يوميات الأخبار

أحنّ إلى «فتة» أمى!

عبد الهادى عباس
عبد الهادى عباس


الفتة المصرية ليست مجرد وجبة نسدّ بها الجوع؛ بل دستور بهجة المصريين يوم العيد، وصناعتها أشبه برسم لوحة تشكيلية تتوارث الأجيال أسرار فرشاتها وألوانها.
 

«لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك».. كل عام ومصرنا الغالية بالخير واليُمن والبركات؛ فاليوم هو العيد الكبير، عيد الأضحى المبارك، عيد اللحمة و«الفتة» والتضحية والفداء، عيد الدروس الربانية التى علمتنا طاعة الأوامر الإلهية دون مناقشة أو تخاذل، عيد المتعة الحلال والاحتفال المُباح، عيد التوسعة والعطاء على النفس والأهل والجيران؛ فى الأرض المقدسة يجتمع المسلمون من كل فج عميق ليؤدوا ركن الحج الأكبر، تختلف أشكالهم وألوانهم وألسنتهم وتتحد قلوبهم، يرنون إلى السماء بأكفّ الضراعة يُخبتون إلى ربهم، يرجون رحمته ويخافون عذابه: «ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوّفوا بالبيت العتيق»؛ تتفتح أبواب السماء لأدعية الحجيج، وتشتاق قلوب ظمأى إلى الرحاب الطاهرة، حبسها العذر وضيق الحال، وفى رحمة الله متسع أن جعل الحج «لمن استطاع إليه سبيلا». 

وتبقى فرحة المصريين بالأعياد ذات طبيعة فريدة، تعلو قائمتها أصناف الأكلات الفريدة التى تتفنن فيها ست البيت لإدخال السرور على الأسرة فى هذا اليوم الذى يعلو فيه صوت اللحوم على كل صوت آخر؛ ولأنه لا فتة بلا لحم، واللحم فى شروق الأضحى له قدسية خاصة، من أى جزء من الذبيحة كان، «موزة ناعمة»، أو قطعًا مشفاة من الضلوع الحانية، فإن طريقة إعدادها تعكس مهارة «ست البيت»..

فى القنوات الفضائية ووسائل التواصل توجد عشرات الوصفات لعمل فتة الأضحى؛ ولا أشك لحظة أنها جميعًا لا ترتقى إلى «فتة» الوالدة، حفظها الله..

فى قنوات الطبخ سينصحون ست البيت بأن يُسلق اللحم أولًا فى مرق غنى بالبصل، والحبهان، ومستكة تذوب لتعطى الشوربة دسامة ونكهة أصيلة، وبعد أن ينضج اللحم حتى يكاد ينفصل عن العظم، يأتى القرار المصيرى: إما أن يُقدم مسلوقًا يشع نضارة ليحافظ على طعم اللحم الخالص؛ أو يُحمر فى السمن البلدى مع رشة من الملح والفلفل الأسود، ليكتسب تلك القشرة المقرمشة التى تجعل مقاومة التهامها أمرًا مستحيلًا؛ أما أنا فأقسم بالأيمان المغلظة أنه لا توجد على ظهر البسيطة فتة قد تنافس فتة أمى، بشكلها المبهر وطعمها المبهج، وكأن بينها وبين الآكلين قرابة وودًّا فإذا هما كيان واحد بينهما ملعقة تقوم بواجبها المقدس على أكمل وجه. 

«فتة» الهوية !

الأربعاء:

مع تكبيرات العيد التى تملأ الآفاق اليوم، وتلك النسمات الصباحية المحمّلة بعبير المغفرة والبهجة، نستيقظ نحن على نداء من نوع خاص، ليس نداء الاستعداد للخروج فحسب؛ بل هو نداء الافتتاح ليوم «الملحمة»؛ رائحة الخل والثوم واللحم المسلوق نداء زاعق يداعب الحواس، ليعلن للجميع: «كل عام وأنتم بخير، لقد حان وقت الفتة».. حين توضع صينية الفتة الكبرى فى منتصف الطبلية، ونتحلق حولها كأنها كعبتنا، تختفى كل فروق الأعمار والاهتمامات، يلتقى الجد والحفيد، والأب والابن، والمرأة والرجل على ذات المذاق، وتمتد الأيدى لتتشارك هذه البركة «الدسمة»، وتهتبل نصيبها من اللحم المفروش بانتظام فوق الصينية.. صناعة الفتة واللحمة فى يوم العيد ليست مجرد طهو؛ بل هى إعادة إنتاج للهوية المصرية، وطريقة نبرهن بها لأنفسنا وللعالم أن الفرح، رغم كل شيء، ما زال ممكنًا، وأن البهجة تصنعها تفاصيل بسيطة، ولقمة هنية، وقلوب تجتمع على المحبة.

تبدأ الملحمة من تفاصيل صغيرة، لكنها حاسمة؛ لا يمكن لفتة العيد أن تكتمل دون العيش البلدى الأبيض الرقيق، وهذا ما أحبه أنا؛ أو عيش الطابونة المحمص بالفرن، بعد أن يتم تقطيعه بحب وعناية؛ ثم يُحمص فى فرن دافئ، أو يُقلى فى قليل من السمن البلدى حتى يكتسب لونًا زاهيًا وقرمشة تهدهدها لاحقًا دسامة الشوربة.. الفتة الناجحة هى التى تحتفظ فيها قِطَع الخبز بشخصيتها، فلا تتكاسل حتى تصبح عجينًا، ولا تتجلمد حتى تؤذى الأسنان، بل تذوب دلالًا بين الشوربة والأرز.

ثم يأتى دور الأرز المنوفى «المعمّر» بالمحبة، والمفرفر فى الصينية بطبقته الحمراء، كأنه حبات من اللؤلؤ تُفرش بعناية فوق الخبز المحمص، ليكون الستار الذى يفصل بين قرمشة القاع وعنفوان «الصلصة».

إذا كان الأرز والخبز هما جسد الفتة، فإن الخل والثوم هما روحها النابضة، مع الصلصة الحمراء برائحتها النفاذة. فى تلك المقلاة الصغيرة، تتربع ملعقة السمن البلدى، وينزل عليها الثوم المفروم ليتراقص على نيران هادئة حتى يصبح ذهبيًّا؛ وفجأة.. يحدث ذلك الانفجار العطرى المدوى: «طشة الخل»؛ تلك اللحظة تحديدًا هى لحظة إعلان العيد فى كل حارة وكل شارع مصرى؛ رائحة تنفذ من النوافذ لتصنع ذاكرة جماعية لا تُنسى؛ يُقسم هذا المزيج الساحر: جزء منه يذهب مباشرة ليسقى الخبز المحمص مع الشوربة الدافئة، والجزء الآخر يمتزج بعصير الطماطم الطازجة لتتسبك الصلصة الحمراء، التى تُزين وجه الصينية بخطوط تسر الناظرين.

الفتة المصرية ليست مجرد وجبة نسدّ بها الجوع؛ بل دستور بهجة المصريين يوم العيد، وصناعتها أشبه برسم لوحة تشكيلية تتوارث الأجيال أسرار فرشاتها وألوانها.

تقبل الله طاعتكم، ودامت بيوتكم عامرة بالفتة، والخير، والسلام.

زحام مرئى!

الخميس:

علاقة وطيدة أصبحت تجمع بين أطفالنا والسوشيال ميديا تزيد كل يوم، مما يعطى افتراضات منطقية عن سلوكيات أبنائنا خلال السنوات المقبلة، بعدما تسبب هذا الزحام المرئى فى السيطرة على الوعى وتشكيل أفكار جديدة ربما يُصبح من الصعب تغييرها أو إعادة ضبطها خلال أوقات قريبة، وهو الأمر الذى يُعيد طرح أفكار نادى بها الكثير من التربويين عن ضرورة تدريس الإعلام فى مراحل التعليم الأولية.

المسئولية التربوية تقوم على الأسرة فى المقام الأول، ولا نريد أن نلقى باللائمة دائمًا على الإعلام لنخرج من مسئولياتنا الشخصية؛ بعدما تراجع الدور التربوى للآباء بسبب انشغالهم بلقمة العيش؛ وإذا أردنا أن نعيد القيم والأخلاق فى التربية عند الأبناء فلا بد أن يكون للأب والأم دور كبير فى تنشئة الأولاد؛ وإلا سيكون أبوهم الثالث هو وسائل التواصل الاجتماعى التى أصبحت المُعلم الحقيقى لهذه الأجيال.

أعتقد أنه إذا قمنا بتحصين أبنائنا بالقيم والأخلاق الحسنة فيجب ألا نخاف عليهم من الميديا، بمعنى أنه إذا علمت ابنك الأمانة فمهما شاهد من ممارسات تحض على خيانة الأمانة أو لا ترتبط بالأمانة لن يتأثر بها أو تهتز عنده هذه القيمة التربوية المهمة، لأنه قد تحصّن بها من والديه اللذين هما أكثر الناس قربًا له؛ فالبيت والأسرة هما العمود الأساسى فى التربية؛ ومن ثم نفهم لماذا يطالب التربويون بإدخال مناهج التربية الإعلامية فى المدارس، وهذه الفكرة تقوم على تعليم الطفل كيف يختار المادة الإعلامية التى يشاهدها، مع تعليمه النظرة النقدية لكل ما يقرأه أو يشاهده، حتى لا يسلم بصحة وبصدق كل ما يراه؛ وهذا منهج يطبق فى أغلب دول العالم المتقدم، وقد أصبح من المهم الآن تدريس التربية الإعلامية فى المدارس ليتعلم الطفل كيف يتعامل مع الوسائل الإعلامية المختلفة؛ لأنه يوجد الآن زحام إعلامى شديد، آلاف القنوات والصفحات الإليكترونية بلغات عديدة ومضامين متنوعة ما بين الجيد والرديء، فكيف نعلم الطفل كيف يكون هناك اتساق بين الابن وما يشاهده وبين القيم التى تعلمها الطفل وشكلت وجدانه وبين المادة الإعلامية التى يشاهدها، فيجب أن يتعلم الطفل مبادئ التربية الإعلامية فى المدارس، وكيف ينتقد وكيف يفكر وكيف يختار، حتى لا يكون التعرض للأدوات الإعلامية عشوائيًا بالنسبة للطفل؛ ودور الأسرة يأتى هنا فى توجيه الأبناء إلى كيفية الاختيار بين ما يعرض فى الوسائل الإعلامية.