كشف خبير الآثار المصري عن الجذور التاريخية العميقة لطبق "الفتة"، أحد أشهر الأطباق المرتبطة بالأعياد والكرم في العالم العربي، موضحًا أن هذا الطبق يعود إلى مصر القديمة قبل آلاف السنين، حيث ظهر في النقوش والمعابد كطعام احتفالي وقرابين دينية، قبل أن ينتقل عبر العصور الإسلامية إلى بلاد الشام والخليج والمغرب العربي بأشكال ونكهات متعددة حافظت جميعها على روح الطبق الأصيلة القائمة على الخبز المفتت والمرق واللحم.
- الفتة.. طبق مصري ضارب في التاريخ
أكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية أن "الفتة" تعد من أقدم الأطباق المصرية التى عرفها التاريخ، حيث يعود عمرها إلى آلاف السنين، مشيرًا إلى أن هذا الطبق يروى رحلة ممتدة من المعابد المصرية القديمة إلى الموائد العربية الحديثة.
وأوضح الدكتور ريحان، أن أقدم وصفة معروفة للفتة عُثر عليها من خلال النقوش الموجودة على جدران معبد سوبيك، حيث تحكى الرسوم أن الكاهنة "كارا" قامت بذبح خروف وحشته بالبرغل والبصل، ثم زينته بالباذنجان المقلي، وأضافت إليه قطع الخبز المفتت مع المرق والثوم والخل والبصل.
وأشار إلى أن هذا الطبق كان يوزع كقربان فى الأعياد والمناسبات الدينية، ولذلك أطلق عليه اسم "الفتة" نسبة إلى فتات الخبز الذى يُوضع داخل المرق، موضحًا أن الكلمة مشتقة من الفعل "فتت" أى التكسير أو التمزيق إلى أجزاء صغيرة.
- المصريون القدماء وروائع صناعة الخبز
ولفت الدكتور ريحان، إلى أن المصريين القدماء كانوا من أوائل الشعوب التى أتقنت صناعة الخبز، حيث ابتكروا أكثر من 40 نوعًا من الخبز والمخبوزات المصنوعة من قمح "الإيمر" ثنائي الحبة والشعير، وكانوا يطلقون على الخبز اسم "تا".
وأوضح أن أشكال الخبز تنوعت بصورة كبيرة بين الدائرى والمخروطى والمثلث، وبعضها كان يُحلى بالعسل أو التمور، ومن أبرز هذه الأنواع:
الخبز المخروطي أو الهرمي الذى يتميز بقاعدته العريضة وقمته المدببة.
الخبز المستدير الذى كان يقدم قربانًا فى المعابد بأحجام مختلفة.
خبز "ترتح" المستدير الذى يضاف إليه البلح وكان يقدم في الاحتفالات والمناسبات.
خبز "حبنوت" الذى اتخذ أشكالًا متنوعة كالدوائر والمثلثات.
خبز "باتو" الذى كان يُخبز بأشكال قريبة من الكعك.
أنواع أخرى كانت تُشكل داخل قوالب على هيئة حيوانات وطيور لتقديمها فى الأعياد والطقوس الاحتفالية.
وأضاف أن المصريين القدماء يُعدون أول من اكتشفوا طريقة التخمير وصناعة الخبز المختمر باستخدام الخميرة الطبيعية، كما استخدموا قوالب تسخين مسبقة تعرف باسم "بجا" لتشكيل الخبز وخبزه بطرق متطورة قياسًا بعصرهم.
- من الفتة المصرية إلى "الثريد" الإسلامي
وأوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان أن طبق الفتة استمر عبر العصور الإسلامية لكن باسم آخر هو "الثريد"، وهو عبارة عن خبز مفتت يُسكب عليه مرق اللحم، مشيرًا إلى أن هذا الطبق اكتسب شهرة واسعة فى الحضارة العربية والإسلامية.
وأضاف أن العصر الفاطمي شهد ازدهارًا كبيرًا لطبق الفتة، حيث ارتبط رسميًا بطقوس وعادات عيد الأضحى المبارك، وأصبح من الأطباق الأساسية فى الاحتفالات والمناسبات الدينية.
وأشار إلى أن الفتة المصرية الحديثة اكتسبت مذاقًا خاصًا ولمسات مميزة، إذ تتكون من طبقات من الخبز البلدى المحمص والأرز الأبيض واللحم المسلوق، ثم تُسقى بشوربة اللحم الغنية، وتُزين بصلصة الطماطم وتقلية الثوم والخل الشهيرة.
- الفتة فى بلاد الشام والخليج والمغرب
وأكد الدكتور ريحان، أن رحلة الفتة لم تتوقف عند حدود مصر، بل انتقلت إلى مختلف أنحاء العالم العربى بأسماء ووصفات متنوعة.
- الفتة الشامية
تتميز الفتة الشامية باستخدام الخبز المحمص والحمص المسلوق مع الزبادى والطحينة والثوم، وتُزين بالسمن البلدى والصنوبر أو اللوز المحمص.
- الثريد الخليجي
أما الثريد الخليجي، أو الفتة الخليجية، فيتكون من خبز القمح المفتت مع المرق واللحم، ويُعد من أهم الأطباق التراثية فى منطقة الخليج العربى.
- الرفيسة المغربية
وأشار إلى إمكانية اعتبار "الرفيسة" المغربية نوعًا من أنواع الفتة، حيث تعتمد على الخبز الرقيق المفتت والمنقوع فى المرق.
- الفتوت اليمني
وفى اليمن يُعرف الطبق باسم "الفتوت"، ويقدم بصور متعددة تعتمد على الخبز والمرق واللحم.
- المنسف الأردني
كما يمكن اعتبار "المنسف" الطبق الوطنى فى الأردن أحد أشكال الفتة، حيث يصنع من الأرز واللحم والجميد وخبز الصاج المقطع.
- الفتة الغزاوية
وفي فلسطين تشتهر "الفتة الغزاوية"، التى يقدمها أهل غزة كأرز مطبوخ فى مرق اللحم أو الدجاج ويُنكه بالتوابل الخفيفة خاصة القرفة، ثم يوضع فوق خبز الصاج المغمور بالسمن ويغطى بقطع اللحم المختلفة.
وأضاف أن بعض أنواع "المسخن" الفلسطينية يمكن أيضًا اعتبارها من أطباق الفتة لاعتمادها على الخبز والمرق ومكونات مشابهة.
طبق للكرم والتجمعات العائلية
واختتم الدكتور ريحان حديثه مؤكدًا أن الفتة أصبحت تحمل مدلولًا اجتماعيًا وثقافيًا خاصًا فى العالم العربى، حيث ارتبطت بالكرم والفرحة والتجمعات العائلية، خاصة خلال عيد الأضحى المبارك، إذ تقدم عادة مصحوبة بقطع لحم الأضحية الطازجة والمرقة الغنية، لتظل واحدة من أكثر الأطباق الشعبية ارتباطًا بالهوية والتراث العربى والمصرى عبر العصور.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







