على بعد 300 كيلومتر جنوب القاهرة، وتحديدًا في عمق الصحراء بمركز ملوي في المنيا، تقع واحدة من أعظم أسرار الهندسة المائية في العالم القديم. "ساقية تونة الجبل"، تلك البئر الأسطوانية التي تخترق الأرض لعمق يصل إلى 70 مترًا كاملة.
هذا الصهريج الضخم الذي اكتشفه العالم سامي جبرة في ثلاثينيات القرن الماضي، لم يكن مجرد إنجاز معمارياً جافاً، بل كان قلب المنطقة النابض بالحياة والطقوس الدينية وصناعة (التحنيط).
وفي السطور التالية، تأخذنا الباحثة الأثرية مروة أبو عامر في رحلة عبر الزمن لاستكشاف تفاصيل هذا الأثر الفريد الذي يبرهن على العبقرية المصرية في إدارة المياه
وكشفت الباحثة الأثرية مروة أبو عامر تفاصيل ساقية تونة الجبل بمحافظة المنيا، التي تعد أقدم وأضخم خزان مياه من نوعه في التاريخ المصري، حيث لم تقتصر أهمية هذا الأثر الفريد على توفير المياه، بل امتدت لتشمل استخدامات دينية وطقسية متعددة، من بينها التطهير وعمليات التحنيط والشعائر الجنائزية، فضلًا عن ارتباطه بطائر الآيبس المقدس رمز المعبود تحوت.
أوضحت الباحثة الأثرية مروة أبو عامر أن ساقية تونة الجبل تقع داخل المنطقة الأثرية الشهيرة بتونة الجبل بمحافظة المنيا، على بعد نحو 17 كيلومترًا من مركز ملوي، و60 كيلومترًا من مدينة المنيا، وحوالي 300 كيلومتر جنوب القاهرة. وكانت المنطقة تمثل الإقليم الخامس عشر من أقاليم مصر العليا خلال العصور التاريخية المتأخرة.
وأضافت أن هذا الخزان المائي العملاق لم يكن مجرد مصدر للمياه، بل استُخدم كمسبح ومشرب ومكان للتطهير، كما لعب دورًا مهمًا في عمليات التحنيط وتطهير القرابين وإقامة الشعائر الجنائزية.
وتشير الأدلة الأثرية إلى استخدامه كذلك في تربية طائر الآيبس، الطائر المقدس المرتبط بالمعبود تحوت إله الحكمة والمعرفة لدى المصريين القدماء.
وأشارت إلى أن عالم الآثار الدكتور سامي جبرة اكتشف هذا الأثر عام 1933 أثناء أعمال حفائر بعثة جامعة القاهرة، بعدما عثر العمال على البئر العميق داخل حرم معبد تحوت الكبير، الذي يعد من أكبر المعابد المصرية من حيث المساحة.
وفيما يتعلق بتاريخ إنشاء الساقية، أوضحت أن الدكتور سامي جبرة يرجعها إلى العصر الروماني، بينما يرى الدكتور نجيب ميخائيل أن أصولها تعود إلى العصور المصرية المتأخرة، مع تعرضها لأعمال تجديد وتطوير خلال العصرين اليوناني والروماني.
وتابعت أن الساقية عبارة عن صهريج ضخم للمياه شُيد من الطوب الأحمر، وأُقيم تحت سطح الأرض على هيئة بئر أسطوانية هائلة، ويبلغ عمق الجزء السفلي منها نحو 37 مترًا، بينما يصل الجزء العلوي إلى قرابة 40 مترًا، ليبلغ العمق الكلي حوالي 70 مترًا، الأمر الذي جعلها تُصنف كأقدم وأضخم خزان مياه من نوعه في مصر القديمة.
وأكدت الباحثة الأثرية مروة أبو عامر أن هذا الإنجاز الهندسي الفريد يعكس مدى التقدم الذي حققه المصريون القدماء في إدارة الموارد المائية، وقدرتهم على تشييد منشآت تخدم الاحتياجات المعيشية والطقسية في آن واحد، مما يجعل ساقية تونة الجبل واحدة من أبرز الشواهد على عبقرية العمارة والهندسة المصرية عبر العصور.



مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت
حكاية مستضيف النبي.. رحلة الـ 80 عاماً من بيت المدينة إلى أسوار القسطنطينية







