أطلق عنان أحلامك وخذ بالأسباب ولا تخفْ، فأنت سليل حضارة لا يزال العالم يحتار فى أسرارها.. ويا مصر بتعمليها إزاى!.
سؤال حيرنى كثيرًا منذ الصغر ولا يزال: هل الأحلام تسافر.. هل الأحلام تطير.. هل تحل وترحل.. هل تكبر وتصغر.. تتحقق أم تستحيل.. أهى مُطْلقة -بسكون الطاء- أم نسبية؟
فى الصغر حلمت أن أكون طيارًا حربيًا ثم اكتشفت أن نظرى ليس ستة على ستة وبالتالى أدركت أن حلمى لن يتحقق.. تحول الحلم مع المرحلة الثانوية لعالم غريب لا يطرقه عادة أهل الريف وهو أن أصبح عضوًا فى فرقة رضا للفنون الشعبية تأثرًا بالراقص الذهبى محمود رضا.. لكنى أدركت أن والدى لن يستوعب رغبتى، وقد يطردنى من المنزل وقد يتبرأ منى... وتنازلت عن حلمى..
وتحول حلمى إلى أن أصبح سفيرًا لبلادى فى الخارجية، لكنى فوجئت بتريقة زملائى بأن كتبوا على مقعدى فى المدرسة.. «هنا مقعد سفيرنا فى إسرائيل».. بمعنى أن حلمى مستحيل بمعايير الوقت والظرف، ولم نكن ندرى أن ذلك من الممكن حدوثه، وهو ما تحقق بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل..
المهم أن مزحة زملائى حوَّلت مسار أحلامى إلى بلاط صاحبة الجلالة «الصحافة» التى عشقتها حتى النخاع، ولا أظن نفسى كنت مؤهلًا لأى مكان آخر غير ما اختاره الله الذى يعطى بقدر.. ولكل منا مسار حدده الخالق القدير الذى وحده يعرف مناطق تميزك.
تلك الكلمات ليست مشروع مذكرات أنتوى كتابتها لكنها تذكرة لشبابنا بألا يحبس أحلامه بدعوى الوساطة أو عدم وجود فرص عمل أو غيرها، وعليهم فقط التعرف على مناطق تميزهم والأخذ بالأسباب بالتأهيل المطلوب لتحقيقها، فالأمنيات فقط لم تعد تكفى.. والله تعالى خاطب العذراء مريم عندما جاءها المخاض عند جذع النخلة بقوله: «وَهُزِّى إليكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُساقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا فكُلِى واشْرَبى وقَرِّى عَينًا».. وهى دعوة الحق لعباده بضرورة الأخذ بالأسباب، أفليس هو الخالق القادر على أن يأتيها بالطعام دون عناء منها وأن يقول للشىء كن فيكون؟ ..
لا تيأس ولا تحبس أحلامك، فحلمك هو اختبار لإرادتك والرسالة التى تريد تحقيقها، فاجعل لنفسك دائمًا هدفًا أو رسالة وخذ بالأسباب للوصول إليها والتوفيق من رب العباد.
منذ أكثر من ٧٠ عامًا عشنا على حلم دخول المجال النووى.. ظهر الحلم بقوة ثم خفت.. وبرز على السطح واختفى.. خرج من الأدراج وسرعان ما عاد إليها لكنه تحقق بعد أن أخذنا بالأسباب التى تُمكننا من الوصول لحلمنا.. وها نحن نقترب وبقوة من دخول النادى النووى السلمى عبر محطة الضبعة التى من المقرر تشغيل وحدتها الأولى فى ٢٠٢٨ ليكتمل عقد تشغيل الوحدات الأربع للمحطة بحلول ٢٠٣٠.. وذلك لأننا آمنا بحلمنا ولم يتملكنا اليأس وسلكنا طريق الأخذ بالأسباب للوصول إليه.
مصرنا الغالية أولى الدول العربية والإفريقية التى شاركت فى كأس العالم منذ ١٩٣٤.. وطوال تلك السنوات لم نحقق انتصارًا واحدًا وظللنا فى خانة «يكفينا شرف المشاركة» والخروج من دور المجموعات.. حاولنا وحاولنا بالأمنيات ولم يتحقق الحلم الى أن أخذنا بالأسباب..
قيادة وضعت الرياضة نصب أعينها وجهاز فنى وطنى ولاعبين رجال «بحق وحقيق» تحلَّوا بالحماسة والوطنية..
وخرجنا من عنق الزجاجة فى مونديال ٢٠٢٦ وحققنا انتصارين لأول مرة على نيوزيلندا وأستراليا وانتقلنا للدور الثانى لأول مرة أيضًا ثم دور الـ١٦ لأول مرة أيضًا.. ظللنا نتغنى بهدفين لعبد الرحمن فوزى وهدف يتيم لمجدى عبد الغنى من ركلة جزاء..
ولأننا أخذنا بالأسباب ارتفع رصيدنا فى مونديال ٢٠٢٦ الى ١٣ هدفًا واتسعت قائمة الهدافين لتضم محمد صلاح وإمام عاشور وزيكو وتريزيجيه ومحمود صابر وياسر إبراهيم.
أطلق عنان أحلامك وخذ بالأسباب ولا تخفْ، فأنت سليل حضارة لا يزال العالم يحتار فى أسرارها.. ويا مصر بتعمليها إزاى!
لا تقلق
أقصى ما يقلقنى هى كلمة «لا تقلق».. وغالبًا ما يساورنى القلق بل القلق الشديد عندما أسأل شخصًا عن موقف ما فى ظرف ما ويرد مرتاحا مستأنسا بـ «لا تقلق».. قد يظن قائلها أنه بذلك يطمئننى لكنه دون قصد يزرع بذور الشك والقلق فى صحراء قلقى الموحشة والمترامية الأطراف.
أشعر -وبعض الشعور إثم- أنه «بيمشِّى حاله» أو بالأدق «بيريح دماغه» أو على الأغلب يأخذنى «على أد عقلى» أو أنه يحاول مداراة مشكلة ما ويتركها لوقتها.. والغريب أنه فى أغلب الأحيان عندما يأتى الرد بـ«لا تقلق» تأتى النتيجة فى صالح هواجسى وظنونى وأننى كنت مُحقًا فى قلقى، وأنه يجب أن نتنبه جيدًا لمخاوفنا وهواجسنا، وأن نعطيها اهتمامًا لا أن نتركها هكذا ترتع فى ميدان الأوهام، بل نضعها فى بؤرة الاهتمام، وأن نتدبر سيناريوهات للمواجهة إذا ما حدثت بالفعل، وأننا دائمًا وأبدًا علينا الأخذ بالأسباب.. فعندما ينتابك شعور بالقلق انتبه حتى لا تندم عندما تقع المشكلة وتقول لنفسك: «والله كنت حاسس».
القلق يرادفه فى اللغة الظن، وفى قول الحق سبحانه «إنَّ بَعضَ الظنِّ إثمٌ».. ولو أراد سبحانه أن ينفى عنا صفة الظن والقلق لقال إن الظن إثم بشكل مطلق، وفى ذلك نهى عن القلق أو الظن المَرَضى ودعوة للتعقل وعدم التسرع وضرورة الأخذ بالأسباب.
مرادفات كثيرة فى لغتنا الدارجة لكلمة «لا تقلق» أبرزها وأكثرها شيوعًا عبارة «كله تحت السيطرة» و«ولا يهمك» و«قول يا باسط» و«كبر دماغك» أو «يا عم سيبك» وفى لهجة أشقائنا فى الخليج «أبشر.. يصير خير».
وهنا أتذكر صديقًا كنا كلما طلبنا منه طلبًا يرد بمقولة: «ربنا يسهل»، وهى مقولة مطَمْئنة للنفس والقلب لأن فيها اسم الحق سبحانه.. لكنه فى كل مرة يقولها لا يَصْدُق ولا يفعل شيئا، حتى تكشَّف أمره أمام الجميع وعرفنا بما لا يقبل الشك والظنون أنها بالنسبة له تعبير عن الرفض المطلق لكنه يصر على إبلاغنا بردِّه بشياكة وأدب..
وفى النهاية اتفقنا على تسميته بـ«الأستاذ ربنا يسهل».. والغريب أنه لا يزال يمارسها بكل اقتدار وإخلاص ودون خوف أو وجل حتى لا يلبى طلبًا لأحد.. واتفقنا على معاملته بالمثل، وكلما طلب طلبًا نرد عليه مجتمعين: ربنا يسهل!!..
الخلاصة.. لا تتجاهل قلقك وهواجسك وأعطها بعض الاهتمام، لكن احذر من القلق المَرَضى الذى يجعلك تشك فى كل شىء حتى طعامك وشرابك.. اقلق ولكن بحذر.
الانطباع الأول
يظل الانطباع الأول الحاكم للصورة الطبيعية للعلاقات الإنسانية بمختلف أنواعها.. فهناك أشخاص تراهم لأول مرة وتحس أنهم مألوفون لك وتظن أنك كنت تعرفهم فى زمان غير الزمان.. وهناك أشخاص تقابلهم أيضًا لأول مرة ويأتى الانطباع الأول سلبيًا من الطرفين..
فكما جاءت الألفة طبيعية مع النوع الأول يأتى التنافر طبيعيًا أيضًا مع النوع الثانى.. البعض يفسر الانطباع الأول فى النوع الأول بما يسمى تناسق الأرواح، بينما يفسر البعض الآخر النوع الثانى من التنافر على أنه يأتى عن معلومات سمعتها أو تصرف سابق رأيته من تلك الشخصية وحفر فى داخلك أو تسرب إليك عن طريق حكايات اعتقدت صدقها.. لكن التفسير المنطقى أنه لا وجود لسبب محدد لانطباع الألفة أو التنافر، فليس للحب سبب، كما أنه لا سبب للكُرْه أيضا بمنطق «هىَّ كده».. لذا لا تستغربْ عن حكايات حب بدأت فى لقاء فى قطار أو على باب أسانسير.. وحكايات خلافات على توافه الأمور واذا سألت الكاره: لماذا؟ يقول: مفيش، شكله مش عاجبنى.
وهناك نوع ثالث هو الانطباع الموجَّه؛ بمعنى أن يوجهك شخص ما إلى الألفة مع شخص آخر بأن يعدد لك إيجابياته بشكل غير مُرتب، أو يخبرك بمواقف نبيلة له تجعلك منجذبا لهذا الشخص ومشتاقا للتعامل معه.. وفى المقابل قد يحكى لك عن شخص آخر -بهدف التنفير- حكايات بشعة يشيب لها الولدان، أو يصوره لك شيطانًا والعياذ بالله! وبالتالى تكره مجرد رؤيته، وبدوره يستشعر كرهك له فيبادلك الكُره بالكُره.
لكن على أى الأحوال يجب ألا تترك علاقاتك بالآخر مبنية على الانطباع الأول عنه أو عنك، واجعل المعاملة وما تراه منه من تصرفات هى التى تدعوك للألفة أو تجبرك على التنافر.. ويُحبذ أيضا أن تبادره بالألفة لعلها تنتج ألفة وتستقيم الأمور، فليس هناك توافق على طول الخط أو تنافر أبدى.. وحكى لى صديق مهندس أنه عندما التحق بعمله أحسَّ أن هناك موظفا يراه لأول مرة يعامله بجفاء شديد.. يُقرئه السلام فلا يرد..
يعزمه على فنجان شاى فلا يستجيب بل يرفض بفظاظة.. يعامله دائما على أنه نكرة وغير معترف بوجوده.. احتار صديقى فى أمره لكنه قرر أن يبادله التجاهل والفظاظة..
والغريب أن الاثنين استمرا معا فى العمل لمدة طويلة ولم يتغير هذا الانطباع رغم كل المحاولات التى بذلها صديقى لمعرفة سر كرهه له.. والى الآن لا يزال التنافر كما هو رغم عملهما معا منذ سنوات طويلة تفل الحديد وتذيب الجليد لكن لا محالة.
صديقى يسألنى: بالله عليك أعمل ايه لتغيير انطباعه عنى؟ وأجبت بصوت زينات صدقى: على رأى المثل.. من حبنا حبناه وصار متاعنا متاعه.. ومن كرهنا كرهناه وحرم علينا اجتماعه.. وعاد يسألنى: طب أعمل إيه؟! اجبت بصوت العندليب: سيبه يا قلبى يخاصمك سيبه.. بكره الشوق يناديه ويجيبه.
اللهم اجمع قلوبنا على الألفة والحب والتراحم.

سلام الشهداء
اطمن على الآخر!
٧٤ عامًا على ثورة ٢٣ يوليو






