محمد كمال
في تاريخ الغناء العربي أسماء كثيرة مرّت مثل الشهب، أضاءت للحظة ثم انطفأت، وأسماء أخرى تحوّلت إلى ذاكرة جمعية كاملة، لا يمكن الحديث عن الوجدان العربي الحديث من دون استحضارها، وكانت وردة الجزائرية واحدة من تلك الأصوات التي تجاوزت حدود الطرب إلى صناعة حالة عاطفية وثقافية كاملة، لم تكن مجرد مطربة ذات صوت قوي بل كانت ظاهرة فنية تشكّلت عند تقاطع السياسة والحب والمنفى والأنوثة والهوية العربية، لقد رحلت وردة عام 2012، وتحديدا في 17 مايو حيث يحل هذا الأسبوع الذكرى 14 على وفاتها، لكن صوتها بقي حياً، فبعض الأصوات لا تتحول إلى ذكريات بل إلى جزء من التركيب العاطفي للجمهور، وحين نستمع إليها اليوم لا نستعيد فقط مطربة عظيمة بل نستعيد زمناً عربياً كاملاً، بكل ما فيه من حب وخسارات وأحلام كبيرة.
ربما كانت هذه هي القيمة الحقيقية لفن وردة، لم تكن مجرد مؤدية لأغانٍ ناجحة، بل مرآة حساسة للوجدان العربي في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب، لقد غنّت للحب كما لو أنه معركة وجودية، وغنّت الحنين كما لو أنه وطن بديل، وغنّت للألم من دون ادعاء فلسفي أو تعقيد مفتعل، ولهذا بقيت قريبة من الناس لأنهم وجدوا فيها أنفسهم، لم تكن وردة فقط واحدة من أعظم الأصوات النسائية في القرن العشرين، بل كانت أيضاً نموذجاً للفنانة التي استطاعت أن تحوّل حياتها الشخصية بكل تناقضاتها إلى فن خالد، وبين آلاف الأغنيات التي مرّت في الذاكرة العربية، ستظل أغنيات وردة تحمل ذلك البريق الخاص بريق الصوت الذي لا يغني من الحنجرة فقط، بل من القلب بكل ما فيه من ضعف وعناد وشغف، ولهذا تبدو قراءة مسيرتها اليوم أقرب إلى قراءة جزء من التاريخ العربي نفسه، بما فيه من انكسارات وأحلام ومبالغات رومانسية وأوهام قومية.
ولدت وردة واسمها الحقيقي “وردة فتوكي”، في 22 يوليو 1939 في باريس لأب جزائري وأم لبنانية، في زمن كانت فيه الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي، وكانت الهوية العربية ذاتها تعيش صراعاً وجودياً مع الحداثة الغربية، وربما كانت تلك الولادة المبكرة في المنفى هي البذرة الأولى لتكوين شخصية فنية قلقة ومركّبة، فالفنان الذي يولد بين ثقافتين لا يغني فقط بصوته بل يغني أيضاً بسؤال الهوية ولهذا حمل صوت وردة دائماً شيئاً من الحنين حتى في أكثر أغنياتها فرحاً واحتفالاً.
نشأت في بيئة تميل إلى الفن والطرب، فقد كان والدها يمتلك ملهى فنياً في باريس يرتاده الفنانون العرب، وكان يشرف على تعليمها المغني التونسي الراحل “الصادق ثريا” ، ثم بعد فترة أصبحت لها فقرة خاصة في نادي والدها، كانت تؤدي خلال هذه الفترة أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، ثم قدمت أغاني خاصة بها من ألحان أستاذها الصادق ثريّا.
وهناك في هذا الملهى تعرّفت مبكراً على عالم الغناء والموسيقى، لكن ما يلفت الانتباه في بداياتها ليس مجرد اكتشاف موهبتها، بل طبيعة المناخ السياسي المحيط بها، فقد كان والدها منخرطاً في دعم الثورة الجزائرية وهو ما جعل الملهى مكاناً تختلط فيه الموسيقى بالنقاش الوطني، ومنذ البداية بدت وردة وكأنها ابنة قضية بقدر ما هي ابنة أغنية.
حين جاءت إلى القاهرة في الخمسينيات، كانت المدينة آنذاك العاصمة الفعلية للفن العربي، حيث السينما والمسرح والإذاعة ونجومية أم كلثوم، وصعود عبد الحليم حافظ، ومشروع جمال عبد الناصر القومي، فقد وصلت إلى مصر بدعوة من المنتج والمخرج حلمي رفلة الذي قدمها في أولى بطولاتها السينمائية من خلال فيلم “ألمظ وعبده الحامولي” ليصبح بوابة إقامتها المؤقتة بالقاهرة، وبعدها طلب الرئيس جمال عبد الناصر أن يضاف لها مقطع في أوبريت “الوطن الأكبر”.
لم تدخل وردة إلى هذا العالم كوافدة عادية بل كصوت يملك طاقة استثنائية، وكان واضحاً منذ اللحظة الأولى أن خامة صوتها تختلف عن الأصوات الأنثوية السائدة، فهي ليست رقيقة بالمعنى التقليدي وليست ملائكية كأصوات المدرسة القديمة، بل تمتلك قوة خشنة قليلاً، ممتلئة بالعاطفة قادرة على الانتقال من الهمس إلى الانفجار في لحظة واحدة، لكن الموهبة وحدها لم تكن كافية، فالقاهرة في ذلك الزمن كانت مزدحمة بالأصوات الجميلة، وكان على الفنان أن يجد لنفسه موقعاً خاصاً داخل المشهد.
وهنا تكمن عبقرية وردة الحقيقية إذ استطاعت أن تصنع شخصية فنية قائمة على المزج بين الأداء المسرحي والطرب الكلاسيكي والانفعال الرومانسي، لم تكن تغني فقط بل كانت تقوم بـ”تمثيل” الأغنية، وكانت ملامح وجهها وحركة يديها وطريقتها في الصعود التدريجي نحو الذروة الموسيقية، تجعل المستمع يشعر أنه يشاهد دراما كاملة لا مجرد أغنية، كانت وردة تمثل مرحلة انتقالية مهمة في الغناء العربي، فهي لم تنتمِ بالكامل إلى المدرسة الكلاسيكية الثقيلة التي تمثلها أم كلثوم، ولم تنخرط تماماً في خفة الأغنية الحديثة، لقد وقفت في المنتصف وهذا ما منحها جماهيرية واسعة، كانت قادرة على أداء القصيدة الطويلة والطقطوقة الخفيفة معاً، وعلى الجمع بين الطرب التقليدي والإيقاع العصري، غير أن هذه المرونة نفسها جعلت بعض النقاد ينظرون إليها باعتبارها أقل “نخبوية” من أم كلثوم أو فيروز.
تزوجت وردة في بداية الستينيات وابتعدت عن الفن لفترة في قرار يبدو صادماً إذا قورن بحجم موهبتها، لكن هذا الانقطاع يكشف جانباً مهماً من مأساة الفنانة العربية في ذلك الزمن، إذ كان المجتمع لا يزال ينظر إلى الفن النسائي بوصفه حياة غير مستقرة أخلاقياً أو عائلياً، وكأن المرأة مطالبة دائماً بالاختيار بين النجاح الفني والحياة الخاصة، ولهذا يمكن قراءة انسحاب وردة المؤقت لا بوصفه قراراً فردياً فحسب، بل بوصفه انعكاساً لضغط اجتماعي كامل، لكن الفن الحقيقي لا يموت والموهبة الأصيلة لا تصدأ، فقد نجح الموسيقار محمد عبد الوهاب في إعادة وردة إلى الغناء بعد سنوات الغياب، فقد رأى أن صوتاً بهذا الحجم لا يجوز أن يُدفن داخل حياة منزلية عادية، وكانت عودة وردة من جديد بمثابة ولادة ثانية أكثر نضجاً ووعياً، ففي تلك المرحلة لم تعد وردة مجرد مطربة واعدة، بل تحوّلت إلى مشروع فني متكامل.
ويعتبر الكثيرون أن اللحظة الأهم في مسيرة وردة الغنائية كانت العلاقة الفنية التي ربطتها مع الموسيقار بليغ حمدي، كان بليغ يفهم صوت وردة كما لو أنه امتداد لروحه، وكانت هي تمنحه القدرة على تحويل ألحانه إلى كائنات حية نابضة بالعاطفة، ومعاً شكّلا ثنائياً يشبه العاصفة مليئاً بالحب والشجن والغيرة والإبداع، لم يكن مجرد تعاون مهني، لقد كانت حالة موسيقية إبداعية شديدة الخصوصية أطفت عليها ملامح إنسانية حقيقية ولهذا وصلت إلى الجمهور بهذه التأثير.
نجاح وردة لم يكن فنياً فقط بل كان أيضاً مرتبطاً بتحولات الذوق العربي، ففي الستينيات والسبعينيات كان العالم العربي يعيش صعود الحلم القومي ثم انهياره بعد هزيمة 1967، ومع هذا الانكسار الكبير بدأ الناس يبحثون عن ملاذ عاطفي أكثر حميمية، وهنا جاءت أغنيات وردة لتلعب دوراً نفسياً مهماً، فقد كانت تمنح الجمهور فرصة للهروب من السياسة إلى الحب، ومن الشعارات الكبرى إلى المشاعر الفردية، ولم تكن وردة نفسها بعيدة عن الحس الوطني، فهي الجزائرية التي ظلّت تحمل وطنها في وجدانها، وقدمت أعمالاً وطنية مرتبطة بالثورة الجزائرية والعروبة، لكن اللافت أنها لم تقع في فخ الخطابية المباشرة كما فعل كثير من مطربي تلك المرحلة، حتى في الأغنيات الوطنية ظل صوتها محتفظاً ببعده الإنساني والعاطفي.
لقد كانت وردة تغني الحب بوصفه قدراً جارحاً، لا تجربة رومانسية ناعمة، وحتى في لحظات الفرح كان هناك دائماً شيء من الحزن المختبئ داخل صوتها، وربما يعود ذلك إلى طبيعة حياتها الشخصية المضطربة وعلاقتها المعقدة ببليغ حمدي وتقلبات الشهرة والإحساس الدائم بعدم الاستقرار، ورغم شهرتها الطاغية لم تحظَ دائماً بالتقدير النقدي الذي تستحقه مقارنة بأسماء أخرى، ويكفي أن نتأمل كيف لا تزال أغنياتها حاضرة حتى اليوم في الذاكرة الجماعية العربية، ففي زمن تغيرت فيه الأذواق بسرعة هائلة، ما زالت أعمالها تُسمع في البيوت والسيارات والمقاهي، وما زال الجيل الجديد يعيد اكتشافها عبر المنصات الرقمية، وهذا البقاء ليس صدفة بل دليل على أن الفن الصادق ينجو من الزمن.
وبرعت وردة في خلق حالة غنائية تمتزج فيها العاطفة الشعبية بالوعي الموسيقي العميق عندما تعاونت مع الموسيقار سيد مكاوي، رغم تباين الطبائع والأساليب بينهما، فـوردة بصوتها المندفع والمحمّل بالشجن والأنوثة الدرامية، كانت تميل بطبعها إلى المساحات الطربية الرحبة التي تمنح المطربة فرصة الاستعراض العاطفي والتعبيري، بينما كان سيد مكاوي ابن البيئة الشعبية المصرية المتمرّد على القوالب الجامدة، ينزع إلى التلحين القائم على الجملة الذكية والروح الإنسانية القريبة من الناس، دون أن يفقد عمقه الموسيقي أو حسّه الابتكاري، ومن هنا جاءت خصوصية هذا التعاون لأنه لم يقم على التوافق السهل، بل على نوع من التحدي الفني الذي دفع كل طرف إلى إعادة اكتشاف إمكانياته،
وتمثل هذه التجربة في جوهرها صورة من صور التفاعل الخلاق بين مدرستين في الغناء العربي، وقد نجح الطرفان في تحويل هذا الاختلاف إلى مصدر ثراء لا إلى سبب تنافر، لذلك بقي هذا التعاون شاهدًا على مرحلة كانت فيها الأغنية العربية قادرة على الجمع بين المتعة والجمال والوعي الفني وربما لهذا السبب لا تزال أعمالهما المشتركة تحتفظ بقدرتها على التأثير، لأنها لم تُبنَ على موضة عابرة، بل على فهم عميق للروح الإنسانية وللعلاقة المعقدة بين الصوت واللحن والكلمة.
شكّل التعاون بين وردة والموسيقار صلاح الشرنوبي واحدةً من أكثر الثنائيات الفنية اكتمالًا في تاريخ الأغنية العربية الحديثة، إذ لم يكن لقاء الصوت باللحن مجرد تلاقٍ مهني عابر، بل بدا كأنه اتفاق خفي بين عاطفةٍ جارفةٍ تبحث عن شكلها الموسيقي، وملحنٍ يمتلك قدرة استثنائية على تحويل الانفعال الإنساني إلى بناء سمعي شديد الرهافة، وقد جاءت أعمالهما المشتركة في مرحلة كانت الأغنية العربية تعيش فيها تحولات كبيرة، بين صعود الإيقاع السريع وتراجع المدرسة الطربية التقليدية، فاستطاعا معًا أن يقدّما نموذجًا ثالثًا يحافظ على أصالة التعبير، دون أن ينغلق على روح العصر.
لم تكن وردة في حاجة إلى إثبات موهبتها حين التقت الشرنوبي، فقد كانت قد قطعت شوطًا طويلًا مع كبار الملحنين، لكنها رغم ذلك، كانت في حاجة إلى صوت موسيقي جديد يعيد اكتشافها من جديد، ويمنحها فرصةً للانتقال من الأداء الطربي التقليدي إلى مساحة أكثر درامية ووجدانية، الشرنوبي أعاد صياغة العلاقة بين الطرب والحداثة عبر صوت وردة، فقد حافظ على البنية الشرقية الواضحة، لكنه أدخل إليها حساسية لحنية معاصرة، فالكثير من أغنيات وردة مع الشرنوبي بدت وكأنها اعترافات شخصية أكثر منها نصوصًا غنائية، وربما يعود ذلك إلى قدرة الملحن على قراءة شخصية المطربة نفسها، تلك المرأة التي عاشت حياة عاطفية وفنية مليئة بالتقلبات، وحملت في صوتها دائمًا أثر الجرح القديم.
توفيت وردة في منزلها بالقاهرة إثر أزمة قلبية ودفنت في الجزائر، ووصلت في طائرة عسكرية بطلب من رئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وكان في استقبالها العديد من الشخصيات السياسية والفنية ليتم دفنها في مقبرة العائلة بالجزائر العاصمة، وكانت لدى وردة وصية قبل وفاتها قالت “أريد العودة إلى الجزائر فورا”.
اقرأ أيضا: في ذكرى رحيل وردة الجزائرية.. صوتٌ عبر الزمن لا يغيب عن الوجدان
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







