كشفت دراسة أثرية جديدة عن تفاصيل مدهشة لطقوس ذبح الذبائح وتقديم القرابين في مصر القديمة، موضحة أن المصريين القدماء لم يتعاملوا مع الذبح باعتباره مجرد وسيلة لإعداد الطعام، بل بوصفه طقسًا دينيًا متكاملًا تحكمه قواعد دقيقة من الطهارة والفحص والتنظيم، ارتبطت بمفهوم الحفاظ على النظام الكوني والعدالة، فيما عكست هذه الطقوس أيضًا قيم الرحمة والتكافل الاجتماعي التي ميزت الحضارة المصرية عبر العصور.
أوضح خبير الآثار المصرية علي أبو دشيش المدير التنفيذي لمؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث أن جدران المعابد المصرية القديمة، بداية من معابد الكرنك ومعبد الأقصر وحتى مقابر كبار رجال الدولة في سقارة، سجلت مشاهد تفصيلية لطقوس ذبح الذبائح وتقديم القرابين الحيوانية، باعتبارها واحدة من أهم الركائز الأساسية في الفكر العقائدي والاجتماعي لدى المصريين القدماء.
وأكد أن هذه الطقوس لم تكن مرتبطة فقط بتوفير الغذاء، وإنما كانت تمثل شعيرة دينية دقيقة تهدف إلى التقرب من الآلهة وضمان استمرار "ماعت"، وهو المفهوم المصري القديم الذى يرمز إلى العدالة والنظام والتوازن الكوني.
وأشار إلى أن المصري القديم وضع نظامًا متكاملًا لتنظيم الذبح، قائمًا على قواعد صارمة للطهارة والفحص الدقيق، بما يشبه إلى حد كبير ما يُعرف حاليًا بقواعد الذبح الحلال أو الفحص البيطري المتخصص.
- شروط اختيار الذبيحة
وأوضح أبو دشيش أن تقديم الذبائح داخل المعابد لم يكن يتم بصورة عشوائية، بل خضع لإشراف كاهن متخصص كان يعرف باسم "الكاهن المطهّر" أو الفاحص، وكانت مهمته التأكد من صلاحية الذبيحة من جميع الجوانب.
وكانت أولى هذه الشروط أن تكون الذبيحة، وغالبًا من الثيران أو العجول أو الماعز أو الغزلان، سليمة تمامًا وخالية من أي عيوب خلقية أو أمراض أو جروح.
وأضاف أن الكاهن كان يفحص شعر الحيوان ولسانه وأظافره بدقة شديدة للتأكد من خلوه من أى علامات غير مستحبة، وإذا اجتاز الحيوان هذا الفحص كان يتم ربط حبل حول قرنيه، ثم توضع قطعة من الطين مختومة بالختم الملكي أو الكهنوتي كإشارة رسمية إلى أن الذبيحة أصبحت "طاهرة وصالحة للذبح".
خطوات طقس الذبح
وأشار خبير الآثار إلى أن المقابر المصرية القديمة، ومنها مقبرة مقبرة تي ومقبرة مقبرة مريروكا، صورت تفاصيل عملية الذبح بدقة كبيرة تشبه المشاهد السينمائية.
وأوضح أن الخطوة الأولى كانت تتمثل في طرح الذبيحة أرضًا، حيث يقوم المساعدون بربط أرجل الثور بحبال قوية ثم إلقائه برفق على جانبه الأيمن، مع توجيه رأسه غالبًا نحو الجنوب أو الغرب.
أما عملية الذبح نفسها فكانت تتم باستخدام سكاكين كبيرة مصنوعة بعناية، إذ استخدم المصريون فى العصور المبكرة سكاكين من الحجر الصوان، ثم تطورت الأدوات لاحقًا لتصنع من النحاس والبرونز، وكان يتم شحذها جيدًا لضمان سرعة الذبح وتقليل معاناة الحيوان.
وأضاف أن الدماء كانت تجمع فى أوانٍ خاصة بعد قطع الوريد الوداجي، حيث اعتبر الدم رمزًا للحياة والطهارة فى العقيدة المصرية القديمة.
- الفحص بعد الذبح
وأشار أبو دشيش إلى أن الكاهن كان يقوم بفحص ثانٍ بعد الذبح مباشرة، حيث يتفحص الدم والأحشاء الداخلية، خاصة الكبد والقلب، للتأكد النهائي من سلامة الذبيحة وصلاحيتها قبل تقديمها قربانًا داخل المعبد.
وأكد أن هذا الإجراء يعكس مستوى متقدمًا من الوعى الصحى والرقابة الدقيقة لدى المصريين القدماء، الذين اهتموا بسلامة الغذاء وجودته منذ آلاف السنين.
- توزيع اللحوم والتكافل الاجتماعى
وأوضح خبير الآثار أن عملية الذبح لم تنته عند تقديم القربان فقط، بل كانت تتبعها مرحلة مهمة من تقطيع اللحوم وتوزيعها.
وكان الجزء الأكثر قدسية وقيمة هو "الفخذ الأمامي" للثور، المعروف فى المصرية القديمة باسم "خِفِش"، حيث كان يقدم كقربان رئيسي على موائد المعابد.
وأضاف أن أجمل ما ميز هذه الطقوس هو بعدها الاجتماعى والإنساني، إذ لم تكن القرابين تترك بعد انتهاء الشعائر، بل كان يتم ما يعرف باسم "ارتداد القرابين"، حيث توزع اللحوم والخيرات على كهنة المعبد والعمال والفقراء وعامة الشعب المشاركين فى الاحتفال.
وأكد أن هذا النظام يعكس مفهوم التكافل الاجتماعى الذى آمن به المصريون القدماء، حيث تحولت القرابين إلى وسيلة لدعم المجتمع ومشاركة الخير بين الجميع.
- حضارة إنسانية متكاملة
واختتم علي أبو دشيش حديثه بالتأكيد على أن طقوس تقديم القرابين وتوزيع اللحوم فى مصر القديمة لم تكن مجرد شعائر دينية عابرة، بل مثلت نظامًا حضاريًا متكاملًا جمع بين العقيدة والوعى الصحى والرحمة والتكافل الاجتماعى.
وأشار إلى أن كثيرًا من العادات المصرية الحالية المرتبطة بتبادل الطعام والحرص على سلامة الذبائح ومشاركة الآخرين فى المناسبات والأعياد، تعود جذورها إلى هذه التقاليد الحضارية العريقة التى رسخها الأجداد منذ آلاف السنين، لتظل مصر عبر التاريخ نموذجًا للخير والإنسانية والترابط المجتمعى.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







