها حتى الجدران بدت وكأنها تحفظ ملامحها وترفض تصديق رحيلها.

والد الضحية تحدث بصوت أنهكه القهر وقال ابنتى لم تكن يومًا مصدر مشكلة أو خلاف، بل كانت مثالًا للصبر وتحمل المسئولية.

وأضاف بصوت مكسور: "سلوى كانت شايلة البيت كله فوق كتفها كانت تشتغل وتصرف على بيتها وتساعد جوزها في سداد ديونه وحتى الشقة اللي ماتت فيها ساهمت في تجهيزها من تعبها وشقاها".

وأكد الأب أن ابنته كانت تخفي أوجاعها دائمًا حتى لا تُثقل على أسرتها موضحًا أنها لم تكن تحب الشكوى أو إثارة المشكلات وكانت تفضّل الصمت خوفًا على أطفالها ومستقبلهم لكنه لاحظ في الفترة الأخيرة تغيّرًا كبيرًا عليها إذ بدت مرهقة نفسيًا ومنكسرة بسبب كثرة الخلافات الزوجية.

وتابع الأب حديثه والدموع تملأ عينيه: "آخر مكالمة بيني وبينها كانت قبل الحادث بساعات قالتلي فيه خناقة كبيرة بينها وبين جوزها لكن عمرنا ما تخيلنا إن النهاية هتبقى كده. كنت فاكر إنها مشكلة وهتعدي زي كل مرة".

وبحسب روايات أسرة الضحية؛ فإن الخلافات داخل بيت الزوجية لم تكن جديدة بل استمرت لفترات طويلة وسط تدخلات متكررة من أسرة الزوج خاصة والدة الزوج التي اتهمتها أسرة سلوى بالتحريض المستمر ضد ابنتهم ما زاد من تعقيد الحياة بين الزوجين، ورغم كل ذلك كانت سلوى ترفض ترك منزلها أو العودة نهائيًا إلى بيت أهلها كانت تخشى على أطفالها من التشتت وتتمسك بأي أمل ولو ضعيف في أن تستقر حياتها يومًا ما.

تحملت الإهانة والضغط النفسي وعاشت سنوات طويلة تحاول ترميم بيت يتساقط من حولها قطعة بعد أخرى لكن النهاية جاءت أكثر قسوة مما توقع الجميع.

ليلة الجريمة

في ليلة الجريمة تحولت الشقة الصغيرة بقرية الكوم الأخضر إلى مسرح للرعب.

صرخات الأطفال اخترقت الجدران، والجيران هرعوا نحو المنزل بعد سماع أصوات الاستغاثة لكن الوقت كان قد تأخر.

الأم التي كانت قبل دقائق تحتضن أبناءها وتحاول تهدئتهم سقطت غارقة في دمائها بعدما أنهى زوجها حياتها بعدة طعنات بسكين في يده في مشهد صادم لا يحتمله عقل.

الأكثر ألمًا في الحكاية أن الأطفال كانوا شهودًا على اللحظات الأخيرة لأمهم.

وجوه صغيرة ارتسم عليها الذعر وعيون بريئة ستظل تحمل آثار تلك الليلة لسنوات طويلة.

الجريمة كما قال الأب في أسى وحزن  لم تقتل سلوى وحدها بل سرقت أيضًا طفولة أبنائها وإحساسهم بالأمان وتركت داخل أرواحهم جرحًا قد لا يندمل أبدًا.

والدة سلوى لم تستطع التوقف عن البكاء وهي تتحدث عن ابنتها.

كانت كلماتها تخرج متقطعة وسط الانهيار تقول: "بنتي عمرها ما قصرت كانت تتعب طول اليوم علشان ولادها يعيشوا مستورين وقفت جنب جوزها في أصعب الظروف وساعدته في ديونه وتجهيز بيته وفي الآخر رجعتلي جثة".

ثم صمتت للحظات قبل أن تضيف بصوت مرتجف: "آخر مرة شفتها حضنتني وقالتلي: يا أمي نفسي أرتاح ماكنتش أعرف إنها آخر مرة هشوفها فيها"، واختتمت الأم حديثها بجملة مزقت قلوب كل من سمعها: "الوجع مش بس في موتها الوجع إن ولادها شافوا أمهم وهي بتموت قدامهم".

أهالي القرية أكدوا أن سلوى كانت معروفة بين الجميع بالهدوء والطيبة وحسن الخلق وأنها لم تكن تدخل في خلافات مع أحد.

وفي جنازتها تحولت إخناواي إلى مشهد جنائزي مهيب، النساء انخرطن في البكاء والرجال ساروا خلف النعش بوجوه شاحبة يملؤها الذهول بينما ارتفعت أصوات الدعاء من كل جانب.

لم تكن جنازة عادية بل وداعًا موجعًا لابنة عرفها الجميع بالهدوء والبساطة قبل أن تتحول قصتها إلى واحدة من أكثر القصص إيلامًا في الأيام الأخيرة.

الأطفال الذين كانوا يركضون خلف نعش أمهم دون أن يفهموا معنى الموت كانوا المشهد الأقسى في الجنازة كلها، عيونهم المليئة بالخوف والحيرة اختصرت حجم الكارثة التي ضربت الأسرة.

ففي لحظة واحدة فقدوا أمهم وتحول البيت الذي كان يمنحهم الدفء إلى ذكرى دامية تطاردهم كلما أغمضوا أعينهم.

وفي الوقت الذي تواصل فيه جهات التحقيق فحص ملابسات الواقعة والاستماع إلى أقوال الشهود؛ نجحت الأجهزة الأمنية في ضبط المتهم والتحفظ على السلاح المستخدم، فيما نُقل الجثمان إلى المستشفى تحت تصرف جهات التحقيق التي باشرت التحقيقات لكشف ملابسات الواقعة واتخاذ الإجراءات القانونية وحبس المتهم، يبقى السؤال الأصعب معلقًا داخل بيت الأسرة في إخناواي:ماذا فعلت سلوى لتلقى هذا المصير؟

الأم المكلومة لم تجد إجابة كانت فقط تردد وهي تبكي: "بنتي كانت عايزة تعيش وتربي ولادها عمرها ما أذت حد"، أما والدها فظل لساعات طويلة جالسًا أمام صورتها في صمت قاتل ينظر إلى ملامحها وكأنه ينتظر أن تخرج من الصورة وتعود للحياة مرة أخرى قبل أن يقول بصوت منكسر: "بنتي راحت غدر كانت شايلة البيت كله فوق كتفها".

ومع اتساع الحديث عن الجريمة عاد النقاش مجددًا حول ضحايا العنف الأسري والنساء اللاتي يعشن خلف الأبواب المغلقة تحت ضغوط نفسية واجتماعية قاسية خوفًا من انهيار الأسرة أو تشرد الأطفال.

فـ سلوى لم تكن حالة فردية بل وجهًا جديدًا لمأساة تتكرر في صمت داخل بيوت كثيرة حيث تتحول الخلافات اليومية تدريجيًا إلى عنف ثم تنتهي أحيانًا بكارثة لا يمكن إصلاحها.

خبراء اجتماعيون أكدوا أن استمرار الضغوط الأسرية والتدخلات المتكررة داخل الحياة الزوجية قد يدفع العلاقات إلى مراحل خطيرة، خاصة عندما يغيب الحوار ويتحول الغضب إلى وسيلة للتعامل مع المشكلات.

كما أشاروا إلى أن الأطفال الذين يشهدون مثل هذه الجرائم يظلون لسنوات يعانون من آثار نفسية عميقة قد ترافقهم طوال حياتهم. في قرية إخناواي لا تزال سيرة سلوى حاضرة في كل بيت.

النساء يتحدثن عنها بحزن والرجال يستعيدون تفاصيل جنازتها بصمت ثقيل بينما يقف بيت أسرتها شاهدًا على مأساة لن تُنسى بسهولة.

رحلت سلوى، لكن حكايتها بقيت جرحًا مفتوحًا في ذاكرة أهل قريتها وشاهدًا مؤلمًا على أن بعض البيوت قد تخفي خلف أبوابها المغلقة مآسي لا يراها أحد حتى تتحول فجأة إلى خبر دموي عبر (أخبار الحوادث ) تاركة وراءها أطفالًا أيتامًا وأسرة محطمة، وقرية كاملة لا تزال تبكي ابنتها التي خرجت عروسًا وعادت جثمانًا.

اقرأ  أيضا: مأساة في مدينة بدر.. زوج ينهي حياة زوجته بـ25 طعنة

;