يوميات الأخبار

ضيف فى بيت النبى ﷺ

محمد راضى
محمد راضى


خلال الجولة خضت تجربة بصرية وروحية مدهشة داخل غرفة الرسول صلى الله عليه وسلم عبر تقنيات الذكاء الاصطناعى


السبت

يُعد متحف السيرة النبوية معلمًا حضاريًا فريدًا، أشبه بآلة زمن تنقلك من اللحظة الراهنة إلى العصر النبوى بكل تفاصيله الدقيقة، حتى يخيل إليك أنك لست زائرًا، بل شاهد عيان على أحداث عشتها بنفسك. ويحرص زائرو مدينة رسول الله على زيارة المتحف، إلى جانب معرض عمارة المسجد النبوي، لما يحملانه من أجواء روحانية وثقافية استثنائية.

كانت تلك الوجبة الروحية والمعرفية واحدة من أبرز المحطات التى حرصت عليها بعدما كتب الله لى أن أكون ضمن البعثة الإعلامية لوزارة الداخلية لتغطية مناسك الحج، لأجد نفسى ضيفًا فى بيت النبى من خلال تجربة استثنائية يوظَّف فيها الذكاء الاصطناعى داخل متحف السيرة النبوية بالمدينة المنورة.

الزيارة جاءت بدعوة من الهيئة العامة لتنظيم الإعلام بالمملكة العربية السعودية، التى تحرص على تعريف الوفود الإعلامية بمقتنيات متحف السيرة النبوية ومعرض عمارة المسجد النبوي. وفن حديث فى رواية أعظم قصة عرفتها البشرية عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى بأبهى صورة.
وجدت نفسى أعيش سيرة أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم، حيث اصطحبنى بدر الميموني، مدير العلاقات العامة بالهيئة العامة لتنظيم الإعلام بالمملكة العربية السعودية، فى جولة داخل المتحف، لأشاهد لوحة تذكارية تزين جدرانه بأبرز زواره، يتصدرها اسم الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ومع بداية الرحلة داخل المتحف، شعرت وكأن الزمن عاد بى إلى عصر النبوة، حيث بدأ نور الإسلام يتسلل إلى الجزيرة العربية، وحيث وُلدت السيرة، لا كحكاية تُروى، بل كواقع عاشه خير خلق الله منذ نزول الوحى وحتى اكتمال الرسالة.

 لأشاهد تفاصيل السيرة النبوية، والحجرة الشريفة، والغزوات الإسلامية الكبرى. فقد استعادت الشاشات والمجسمات ثلاثية الأبعاد الحياة اليومية للنبى الكريم بكل تفاصيلها الداخلية والخارجية، حتى تكاد تشعر بعبير البساطة والطهر الذى ملأ بيت سيد الخلق.

ومع تتابع المشاهد عبر الشاشات العملاقة، انتقلت بين محطات تاريخية مؤثرة؛ فها هو غار حراء أمامى بمحاكاة دقيقة تروى لحظات التأمل والخلوة التى سبقت البعثة. شعرت وكأن الجبل نفسه يهمس بما دار بين جنباته، وكأننى أقف فى حضرة النبى صلى الله عليه وسلم. ثم تأخذك التقنية إلى مشهد آخر، حيث أعاد الذكاء الاصطناعى تشكيل مكة والمدينة كما كانتا قديمًا؛ بمنازلهما، وجبالهما، وأزقتهما، ومواضع الصحابة، فى مشاهد بصرية تنقلك إلى الزمن الحقيقى لا إلى خيال كتب التاريخ.

وفى أحد الأركان، وقفت أمام نماذج تحاكى ملابس النبى صلى الله عليه وسلم وفق دراسات موثقة حددت الألوان والأقمشة والتفاصيل الدقيقة، لتُعاد صياغتها بأمانة تاريخية مبهرة، حتى شعرت أن بينى وبين زمن النبوة مجرد أنفاس، لا أربعة عشر قرنًا من الزمان. كما شاهدت نماذج لمقتنيات وأدوات استخدمت فى الحياة اليومية آنذاك. ولأن السيرة النبوية لم تكن يومًا منفصلة عن المجتمع الذى نشأت فيه، وجدتنى برفقة الزميل أحمد عبدالله، مدير تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، أمام قسم الطب فى العهد النبوي، حيث الأعشاب الطبية، وأساليب التداوي، والحجامة، وأدوات العلاج القديمة، فى عرض حضارى متكامل يجسد اهتمام الإسلام بالإنسان روحًا وجسدًا.

وبعد دقائق قليلة، انتقلنا إلى الجانب العسكرى من حياة النبى صلى الله عليه وسلم، حيث أعادت التقنيات الحديثة تجسيد الغزوات الإسلامية بدءًا من بدر، مرورًا بأحد والخندق، وصولًا إلى فتح مكة، عبر مشاهد حية تروى الاستراتيجيات العسكرية والأسلحة المستخدمة والعبر العظيمة التى حملتها تلك المواقف التاريخية.

اللمسة المصرية

محمد كمال إسماعيل.. اسم مهندس مصرى ارتبط بأعظم توسعات الحرمين الشريفين فى المملكة العربية السعودية. شعرت بفخر بالغ وأنا أستمع إلى الدكتور مسلم العمراني، مسؤول معرض عمارة المسجد النبوي، وهو يتحدث عن الدور التاريخى الذى قام به المهندس المصرى فى توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي، بعدما اختاره الملك فهد بن عبدالعزيز للإشراف على المشروع، ليرفض الحصول على أجر نظير هذا العمل الجليل. ويُعد معرض عمارة المسجد النبوى وجهة ثقافية ثرية، تتيح للزائر استكشاف تاريخ المسجد النبوى ومراحل توسعته وأبرز مكوناته المعمارية والهندسية منذ تأسيسه وحتى العصر الحديث، بما يحويه من إرث تاريخى يرسخ الارتباط الدينى والحضارى لدى الزائرين.

واستمتعت بشرح الدكتور مسلم العمرانى لمعالم المسجد النبوي، مثل المنبر، والمحراب، والأبواب، والقباب، والمظلات، والمنارات، فضلًا عن مقتنيات أثرية نادرة تضم أجزاءً من المنبر النبوي، وأدوات بناء قديمة، وتحفًا ثمينة ارتبطت بمراحل تشييد المسجد عبر مئات السنين. وكان مصدر فخرى الأكبر كمصرى ذلك التقدير الكبير الذى حظيت به الكفاءات المصرية ودورها البارز فى عمارة الحرمين الشريفين، بما يعكس عمق العلاقات التاريخية بين مصر والمملكة العربية السعودية.

شكرًا وزير الداخلية

ما شاهدته من تيسيرات غير مسبوقة لحجاج القرعة يستحق الإشادة بالسيد محمود توفيق، وزير الداخلية، الذى لم يدخر جهدًا فى توفير كل سبل الراحة لضيوف الرحمن، بداية من اختيار عناصر البعثة بعناية، وصولًا إلى توظيف أحدث التقنيات لخدمة الحجاج المصريين فى الأراضى المقدسة.

وكان أبرز ما لفت انتباهى فور الوصول إلى المملكة العربية السعودية منظومة «حاج بلا حقيبة»، حيث توجّه الحجاج فور وصولهم إلى مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة لإنهاء إجراءات الدخول، ثم استقبلتهم غرفة عمليات بعثة حج القرعة وأشرفت على انتقالهم مباشرة إلى الفنادق المحيطة بالحرم النبوي، بينما تم نقل الحقائب مباشرة من الطائرة إلى مقار الإقامة دون الحاجة إلى اصطحابها، وهو ما أسهم فى تقليل فرص فقدان الأمتعة وتخفيف الأعباء عن الحجاج، خاصة كبار السن.

ورأيت بعينى منظومة متكاملة تعمل لراحة ضيوف الرحمن، بداية من اللواء أحمد عيده، مساعد وزير الداخلية لقطاع الشؤون الإدارية ورئيس الجهاز التنفيذى للجنة الوزارية للحج، وصولًا إلى أصغر فرد داخل بعثة حج القرعة.

الثلاثاء

من أكثر المشاهد الإنسانية التى أسعدتنى خلال مرافقة بعثة حج القرعة، الاستعانة بعناصر الشرطة النسائية لمساعدة السيدات من كبار السن والمرضى فى أداء المناسك بسهولة ويسر.

كانت المرة الأولى التى أستقل فيها قطار الحرمين السريع من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة.

ويُعد قطار الحرمين واحدًا من أسرع القطارات الكهربائية فى العالم، وهو إنجاز يُحسب لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولى عهده الأمير محمد بن سلمان، فى إطار رؤية المملكة لتطوير البنية التحتية وتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن. وخلال موسم الحج، تشهد الفترة من الأول من ذى القعدة وحتى العشرين من ذى الحجة تشغيل أكثر من 5300 رحلة، توفر ما يزيد على 2.2 مليون مقعد لخدمة ضيوف الرحمن. وانطلق القطار بسرعته الفائقة ليقطع مسافة 453 كيلومترًا بين المدينة المنورة ومكة المكرمة فى نحو ساعتين فقط.

الحرب الإقليمية

حققت المملكة العربية السعودية نجاحًا استثنائيًا جديدًا فى تنظيم موسم الحج لعام 1447هـ، رغم التحديات الإقليمية المحيطة، لتؤكد قدرتها الدائمة على الجمع بين الحزم فى حماية أمنها، والرعاية الكاملة لضيوف الرحمن.

وقد تجلت قوة العلاقات المصرية السعودية فى المواقف السياسية الراسخة، خاصة مع إدانة مصر الكاملة لأى اعتداءات تستهدف أمن واستقرار المملكة ودول الخليج العربي، والتأكيد على أن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من أمن مصر والأمة العربية.

وفى النهاية، شعرت بفخر كبير لوجودى على أرض المملكة العربية السعودية، وسط حالة من التقدير والمحبة التى يكنها الجميع للمصريين، إدراكًا لمكانة القاهرة باعتبارها قلب الأمة العربية النابض.

وتجد نفسك هناك رافع الرأس، معتزًا بوطنك، وبما وصلت إليه الدولة المصرية من حضور إقليمى ودولى قوى فى مختلف الملفات، لتردد من القلب.

حفظ الله مصر... وحفظ الله المملكة العربية السعودية... ودامت روابط الأخوة بين الشعبين الشقيقين.