حكاية «الجامكية».. كيف بدأت العيدية في بلاط السلاطين؟

حكاية «الجامكية».. كيف بدأت العيدية في بلاط السلاطين؟
حكاية «الجامكية».. كيف بدأت العيدية في بلاط السلاطين؟


في كل عيد، تكتمل البهجة بـ"العيدية" التي تتناقلها الأيدي بفرحة لا تعترف بعمر، لكن وراء هذه الورقة النقدية الجديدة التي يترقبها الصغار والكبار، رحلة تاريخية مدهشة بدأت من بلاط السلاطين وقصور الخلفاء قبل أن تستقر في بيوتنا. 

لم تكن العيدية مجرد مال، بل كانت تحمل أسماءً غريبة مثل "الجامكية" و"التوسعة"، وتعكس مظاهر كرم وهيبة دول تعاقبت على حكم مصر. 

في السطور التالية، يبحر معنا خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، ليحكي قصة تحول العيدية من "أطباق الذهب والفضة" في العصر المملوكي، إلى تقليد اجتماعي يزين جيوبنا اليوم، ويكشف كيف تحولت عملاتنا المصرية إلى سجل يروي حضارتنا وتاريخنا مع كل بهجة عيد.


عادة سلطانية

كشف خبير الآثار المصري كيف تحولت "العيدية" من عادة سلطانية مرتبطة بالبلاط والحكام إلى تقليد اجتماعي راسخ ينتظره الكبار والصغار في الأعياد، موضحًا أن جذورها تعود إلى العصور الإسلامية الوسطى، حين كانت تعرف باسم "التوسعة" أو "الجامكية"، وتحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية وثقافية امتدت حتى العصر الحديث.

رصد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية مدلول "العيدية"، موضحًا أنها كلمة عربية منسوبة إلى العيد، بمعنى العطاء أو العطف، وهو لفظ اصطلاحى أطلقه الناس على كل ما كانت توزعه الدولة أو الأوقاف من نقود فى موسمى عيد الفطر وعيد الأضحى كتوسعة على أرباب الوظائف، وكانت تعرف فى دفاتر الدواوين باسم "الرسوم"، بينما أطلق عليها فى وثائق الوقف اسم "التوسعة".


عصر المماليك

وأوضح الدكتور ريحان أن هذه العادة تعود إلى عصر المماليك، حيث كان يطلق عليها اسم "الجامكية"، ثم تعرض اللفظ للتحريف بمرور الزمن حتى أصبح "العيدية"، وكان السلطان المملوكى يصرف راتبًا بمناسبة العيد للأتباع من الأمراء وكبار رجال الجيش والعاملين معه، وتختلف قيمة العيدية بحسب الرتبة والمكانة، فكان البعض يحصل عليها فى صورة أطباق مملوءة بالدنانير الذهبية، بينما يحصل آخرون على دنانير فضية، إلى جانب المأكولات الفاخرة التى كانت تقدم فى الاحتفالات الرسمية.

العصر الفاطمي
وأشار إلى أن العيدية فى العصر الفاطمى كانت توزع مع كسوة العيد من الدراهم الفضية، وعندما كان الرعية يتوجهون إلى قصر الخليفة صباح يوم العيد لتقديم التهنئة، كان الخليفة ينثر عليهم الدراهم والدنانير الذهبية من شرفته بأعلى أحد أبواب قصر الخلافة، فى مشهد احتفالى يعكس مظاهر البهجة والكرم فى تلك الفترة.

العصر المملوكي
وأضاف أن العيدية أخذت الشكل الرسمى الواضح فى العصر المملوكى تحت اسم "الجامكية"، قبل أن تتحول لاحقًا إلى الاسم المتداول حاليًا، بينما شهد العصر العثمانى تطورًا آخر فى شكل العيدية، حيث أصبحت تقدم فى صورة نقود وهدايا متنوعة، وهو ما يشبه إلى حد كبير ما يحدث فى الوقت الحاضر.


محمد علي باشا
وأوضح الدكتور ريحان أن عصر أسرة محمد علي باشا شهد التحول الأكبر فى مفهوم "العيدية" إلى الشكل الاجتماعى المعروف حاليًا، إذ أصبح رب الأسرة والأبناء الأكبر سنًا من أصحاب الدخل يقدمون العيدية للأطفال والزوجة والبنات الأكبر سنًا، وارتبطت تدريجيًا باعتبارها مبلغًا نقديًا يقدم مع الهدايا الأخرى فى الأعياد.

العيدية والعملة المصرية

ونوه الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى الأهمية الخاصة للعطاء النقدي بالعملة المصرية، لما تحمله من قيمة معنوية إلى جانب قيمتها المادية، حيث تضم العملات صورًا لأعظم الآثار المصرية القديمة، وهو ما يجعل "العيدية" وسيلة للتعريف بالحضارة المصرية أيضًا.

وأوضح أن الجنيه المصري يحمل صورة معبد أبو سمبل الذي بناه الملك رمسيس الثاني لزوجته نفرتاري تخليدًا لانتصاره على الحيثيين، وتتعامد الشمس داخل قدس الأقداس بالمعبد يومي 22 فبراير و22 أكتوبر من كل عام.

وأشار إلى أن فئة الخمسة جنيهات تحمل صورة معبود النيل "حابي" رمز الخير والنماء في مصر القديمة، حيث كان تلويث نهر النيل يعد من الذنوب الكبرى لدى المصريين القدماء، بينما تحمل العشرة جنيهات صورة تمثال الملك خفرع المصنوع من حجر الديوريت شديد الصلابة، والذى يظهر فيه الصقر حورس حاميًا لرأس الملك، وخفرع هو صاحب الهرم الأوسط وتمثال أبو الهول بالجيزة.

وأضاف أن العشرين جنيهًا تحمل صورة العجلة الحربية، السلاح الذي استخدمه الملك أحمس الأول لطرد الهكسوس من مصر، بينما تحمل الخمسون جنيهًا صورة معبد حورس بن أوزير وإيزيس في أسوان، الذي بناه الملك بطليموس الثالث عام 145 قبل الميلاد فى العصر البطلمى لعبادة حورس.

كما أوضح أن صورة تمثال أبو الهول تظهر على فئة المائة جنيه، فى حين تحمل فئة المائتى جنيه صورة تمثال الكاتب المصرى، وهو ما يعكس المكانة الكبيرة التى حظى بها العلم والتعليم والكتابة فى مصر القديمة، حيث كان الكاتب من الشخصيات المقربة إلى الملك وصاحب مكانة رفيعة داخل المجتمع.