إســـلام عفيفى يكتب: التنبؤ المصرى ولحظة النضج السياسى

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


فى الشرق الأوسط، لا يكفى أن تمتلك القوة لكى تصنع السلام، ولا يكفى أن تنتصر عسكريًا لكى تقود الإقليم، ولا يكفى أن تُسقط الصواريخ على خصمك لكى تعيد ترتيب المنطقة كما تشاء، هذه هى الحقيقة التى كشفتها الحرب على إيران، وكشفها الارتباك الذى أعقبها، وكشفتها أيضًا طريقة تعامل الدول العربية مع اللحظة: لم تنجرّ إلى الفخ، ولم تسمح بأن تتحول المعركة إلى حرب عربية - إيرانية مفتوحة، ولم تقبل أن تصبح المنطقة كلها ساحة لتنفيذ مشروع لا يخدم أمنها القومى ولا مستقبل شعوبها.

كان هناك تصور واضح لدى بعض دوائر القوة فى واشنطن وتل أبيب أن الحرب على إيران يمكن أن تكون مدخلًا لإعادة هندسة الإقليم، أن تُضرب إيران فتضعف جبهاتها، فتُدفع دول الخليج إلى الاصطفاف العسكرى المباشر، ثم يُعاد طرح السلام مع إسرائيل باعتباره «الطريق الواقعى الوحيد» فى مواجهة الخطر الإيرانى، لكن ما حدث على الأرض لم يسر بهذه السهولة فالحرب لم تكسر إيران بالمعنى السياسى، ولم تُنتج شرقًا أوسط جديدًا كما تخيله أصحاب الضربة الأولى، ولم تدفع العرب إلى صراع مفتوح يخدم أجندة الآخرين، بل ربما حدث العكس: العرب قرأوا المشهد بواقعية أكبر، وفكروا فى أمنهم القومى بطريقة أكثر هدوءًا وصلابة، ورفضوا أن يصبحوا وقودًا لحرب لا يملكون قرارها ولا يضمنون نهايتها.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة الموقف العربى، وفى القلب منه الموقف المصرى، مصر قالت مبكرًا، وقبل كل هذه الأزمات، إن المنطقة لن تعرف سلامًا حقيقيًا دون حل عادل للقضية الفلسطينية، ودون حصول الشعب الفلسطينى على حقوقه المشروعة، لم يكن هذا كلامًا تقليديًا يُقال فى المؤتمرات، بل كان قراءة استراتيجية لطبيعة الإقليم ، فكل محاولة للقفز فوق فلسطين، أو التعامل معها كملف إنسانى مؤقت، أو اعتقاد أن القوة العسكرية والتكنولوجيا والتطبيع الاقتصادى يمكن أن تصنع سلامًا مستقرًا بينما الاحتلال قائم والحقوق مُغتصبة، هى محاولة محكوم عليها بالفشل.

الذى حدث أن الحرب أثبتت صحة هذه القراءة، إسرائيل قد تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا، وقد تنجح فى تنفيذ ضربات دقيقة، وقد تتعامل مع نفسها كقوة إقليمية كبرى، لكنها لا تستطيع أن تقود الشرق الأوسط بهذا الشكل، ليس فقط لأن حجمها الجغرافى والديمغرافى محدود، ولكن لأن القيادة الإقليمية لا تُنتزع بالخوف وحده، ولا تُبنى على إنكار حقوق الشعوب، ولا تستقر فوق أنقاض قضية مركزية مثل القضية الفلسطينية، التفوق العسكرى قد يمنحك قدرة على الردع، لكنه لا يمنحك شرعية قيادة الإقليم.

وهنا يجب أن نكون واضحين: الدول العربية ليست ضد السلام، لكنها ضد السلام الذى يُفرض كاستسلام مصر والسعودية، ومعهما دول عربية أخرى، تتبنى سياسة الاستقرار، وتعرف أن الحروب المفتوحة تستنزف الشعوب وتكسر الاقتصادات وتفتح الباب للفوضى، لكنها فى الوقت نفسه تدرك أن السلام الحقيقى لا يمكن أن يكون على حساب القضية الفلسطينية، ولا على حساب أمن الدول العربية، ولا على حساب سيادتها وقرارها الوطنى، هذا هو الفارق بين سلام العقل وسلام الإكراه، فالأول يبنى إقليمًا قابلًا للحياة، والثانى يزرع حربًا مؤجلة تحت اسم السلام.

لقد كانت الحرب على إيران اختبارًا للمنطقة، اختبارًا لقدرة العرب على ألا يقعوا فى معادلة مزيفة: إما أن تدخلوا الحرب معنا، وإما أنكم ضد الأمن والاستقرار، هذه المعادلة سقطت، وأدركت الدول العربية أن أمن الخليج لا يُحمى بإشعال الخليج، وأن مواجهة الخطر الإيرانى لا تعنى بالضرورة الدخول فى حرب إقليمية شاملة، وأن دعم الاستقرار لا يعنى الالتحاق الأعمى بأى مسار عسكرى تقوده واشنطن أو تل أبيب، وهذه لحظة نضج سياسى حقيقية فى الإقليم.

الأهم أن الدول العربية الكبرى بدأت تفكر بمنطق أكثر استقلالًا: ما مصلحتنا نحن؟ ما كلفة الحرب علينا؟ ماذا يحدث للطاقة؟ ماذا يحدث للملاحة؟ ماذا يحدث للاستثمار؟ ماذا يحدث للمدن والمجتمعات إذا تحولت المواجهة إلى صراع مذهبى أو إقليمى طويل؟ هذه الأسئلة لم تكن ترفًا، كانت أسئلة بقاء، ومن الواضح أن الإجابة العربية لم تكن فى صالح الانجرار إلى الحرب، بل فى صالح احتواء التصعيد وبناء جبهة عربية أكثر وعيًا بمصالحها.

من هنا تبدو فكرة «السلام على طريق ترامب» فكرة شديدة التناقض، ترامب يريد أن يصنع سلامًا بالضغط الهائل، بالتهديد، بالصفقات، وبإجبار الأطراف على الجلوس إلى الطاولة بعد إنهاكها، لكن السلام فى الشرق الأوسط ليس صفقة عقارية، ولا اتفاقًا تجاريًا، ولا صورة توقيع فى البيت الأبيض، السلام هنا يحتاج إلى عدالة، وإلى اعتراف بالحقوق، وإلى معالجة الجذور لا الاكتفاء بإدارة النتائج، وإذا لم تُحل القضية الفلسطينية، فكل سلام سيبقى هشًا، قابلًا للاهتزاز عند أول حرب، وأول اقتحام، وأول جولة دم.

وهذا هو جوهر التنبؤ المصرى المبكر، فمصر لم تكن ترفض السلام، بل كانت تحذر من السلام الناقص، كانت تقول إن الاستقرار الحقيقى لا يأتى من تجاهل فلسطين، ولا من بناء تحالفات عسكرية فوق ركامها، ولا من محاولة دمج إسرائيل فى المنطقة بينما تستمر ممارسات الاحتلال والاستيطان والتهديد، إذا أرادت إسرائيل قبولًا حقيقيًا فى الإقليم، فعليها أن تفهم أن القوة لا تكفى، وأن التكنولوجيا لا تكفى، وأن الدعم الأمريكى لا يكفى، الطريق الوحيد هو الاعتراف بأن للفلسطينيين حقوقًا، وأن المنطقة لن تُعاد هندستها فوق إنكار هذه الحقوق.

وربما تكون هذه الحرب قد كشفت أيضًا عن أن العلاقة بين مصر والسعودية، والتقارب بين الدول العربية يمثلان عائقًا حقيقيًا أمام أى مشروع يريد تفتيت القرار العربى أو جره إلى معارك الآخرين، فحين تفكر القاهرة والرياض وأبوظبى والدوحة وعواصم عربية أخرى بمنطق الدولة والمصلحة والاستقرار، يصبح من الصعب أن تُدفع المنطقة كلها إلى حرب بلا حساب، هذا لا يعنى أن العرب أصبحوا جبهة واحدة كاملة أو أن التباينات فى بعض المواقف انتهت، لكنه يعنى أن هناك وعيًا متزايدًا بأن الانقسام العربى هو الثغرة التى يُخترق منها الآخرون.

فى النهاية، فشلت فكرة إعادة هندسة الإقليم بالقوة لأنها تجاهلت طبيعة الإقليم نفسه، الشرق الأوسط ليس مساحة فارغة تنتظر من يرسمها من الخارج، فيه دول كبرى، ومجتمعات حية، وقضايا تاريخية، وذاكرة صراعات، ومصالح لا يمكن تجاوزها بقرار عسكرى، وفشلت كذلك لأن السلام الحقيقى لا يخرج من فوهة المدفع، بل من معادلة سياسية عادلة يشعر فيها الجميع أن مصالحهم وحقوقهم محفوظة.

الحرب على إيران لم تنتج الشرق الأوسط الذى تخيله دعاة القوة، لم تكسر المنطقة، ولم تجرّ العرب إلى الفخ، ولم تجعل إسرائيل قائدًا طبيعيًا للإقليم، ولم تمحُ القضية الفلسطينية من الحساب، بالعكس أعادت التذكير بالحقيقة القديمة التى قالتها مصر مبكرًا: لا سلام بلا عدالة، ولا استقرار بلا فلسطين، ولا قيادة للإقليم بالقوة وحدها، ومن أراد سلامًا حقيقيًا، فطريقه لا يبدأ من الحرب على إيران، بل من الاعتراف بحق الفلسطينيين فى أرضهم ودولتهم وكرامتهم.