منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية فى فبراير من عام 2022، دخلت العلاقات بين موسكو وأوروبا فى مرحلة غير مسبوقة من التوتر السياسى والعسكرى والاقتصادي، بعدما تحولت القارة الأوروبية إلى أحد أبرز أطراف المواجهة عبر العقوبات الواسعة والدعم العسكرى والمالى لكييف..
إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت مؤشرات روسية متزايدة على رغبة فى فتح قنوات حوار جديدة مع أوروبا، فى ظل شعور متنامٍ داخل موسكو بأن الحرب الطويلة أرهقت الجميع، وأن استمرار القطيعة الكاملة مع الأوروبيين لم يعد يخدم المصالح الاستراتيجية الروسية، خاصة مع التحولات الدولية المتسارعة وعودة النقاش داخل بعض العواصم الأوروبية حول مستقبل الأمن فى القارة.
وظهرت الرغبة الروسية فى إعادة التواصل مع أوروبا بوضوح فى تصريحات رسمية صادرة عن الكرملين ووزارة الخارجية الروسية، كان أبرزها ما طرحه الرئيس الروسى فلاديمير بوتين مؤخرا عندما اقترح اسم المستشار الألمانى الأسبق جيرهارد شرودر باعتباره شخصية أوروبية «مقبولة» للحوار مع موسكو.
وجاء الطرح الروسى فى توقيت حساس، حيث تسعى موسكو لإظهار أنها لا تغلق الباب أمام التسويات السياسية، وأنها مستعدة للعودة إلى طاولة التفاوض مع الأوروبيين إذا توفرت شخصيات تعتبرها روسيا قادرة على لعب دور الوسيط أو القناة السياسية المقبولة.
ولم يكن اختيار شرودر عشوائيا، فالرجل يرتبط بعلاقات قديمة مع بوتين، كما أنه يعد من السياسيين الألمان القلائل الذين احتفظوا بعلاقات مع موسكو حتى بعد اندلاع الحرب، وقد عمل شرودر بعد خروجه من المستشارية الألمانية فى شركات طاقة روسية كبرى، وهو ما جعله محل انتقادات واسعة داخل ألمانيا وأوروبا خلال السنوات الماضية.
لكن من منظور الكرملين، فإن طرح اسمه يعكس رغبة روسية فى البحث عن شخصيات أوروبية «براجماتية» غير منخرطة بالكامل فى خطاب المواجهة الحالى مع موسكو.
كما صدرت خلال الأشهر الماضية تصريحات روسية أخرى أكدت هذا الاتجاه، فقد رحب المتحدث باسم الكرملين دميترى بيسكوف بدعوات أطلقتها بعض القيادات الأوروبية لاستئناف الحوار مع روسيا، معتبرا أن هذه المواقف «تطور إيجابي» يتوافق مع رؤية موسكو للأمن الأوروبي.
وأشار بيسكوف إلى أن القيادات فى فرنسا وإيطاليا وحتى ألمانيا بدأت تتحدث عن ضرورة إعادة قنوات التواصل مع الروس لتحقيق الاستقرار فى أوروبا، وهو ما اعتبرته موسكو مؤشرا على وجود مراجعات أوروبية تدريجية تجاه سياسة القطيعة الكاملة.. وتدرك موسكو أن أوروبا تواجه بدورها تحديات متزايدة نتيجة الحرب، سواء على مستوى الاقتصاد والطاقة أو على مستوى الأمن العسكري، فالقارة الأوروبية اضطرت خلال السنوات الماضية إلى رفع ميزانيات الدفاع بشكل غير مسبوق، كما واجهت أزمة طاقة حادة بعد تقليص الاعتماد على الغاز الروسي.
لذلك تراهن روسيا على أن الضغوط الاقتصادية والسياسة الداخلية داخل بعض الدول الأوروبية قد تدفع تدريجيا نحو البحث عن تسويات أو على الأقل فتح قنوات تواصل جديدة مع موسكو.
ويعكس الخطاب الروسى الأخير أيضا محاولة لإظهار أن موسكو ليست الطرف الرافض للحوار، بل إن روسيا تريد تحميل الأوروبيين مسئولية استمرار القطيعة، ففى أكثر من مناسبة تحدث بوتين ومسئولون روس عن أن أوروبا «أغلقت أبوابها بنفسها»، وأن موسكو لا تمانع فى العودة إلى التفاهمات إذا تغيرت المقاربة الأوروبية الحالية.. ويأتى ذلك بالتوازى مع سعى روسيا إلى استثمار التباينات داخل أوروبا نفسها، خاصة بين دول أوروبا الشرقية المتشددة تجاه موسكو، ودول أخرى ترى أن استمرار الحرب دون أفق سياسى يشكل استنزافا طويل الأمد للقارة الأوروبية بأكملها.
لكن فى المقابل، لا تبدو أوروبا مستعدة بسهولة للانفتاح على المبادرات الروسية، إذ تقابل العواصم الأوروبية هذه الرسائل الروسية بقدر كبير من التحفظ والشكوك.
وقد جاء الرد الأوروبى سريعا على اقتراح بوتين بشأن شرودر، حيث رفضت مسئولة السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى كايا كالاس فكرة أن تختار روسيا من يمثل أوروبا فى أى مفاوضات مستقبلية، مؤكدة أن الأوروبيين هم من يقررون من يتحدث باسمهم.. كما أعلن المستشار الألمانى فريدريش ميرتس رفضه الواضح للمقترح الروسي، مؤكدا أن أوروبا ستختار بنفسها أى وسيط أو مفاوض محتمل للحوار مع موسكو.
ويعكس هذا الموقف الألمانى خشية أوروبية من أن تكون المبادرات الروسية مجرد محاولة لإحداث انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.
ولا يرتبط التحفظ الأوروبى فقط بشخص شرودر، بل يمتد إلى انعدام الثقة العميق بين الطرفين منذ اندلاع الحرب، فالدول الأوروبية ترى أن روسيا استخدمت خلال السنوات الماضية أدوات الطاقة والضغوط العسكرية والسيبرانية كورقة ضغط ضد أوروبا، كما تعتبر أن أى حوار مع موسكو يجب أن يرتبط أولا بوقف الحرب واحترام السيادة الأوكرانية، ولهذا ترفض العديد من العواصم الأوروبية الدخول فى حوار واسع مع روسيا دون وجود تغيرات ملموسة على الأرض.
وتخشى أوروبا كذلك من أن تستغل موسكو أى انفتاح سياسى لإضعاف وحدة الموقف الأوروبى أو للتأثير على الدعم الغربى لأوكرانيا، ولهذا تستمر بروكسل فى تبنى خطاب متشدد نسبيا تجاه الكرملين، مع مواصلة العقوبات الاقتصادية وتعزيز الدعم العسكرى لكييف، رغم تزايد النقاشات داخل بعض الأوساط الأوروبية حول كلفة الحرب واستدامتها.
ورغم هذا التحفظ، فإن بعض المؤشرات توحى بأن جزءا من النخب الأوروبية بدأ بالفعل يفكر فى شكل العلاقة المستقبلية مع روسيا بعد الحرب، خاصة مع تصاعد المخاوف من استمرار المواجهة المفتوحة لسنوات طويلة، فهناك تيارات سياسية واقتصادية داخل أوروبا ترى أن القارة لا يمكنها تجاهل روسيا بشكل دائم بحكم الجغرافيا والمصالح الأمنية والطاقة، لكن هذه الأصوات لا تزال تواجه تيارا أوروبيا واسعا يعتبر أن أى تقارب سريع مع موسكو قد يفسر باعتباره تراجعا أمام السياسة الروسية.. وهكذا، يبدو أن روسيا تحاول حاليا إرسال رسائل سياسية إلى أوروبا مفادها أنها مستعدة لفتح صفحة حوار جديدة إذا توفرت الظروف المناسبة، بينما تتعامل أوروبا مع هذه الرسائل بحذر شديد بسبب استمرار الحرب وفقدان الثقة العميق بين الطرفين.
وبين الرغبة الروسية فى كسر العزلة الأوروبية، والتحفظ الأوروبى المرتبط بالمخاوف الأمنية والسياسية، تبقى احتمالات الحوار الحقيقى مرهونة بمستقبل الحرب الأوكرانية وقدرة الطرفين على الوصول إلى صيغة توازن جديدة داخل القارة الأوروبية.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







